أرض الصومال بين نشوة الاعتراف ومخاطر التموضع الإسرائيلي في القرن الإفريقي

يتناول المقال خلفيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، محللًا السياقات المحلية والدوافع الجيوبوليتيكية الإسرائيلية، ومرجحًا تداعيات سياسية وأمنية معقدة على الإقليم والمنطقة العربية. ويرى أن الخطوة تمثل مقامرة إستراتيجية قد تعمِّق الاستقطاب في القرن الإفريقي وتعيد تشكيل توازناته.
متظاهرون في العاصمة الصومالية مقديشو يحتجون على اعتراف إسرائيل بسيادة إقليم أرض الصومال الانفصالي في 28 ديسمبر 2025 (الأوروبية)

لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال حدثًا عابرًا في سجل العلاقات الدولية بل خطوة سياسية مثقلة بالرمزية ومشحونة بالدلالات، جاءت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. ففي ظل ارتدادات العدوان الإسرائيلي على غزة، وتصاعد التنافس على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بدا هذا الاعتراف أقرب إلى إعادة رسم لخطوط الاشتباك الجيوسياسي في منطقة تتقاطع عندها مصالح العرب وتركيا وإيران والغرب.

فالحدث لا يُختزل في كونه مكسبًا دبلوماسيًّا لكيان يبحث عن الاعتراف منذ عقود، ولا في كونه مناورة إسرائيلية لكسر العزلة بل هو فصل جديد من صراع الإرادات على الممرات البحرية، وعلى هوية الفضاء السياسي في القرن الإفريقي. ومن هنا تأتي أهمية قراءة السياقات المحلية والإقليمية والدولية التي أحاطت به، واستشراف ما قد يترتب عليه من تحولات تتجاوز حدود الإقليم إلى عمق النظام الإقليمي العربي.

من الاتحاد الصومالي إلى الاعتراف الإسرائيلي: مسار أزمة ممتدة

أثار الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال(1) مساء الجمعة، الموافق 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، زوابع سياسية وردود أفعال محلية وإقليمية، وربما دولية، ما بين مؤيد ومعارض، في خطوة كانت مفاجئة إلى حدٍّ ما لغير المراقبين للشأن الصومالي. وقد تخلَّل هذا الاعتراف احتفالات وصخب إعلامي لافت، كما صرَّح رئيس أرض الصومال بتصريحات مثيرة تعبِّر عن سعادته الغامرة بالاعتراف، وهو ما استوقف الكثيرين ما بين مؤيد ومعارض. وتعد هذه الخطوة إضافة جديدة إلى الديناميكيات السياسية في المنطقة، لاسيما منذ العدوان الصهيوني على غزة. وعليه، فإنه يمكن وصفها بأنها إحدى تجليات الصراع الجيوبوليتيكي في منطقة القرن الإفريقي ومحاولات إسرائيل للخروج من شرنقة العزلة الدولية نتيجة الإبادة الجماعية التي قامت بها في غزة. وفي هذه الدراسة، نحاول تسليط الضوء على السياقات والدوافع خلف هذا الأمر والتداعيات المتوقعة في المنطقة والإقليم.

يغيب عن الكثير أن دولة الصومال الحديثة تشكَّلت من اندماج طوعي بين إقليمين صوماليين، هما: إقليم صوماليلاند، والذي استقل في 26 يونيو/حزيران 1960، مع إقليم الصومال الإيطالي(2) والذي استقل بعده بأربعة أيام. وقد قام إقليم صوماليلاند، تحت تأثير مشاعر القومية الصومالية حينها، بمبادرة الاتحاد بين الإقليمين لتشكيل الدولة الصومالية الموحدة الحديثة، على أن يشكِّلا لاحقًا الأرضية السياسية لانضمام بقية أقاليم الصومال التي كانت ترزح تحت عدد من المستعمرين.

ولكن هذا الاتحاد السياسي لم يُكتب له النجاح بسبب أنماط السياسات الداخلية والخارجية للحكومات الصومالية المتعاقبة، والتي توَّجت سياساتها بحرب إبادة جماعية مفتوحة على القبائل في الشمال الصومالي، نجم عنها مقتل ما يقدر بـــ 200 ألف مواطن(3)، ولكن الجبهة الوطنية الصومالية (Somalia National Movement - SNM)  استطاعت أن تُسقط النظام وتتغلب عليه عسكريًّا في مناطق الشمال الصومالي(4)؛ وهو الأمر الذي أسهم في اتساع رقعة الصراع إلى بقية الصومال والعاصمة، مقديشو، وسقوط النظام لاحقًا، وأعلنت الاستقلال بإقليم الشمال الصومالي من خلال التوافق العشائري في العام 1991، وهو الإقليم الذي اصطُلح عليه بالإنجليزية بـصوماليلاند (Somaliland) أو أرض الصومال باللغة العربية.

أرض الصومال ومقديشو: مسار من الاحتقان والتصعيد

خلال الأعوام الأخيرة، عانى إقليم أرض الصومال، من وجهة نظره، السياسات العدائية للحكومة الفيدرالية في العاصمة، مقديشو؛ إذ يرى أن الحكومة الصومالية سعت إلى إدخال الإقليم في سلسلة من النزاعات العسكرية والأزمات الأمنية والاضطرابات السياسية والاختناقات الاقتصادية، كان أبرزها أزمة مدينة لاسعانود والمستمرة منذ عامين وحتى الآن، والتي أسهمت حكومة مقديشو في تأجيجها وتزويد القبائل بالسلاح والعتاد والمال ودعمها سياسيًّا، حتى إنها وافقت واعتمدت إقليم لاسعانود بشكل مثير دستوريًّا ليكون إقليم الصومال الشرقي(5)، ليصير بذلك خنجرًا سياسيًّا مسمومًا في خاصرة صوماليلاند.

وفي ديسمبر/كانون الأول من العام 2025، اندلعت احتجاجات في إقليم أودل غربي صوماليلاند، وامتدت هذه الاضطرابات إلى القبائل القاطنة حتى الحدود المتاخمة لدولة جيبوتي، وأشارت التحقيقات من قبل حكومة أرض الصومال إلى تورط كلٍّ من مقديشو(6) وجيبوتي، بالإضافة إلى الإقليم الصومالي في إثيوبيا(7)، في هذه الأحداث التي حاولت إشعال تمرد في المناطق الغربية للإقليم وتأجيج الصراع، وكاد أن يندلع نزاع مسلح بين القبائل في تلك المنطقة لولا نجاح الحكومة في أرض الصومال في نزع فتيل الأزمة قبل استفحالها.

كما قامت مقديشو سابقًا بفرض إجراءات حصار جوية وبحرية من خلال فرض التأشيرة الإلكترونية على الصوماليين من غير حاملي جواز السفر الصومالي؛ مما ضيَّق الخناق على المسافرين إلى أرض الصومال(8)؛ حيث جرت الأعراف بأن الرسوم تؤخذ منهم حين وصولهم إلى مطار هرجيسا، عاصمة أرض الصومال أو صوماليلاند؛ مما كان يشكِّل موردًا ماليًّا للحكومة في صوماليلاند، وهو ذات الإجراء الذي كان متبعًا في كافة أقاليم الصومال. كما سعت الحكومة الفيدرالية إلى فرض رسوم على السفن التي ترسو في ميناء بربرة التابع للإقليم سعيًا منها لتقليص الإيرادات المالية لأرض الصومال من موانئها.

كما أنها، ومنذ سنوات، حاصرت وحاولت منع المساعدات الخارجية لأرض الصومال من المجتمع الدولي على نحو مباشر(9). وأخيرًا، كان للنهج التصعيدي لمقديشو(10) تجاه مذكرة التفاهم بين أرض الصومال وإثيوبيا، والتي كانت ستمنحها قاعدة عسكرية على سواحل الإقليم، دوره الذي لا يمكن تجاهله في زيادة الفجوة السياسية بين الإقليم ومقديشو، وذلك بالرغم من أنه كانت هناك خيارات أخرى لإفراغ المذكرة من محتواها وإلغائها دون رفع منسوب الاستعداء مع صوماليلاند. كل هذا أكد ورسَّخ القناعة لدى قيادة أرض الصومال بأن نهج الحكومة الفيدرالية هو زعزعة الاستقرار في أرض الصومال، دون الأخذ بعين الاعتبار تداعيات هذه المساعي على الإقليم والصومال خصوصًا والمنطقة بشكل عام، ودون البحث عن حلول أقل تكلفة سياسيًّا، وهذا بدوره ألقى بظلاله على العقل الجمعي والسياسي للإقليم وقيادته.

أرض الصومال في الحسابات الجيوبوليتيكية الإسرائيلية: من البحر الأحمر إلى كسر العزلة

لا شك في أن التحرك الإسرائيلي لا يأتي في سياق بعيد عما تكابده المنطقة من تداعيات العدوان الإسرائيلي وسعيه لإعادة تشكيل المنطقة والتحالفات فيها بما يخدم مصالحه. فأرض الصومال، بموقعها الإستراتيجي، وكما هي حال الدول المطلة على البحر الأحمر، واقعة ضمن المشاريع الجيوبوليتيكية لإسرائيل، التي تهدف إلى إضعاف دول المنطقة وتقسيمها أو عزلها عن محيطها العربي والإسلامي وارتهانها للخارج الذي يريد دفعها إلى حضنه. وهذا سيمكِّن إسرائيل من التحكم في معادلات المنطقة لصالح مشاريعها، وهو أمر نشهده الآن في السودان واليمن وإثيوبيا بشكل واضح.

إن حكومة إسرائيل قرأت أزمة أرض الصومال مبكرًا، وذلك منذ نشأتها، وحاولت على نحو متكرر التغول فيها، إلا أنها فشلت نظرًا للممانعة الشعبية والنخبوية. فيما آثرت الدول العربية تجاهل هذه الأزمة العميقة في الصومال، واستمرت في دعم حكومة مقديشو بالرغم من فشلها في بناء السلم والدولة والحكم الرشيد، ولم يُلْتَفَت إلى سردية أرض الصومال السياسية والتاريخية والعمل على معالجتها بعيدًا عن أطماع الكيان الصهيوني في المنطقة. وعليه، استفاد الكيان الصهيوني من العزلة السياسية لأرض الصومال لصالحه.

إن إسرائيل ترى أن هناك مصالح إستراتيجية لها من خلال هذا الاعتراف؛ حيث يمكن الاستفادة من الموقع الإستراتيجي لصوماليلاند -نظرًا لقربها من اليمن- منصةً للعمليات المباشرة ضد الحوثيين وغيرهم؛ حيث شنَّت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية مكثفة ضد حركة الحوثيين على مدى العامين الماضيين دون حسم الصراع لصالحهما. كما يمكن أن تكون أرض الصومال بمنزلة قاعدة أمامية للمراقبة الاستخباراتية(11) لعمليات الحوثيين والتغلغل الإيراني في القرن الإفريقي وتشابك مصالحهما مع الحركات الإرهابية في الصومال بفرعيها، حركة الشباب وداعش.

كما تحاول إسرائيل من خلال هذا الاعتراف فرض الخناق ومحاصرة وتقليص الدور التركي المتزايد في القرن الإفريقي وفي المنطقة(12)، كما سيسهم هذا التواجد في تأمين الناقلات الإسرائيلية التي تمر عبر مضيق باب المندب وتأمينها ضد الهجمات المحتملة.

كما يصب هذا الاعتراف بصوماليلاند في صالح تخفيف العزلة المتزايدة على الكيان الصهيوني(13) جرَّاء تراجع الدعم الدولي غير المحدود له بسبب عمليات الإبادة التي مارسها على غزة وأهلها خلال عامين كاملين، وما زال، وبدعم مباشر وغير مباشر من حلفاء إستراتيجيين مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

اعتراف محفوف بالمخاطر: التداعيات السياسية والأمنية لخطوة صوماليلاند نحو إسرائيل

لا شك في أن هذا الاعتراف من الكيان الإسرائيلي الذي عدَّته أرض الصومال أو صوماليلاند نصرًا لها في الساحة الدولية ضد مقديشو؛ حيث ربما رأت فيه فتحًا وأفقًا نحو اعتراف عدد غير يسير من الدول إقليميًّا وعالميًّا، سيترتب عليه عدد من التداعيات والتحديات السياسية والأمنية والتي قد تؤثر سلبيًّا عليها وربما على الاعتراف نفسه، ومنها:

  • أن الكيان الإسرائيلي يمر بأسوأ مراحله منذ نشأته بسبب تداعيات عدوانه على غزة والإبادة الجماعية التي استمرت عامين؛ حيث انفضت عنه الشعوب والدول وحتى بعض المجتمعات اليهودية، وخاصة النخب منها، ومن ثم من الصعب توقع أن يكون الكيان الصهيوني ظهيرًا فاعلًا لأرض الصومال، وخاصة أن إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة تنأى بها بعيدًا عن الانغماس في التوترات المستقبلية ومنها منطقة القرن الإفريقي، كما أن تاريخ العلاقات بين الدول التي طبَّعت مع إسرائيل لا يبشر بمستقبل زاهر للعلاقة بين الطرفين. وبالإضافة إلى معاناة إسرائيل سياسيًّا فإنها تعاني اجتماعيًّا واقتصاديًّا بشكل قد يهدد مستقبلها. وعليه، فإن فوائد ونتائج هذا الاعتراف حتمًا ستصب لصالح الكيان الصهيوني، ولكنه من غير المتوقع أن تستفيد منه أرض الصومال كما يروِّج لذلك البعض.
  • كما أعلنت حركة الشباب من خلال ناطقها الرسمي(14) رفضها القاطع لما قامت به حكومة أرض الصومال من تبادل الاعتراف مع الكيان الصهيوني، وعدَّت الحركة حكومة أرض الصومال مرتدة، وقد صرَّحت رسميًّا بأنها ستستهدف مصالح الكيان الصهيوني في أرض الصومال بالإضافة إلى نيتها استهدافها لمصالح حكومة أرض الصومال، وهو أمر سيكون له تداعياته على استقرار أرض الصومال وربما الصومال ذاته في ظل ظهور آفاق جديدة لإعادة الزخم لعمليات هذه الحركة الإرهابية، وخاصة أن هناك تعاونًا عسكريًّا وأمنيًّا وتقنيًّا ولوجستيًّا رُصِد بينها وبين الحوثيين في الآونة الأخيرة(15). وقد هدَّد الحوثيون سابقًا، وبعد الاعتراف أيضًا، باستهداف أرض الصومال، وخاصة العاصمة هرجيسا، في حال انطلقت عمليات إسرائيلية أو أميركية ضد الحوثيين من أرضها.
  • ستكون كلفة الابتعاد العربي والتركي عن أرض الصومال أو صوماليلاند مكلفة جدًّا لكل الأطراف، وخاصة إذا تمكنت النخب الموالية للكيان الصهيوني من مراكز صنع القرار في أرض الصومال. لذا، آن الأوان لقلب الطاولة السياسية وإعادة صياغة المنطقة باتجاه المصالح العربية حتى لا تتسع الجبهة الساخنة والممتدة من شرق ليبيا مرورًا بالسودان وإثيوبيا، ومن ثم تصبح دول مثل السعودية ومصر مطوقة ومهددة إستراتيجيًّا من الجنوب. وهذا الأمر سيزداد خطورة لو اكتمل الطوق بسقوط جنوب اليمن تحت ظل النفوذ الإسرائيلي، وهذا يتطلب مقاربة جديدة في التعامل مع أزمات الصومال تراعي ضعف مؤسسات الدولة في الصومال وغياب الحكم الرشيد وتراعي مساعي أرض الصومال للاعتراف.
  • يمكن للحكومة الصومالية في مقديشو أن تقدم مبادرة لامتصاص الاعتراف من خلال إعلان استعدادها للتفاوض الحقيقي والفعال مع حكومة أرض الصومال حول الاعتراف ضمن توافقات واشتراطات تراعي مصالح الطرفين وتحفظ المنطقة من الانخراط في ديناميكيات الصراع الجيوبوليتيكي، ومن ثم تعيد التوازن إلى الملف من خلال إرجاعه إلى الحضن الصومالي والعربي والإسلامي، وخاصة أن حكومة أرض الصومال أصبحت مدركة للردود العربية السلبية تجاه خطوتها نحو إسرائيل والتهديدات التي أطلقتها كل من حركتي الشباب والحوثيين، ومن ثم أصبحت أكثر قناعة وإدراكًا للخطر المحدق بها جرَّاء الاعتراف من الكيان الصهيوني.
  • إن النخب الاجتماعية والسياسية والدينية في أرض الصومال تعيش حالة تنازع داخلي تجاه الاعتراف الذي حصلوا عليه بعد ثلاثة عقود ويزيد من المساعي، وتجاه الارتدادات السياسية والأمنية لهذا الاعتراف ومخالفته لدستور أرض الصومال بالإضافة إلى إدراكهم للأطماع الإسرائيلية وخطورته عليهم وعلى المنطقة العربية، ومن ثم فإن هذه النخب مدركة تمامًا خطورة هذه المرحلة ثمنًا للاعتراف والذي سيكون كبيرًا دون ريب. وعليه، بدأت تتزايد الأصوات المعارضة للاعتراف من قبل الكيان الصهيوني رويدًا رويدًا هادفة إلى التدارك قبل أن يستفحل الأمر وتحدث اختراقات للمجتمع سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. وفي المقابل، من المحتمل أن تتخذ حكومة أرض الصومال إجراءات ضد الأصوات المعارضة في المدى المنظور، لكن من غير المتوقع أن يستمر الاعتقال أو يتوسع لأن هذا المسار سيقود إلى احتقان سياسي داخلي في أرض الصومال وربما يندلع المزيد من النزاعات والصراعات، وهذا أمر ليس بمقدورها تحمله في الوقت الحاضر.

مقامرة الاعتراف بين العزلة والاختراق: أرض الصومال في مفترق الحسابات العربية والإسرائيلية

إن المغامرة السياسية التي قامت بها حكومة أرض الصومال أو صوماليلاند لم تكن محسوبة العواقب، وكانت العواطف السياسية وأشواق الحصول على الاعتراف شعبيًّا وحكوميًّا والضغوطات الحكومية الأميركية غير الخافية دافعًا وزخمًا قويًّا لها. وهذا لا يبرر لها من حيث المبدأ الحصول على الاعتراف من الكيان الغاصب لأرض فلسطين لما ذكرناه من أسباب وتحليل.

وإسرائيل لم تسع في هذا الأمر إلا تحقيقًا لمصالحها يقينًا، وسعيًا منها لتدشين عصر جديد من التنافس الدولي في منطقة القرن الإفريقي على حساب دولها وإرباكًا للفاعلين في المنطقة كالسعودية ومصر وتركيا، والتاريخ القريب مع الدول التي طبَّعت معها إسرائيل يؤكد هذا الاتجاه كمصر والأردن وفلسطين. وعليه، فإن حكومة أرض الصومال مدعوَّة إلى مراجعة موقفها والعودة إلى الحضن العربي بالرغم من التحديات السياسية في غياب الاعتراف والعزلة الدبلوماسية كي لا تصبح لقمة سائغة للكيان الصهيوني.

إن ردود الفعل السياسية من بعض الدول العربية والنخب السياسية الحاكمة فيها لا ترقى إلى خطورة ارتدادات الاعتراف عليها وعلى المنطقة الآن وفيما بعد، كما لم تتمكن من استخلاص أو استقراء رؤى ومقاربات سياسية عميقة لأزمة الاعتراف بصوماليلاند سوى بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع كما هو العهد بكثير من مواقفها في قضايا المنطقة. بل إن أكثرها يعكس جهلًا بالمآلات السياسية والأبعاد التاريخية والقانونية الحقيقية لإشكاليات الاعتراف بأرض الصومال، والوضع الحالي يؤكد ضعف الحاسة الإستراتيجية لصنَّاع القرار والنخب السياسية والفكرية في المنطقة العربية.

وعليه، فإن استدراك ما فات من الممكنات السياسية قبل أن يشتد الخناق ويستفحل الأمر على الجميع، وقبل أن يتم تفتيت سياسي جديد للأمة العربية، وقبل أن يكون الحصاد مرًّا على الجميع، ضرورة لا تحتمل التأجيل. إن الثمار السياسية المُرَّة اليوم والتي بين أيدينا هي ثمار حصاد الأمس من خور سياسي وتفكك المنظومة العربية وتضارب المصالح بين مكوناتها، وربما أصبحت أرض الصومال خنجرًا سامًّا في ظهر الجميع قبل أن تدرك الدول العربية ذلك. لذا يجب أن تكون هناك خطوات عاجلة واستباقية لاحتواء الإشكال الصومالي الأكبر، أعني أزمة الصومال وأرض الصومال، وإيجاد الحلول السياسية عربيًّا وصوماليًّا قبل أن يُوظَّف الإقليم لضرب العرب ومصالحهم.

إن دولًا مثل مصر والسعودية وتركيا هي الأكثر استهدافًا من بين بقية الدول العربية بالتحرك الإسرائيلي نحو أرض الصومال، ولقد كانت أزمة أرض الصومال ماثلة أمام أعينها خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلا أنها لم تحرك ساكنًا ولم تقم بمبادرات لحل الاختناقات السياسية فيها، وبقيت تراقب هذا الشأن من بعيد، فيما كان الكيان الصهيوني يمد يديه طيلة هذه العقود رغبة منه في سلخ هذه المنطقة من محيطها العربي والإسلامي لصالح مشاريعه في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر وإعادة تشكيل التحالفات والجغرافيا في المنطقة.

خاتمة

إن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليس مجرد ورقة دبلوماسية، بل اختبار قاسٍ لوعي المنطقة بذاتها. فهو يكشف هشاشة الترتيبات الإقليمية، ويعرِّي الفراغات التي تسلَّلت منها مشاريع خارجية لتعيد هندسة الجغرافيا السياسية على مقاس مصالحها.

وإذا لم تُبادر العواصم العربية والإفريقية إلى استعادة زمام المبادرة، وصياغة مقاربة واقعية تعالج جذور الأزمة الصومالية بدل الاكتفاء بردود الفعل، فإن القرن الإفريقي مرشح ليصبح ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ، بما قد يفضي إلى تطويق إستراتيجي جديد للمنطقة العربية من خاصرتها الجنوبية.

إن اللحظة تستدعي شجاعة سياسية لا بيانات إنشائية، وإستراتيجية بعيدة المدى لا حسابات آنية، فإما أن تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الإقليمي أو تتحول إلى سابقة تؤسس لمرحلة أشد اضطرابًا.

ABOUT THE AUTHOR

References

1)- Reuters, “Israel becomes first country to formally recognise Somaliland as independent state”, Reuters, 27 December 2025, https://shorturl.at/SSd2X, (accessed 9 February 2026)

2)- UNITED NATIONS. (1960). TRUSTEESHIP COUNCIL. https://digitallibrary.un.org/record/715650?v=pdf  (accessed 10 February 2026)

3)- Reinl, J. (2014, February 6). Investigating genocide in Somaliland. Al Jazeera. https://h1.nu/1p9gZ (accessed 11 February 2026)

4)- Amnesty International, International Cooperation for Development, Hoyland, P., Bradbury, M., Hoyland, P., Hassan, A., Samatar, A. J., Ali, M. H., Hussein, R. A., Adan, A. H., Aw-Barakaale, H., Muhamoud, H., Ahmed, H., Abdillahi, R. S., Ahmed, A., Ismail, S., Abdillahi, F., Said, H., Ali, H., . . . Hoyland, P. (1998). Human rights in Somaliland: Awareness and action. In A. Y. Abokor, A REPORT OF a WORKSHOP HELD IN HARGEISA, SOMALILAND [Report].

5)- Hiraal Institute, Hiraal Briefing. (2023). The Road to Resolution: Understanding the intricacies of the Las Anod conflict & the Path to Peace. https://h1.nu/1k46n (accessed 12 February 2026)

6)- Africa, D. (2025, December 27). Somaliland accuses the Somali government of inciting the violence in Borama. Dawan Africa. https://h1.nu/1p9gQ (accessed 9 February 2026)

7)- Barawani, A. (2025, December 10). Awdal and the strategic calculus in the Horn. Geeska. 10 December 2025, https://h1.nu/1p9ht (accessed 8 February 2026)

8)- AfricaNews. (2025, November 11). Somaliland rejects visas issued by Somalia and tightens control over its airpsace. Africanews. 11/11/2025: https://h1.nu/1k47e (accessed 9 February 2026)

9)- International Crisis Group. (n.d.). International Crisis Group (Author): “Somalia-Somaliland: A Halting Embrace of Dialogue”, 6 August 2020: https://h1.nu/1p9i1, (accessed 9 February 2026)

10)- Lawal, S. (2024, January 10). Why is Somalia so angry about Ethiopia’s new Red Sea port deal? Al Jazeera 6 January 2024: https://h1.nu/1k47I (accessed 12 February 2026)

11)- Israel’s Recognition of Somaliland and its Implications for Regional Peace and Development, Atlas Institute, January 10, 2026: https://h1.nu/1p9iv (accessed 12 February 2026)

12)- Soylu, R. (Israel-Turkey rivalry moves to the Horn of Africa, Middle East Eye, 29 December 2025 : https://h1.nu/1k48n (accessed 12 February 2026)

13)- Sharvit Baruch, P. (2024). Israel on the dangerous path to international isolation.

14) حركة الشباب تتوعد إسرائيل بعد اعترافها بأرض الصومال، إندبندنت عربية، 27 ديسمبر/كانون الأول 2025 (تاريخ الدخول: 15 فبراير/شباط 2026)، https://shorturl.at/i1u1F

15)  إبراهيم جلال وعدنان الجبرني: مراكب ومسيَّرات وأموال: تمدُّد الحوثيين نحو الصومال، كارنيجي، 8 أبريل/نيسان 2025 (تاريخ الدخول: 15 فبراير/شباط 2026)، https://h1.nu/1p9gg