على وقع الحرب وغياب خامنئي: سيناريوهات الخلافة وتوازنات الانتقال في الجمهورية الإسلامية

انتقال القيادة في إيران، مهما كانت الظروف المحيطة به، يحمل القابلية للإدارة مؤسسيًّا عبر المادة 111 التي تضمن استمرار صلاحيات "القائد" بمجلس مؤقت إلى حين حسم مجلس الخبراء للاختيار، وإن كانت بلا سقف زمني واضح. في سياق حرب مفتوحة، ستكون أولوية النظام تثبيت الاستمرارية وضبط الإيقاع قبل أي انفتاح على خيار التسويات السياسية.
1 March 2026
انتقال القيادة في إيران يمكن إدارته مؤسسيًّا حتى في ظروف الحرب (وكالة الصحافة الفرنسية)

تدخل إيران مرحلة جديدة مع غياب آية الله علي خامنئي، ومن الناحية الدستورية لن تجد إيران صعوبة في ملء الفراغ؛ إذ يُفصِّل الدستور الإيراني في هذه المسألة، لكن المسار الحرج يتعلق بأن هذا الانتقال يأتي وسط مواجهة تخوضها الجمهورية الإسلامية.

تنص المادة 111 من الدستور على أنه "في حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يتعين على مجلس الخبراء اتخاذ إجراء في أسرع وقت ممكن لتعيين قائد جديد (دون تحديد المدة) وإلى حين تعيين القائد، يتولى مجلسٌ مؤلَّف من الرئيس ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، الذي يختاره مجلس تشخيص مصلحة النظام، جميع مهام القائد مؤقتًا". وبطبيعة الحال، تَعُد المادة 111 المجلس الذي يتولى مهام القائد إلى حين اختيار خليفته "مؤقتًا".. بحسب هذه المادة، يتعين على أعضاء مجلس الخبراء تعيين قائد جديد "في أسرع وقت ممكن"، لكن لم تُحدَّد المدة الزمنية المتاحة لهم لإجراء هذا الاختيار، ولا ما سيحدث في حال عدم التوصل إلى قرار بشأن شخص ما، ولا المدة التي سيستمر فيها هذا الاختيار.

الحرب هي الحرب

"الحرب هي الحرب، ونحن ندرك قوة جيش الولايات المتحدة الأميركية وقدرتها على البطش، لكننا قادرون على إيذائها وتهديد مصالحها". هكذا يُشخِّص الوضعَ مسؤول إيراني قابلته في طهران بالتزامن مع هجمات نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على عدد من الأهداف صباح الـ28 من فبراير/شباط 2026.

استهدفت الهجمات مكتب القائد الأعلى، آية الله علي خامنئي، ووزارات الاستخبارات والدفاع ومكاتب القيادات الأمنية ومنظمة الطاقة الذرية ومبنى السلطة القضائية. وتوزعت الهجمات على مدن طهران ولرستان والبرز وتبريز وقم وجابهار وكرمانشاه واردبيل وخرم اباد وآرومية وأصفهان ومهاباد وبندر عباس. ردَّت إيران بهجمات بواسطة الصواريخ والمسيرات على القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج، وكذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة.

بعد المواجهة التي حدثت في يونيو/حزيران من العام 2025 واستمرت 12 يومًا، حين هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية إيران التي ردَّت بهجمات صاروخية ومسيرات، لم يعد الحديث عن تَجدُّد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل حدثًا عسكريًّا مستقبليًّا بل واقعًا يُهدِّد الجميع.

بعد عقود من الصراع الممتد الذي تداخلت فيه أدوات الإكراه والردع والتأثير دون إعلان مواجهة مباشرة، دخل الصراع مرحلة جديدة متجاوزًا العتبات التي تم الوقوف عندها منذ انتصار الثورة الإسلامية وإلى وقت قريب، ولم يعد مفهوم "المنطقة الرمادية" صالحًا من الناحية التفسيرية، لقد تغيرت المعادلة بالكامل بعد "طوفان الأقصى" والعدوان على غزة وتصاعد لدى إسرائيل التقييم الإستراتيجي الذي يرى في إيران تهديدًا وجوديًّا يجب التعامل معه.

صحيح أن الصدام بين إيران والولايات المتحدة الأميركية ليس أمرًا طارئًا أو مستجدًّا، لكنه انتقل بالتأكيد إلى مستويات غير مسبوقة، بعد مراكمة خبرة إستراتيجية، جعلت المواجهة تتجاوز معادلة تبادل إطلاق النار إلى صراع منظومات، أخذ طابع المواجهة العسكرية بعد تفعيل أميركي مكثف لشبكة النفوذ والقدرات العابرة للحدود عبر الاستخدام غير المسبوق لأدوات الحصار والضغط المالي والعمليات غير المعلنة؛ مما جعل المواجهة مسبوقة ببيئة تشغيلية طويلة سعيًا لمعركة قصيرة وحاسمة لكن المعادلة من الجانب الآخر الإيراني لا تجعل الهدف الأميركي قابلًا للتحقق.

سعت إيران لتجنب المواجهة الشاملة، ولم يكن ذلك مجرد حساب ظرفي لدى صانع القرار الإيراني، بل سمة متجذرة في الثقافة الإستراتيجية انعكست بوضوح بعد إرث الحرب العراقية-الإيرانية وكلفتها البشرية والتنموية الباهظة التي تحملتها إيران على مدى سنوات الحرب الثماني، وهذا يفسِّر كيف يمكن لطهران أن تجمع بين استعداد للمواجهة وفي الوقت ذاته ميل إلى ضبط الإيقاع، وهي مسألة لا ترتبط بالخوف من الحرب بقدر ما يمكن تسميته بتفضيل استمرارها تحت سقف يمكن التحكم فيه وتحمل خسائره.

انخرطت إيران في مفاوضات بشأن برنامجها النووي، وأقامت الحُجَّة على الولايات المتحدة الأميركية بخصوص امتلاك السلاح النووي؛ إذ قدمت مقترحات بهذا الخصوص تتضمن تحويل فتوى آية الله علي الخميني بحرمة صناعة السلاح النووي إلى قانون يصدر عن مجلس الشورى يحظر ذلك، إضافة إلى ترقيق (تخفيف) اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وتحويله إلى وقود نووي، لكن إيران لم تكن مستعدة للتخلي عن أصل التخصيب.

وفقًا لأبو الفضل عموي، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، الذي التقيته في طهران، فقد كان المفاوض الإيراني مكلفًا بالحفاظ على أصل البرنامج النووي؛ وذلك يتضمن الجزء المعرفي والعلمي، وأكثره حساسية هو الجزء المتعلق بالتخصيب؛ إذ تصر إيران على حفظ السلسلة المتمثلة بالمعدن والعلم والصناعة ومن ذلك صناعة المفاعلات النووية والتخصيب وتحويل ذلك إلى وقود.

يرى خبير أمني إيراني قابلته في طهران أن استبعاد المواجهة قد غادر العقل الإستراتيجي الإيراني إلى الأبد، وكان هذا حاضرًا وهي ترسل وفدها إلى المفاوضات، "هذه المرة كنَّا ندرك عدم جدية الطرف الأميركي، لاحظ وفد التفاوض الإيراني بهذا الخصوص أن المفاوض الأميركي لم يكن يُسجِّل ملاحظات خلال التفاوض، بدا وكأن هناك قرارًا قد اتُّخذ ولم تكن العودة إلى التفاوض سوى ذريعة لتبرير الهجوم".

يتحدث هذا الخبير عن عناصر القوة الإيرانية، ويؤكد أن هناك أمورًا لا يعرفها أعداء إيران، ومن ذلك أن لديها قدرات من شأنها أن تغيِّر المعادلة، وهي "قدرات غير صاروخية وغير المسيرات وليست السلاح النووي". ويضيف: "نعرف أن الجيش الأميركي بالمعنى المادي والحسابات العسكرية هو أقوى جيش في العالم، ولا يوجد توازن في القوة العسكرية، لكن إيران ليست ضعيفة، فهي تستطيع الصمود رغم الخسائر الكبيرة وتستطيع أن تُلحق ضررًا بالغًا بالمصالح الأميركية...وإذا وصل الأمر إلى تهديد وجودي فسيكون تهديدًا وجوديًّا للجميع وليس الجمهورية الإسلامية فقط".

في المواجهة، تحتل القدرات الصاروخية درة التاج في منظومة القوة الإيرانية، وقد مَرَّ البرنامج الصاروخي الإيراني بثلاثة أجيال؛ الجيل الأول لم يكن دقيقًا وكان قصير المدي، أما الجيل الثاني فقد كان دقيقًا لكنه لم يكن بعيد المدى وصولًا إلى الجيل الثالث الذي يتسم بالدقة وبُعد المدى. وعلى عكس البرنامج النووي الذي تعرَّض للانكشاف بفعل الرقابة التي أعملتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية فضلًا عن عدم الرغبة الإيرانية في إخفاء هذا البرنامج تبقى المعلومات قليلة حول البرنامج الصاروخي الإيراني.

بفعل العقوبات، مُنعت إيران من الحصول على السلاح. وعلى مدى عقود، بقيت الميزانية العسكرية الإيرانية منخفضة مقارنة بدول في المنطقة، وكانت حتى العام 2022 تبلغ 3% من الميزانية العامة للدولة وارتفعت في السنوات اللاحقة إلى 4% لتصل اليوم إلى حدود 6%. مبكرًا، اتجه القرار العسكري إلى ضرورة امتلاك تكنولوجيا صناعة الصواريخ وتوطينها في إيران على يد علماء إيرانيين. وفي حين قد تصل كلفة الصاروخ الباليستي إلى مليون دولار، تستطيع إيران صناعة هذا الصاروخ بكلفة تصل إلى 2000 دولار. لقد تحول العمل بهذا الخصوص إلى خلايا عسكرية منتشرة على اتساع الجغرافيا الإيرانية كل خلية تقوم بصناعة صاروخ ما، وهذه الخلايا قادرة على إدامة العمل في أصعب الظروف.

منظومة القيادة

وعودة إلى مسألة انتخاب القائد الأعلى، فالمسألة تتداخل على مستويين، مستوى الآلية الدستورية الرسمية التي تنظِّم انتقال السلطة، ومستوى التوازنات السياسية-الأمنية الفعلية التي تحسم عمليًّا شكل الاختيار وحدوده.

فعلى المستوى القانوني، يتولى مجلس خبراء القيادة انتخاب المرشد، بينما ينص الدستور على ترتيبات انتقالية عند حدوث شغور أو عجز مفاجئ، بما يضمن عدم انقطاع صلاحيات القيادة إلى حين حسم الاختيار. غير أن التجربة الإيرانية تُظهر أن النص الدستوري يعمل ضمن بيئة مؤسسية يكون فيها لمؤسسات بعينها دور لا يُستهان به في عملية الانتخاب أو ترجيح اتجاه على آخر. أما الخليفة المحتمل فيجب أن يحصل على ثلثي أصوات أعضاء مجلس الخبراء على الأقل، فإذا لم يحصل أي مرشح على هذا العدد من الأصوات، فبإمكان المجلس الثلاثي المذكور في المادة 111 نظريًّا أن يتولى مهام القيادة إلى أجل غير مسمى. لكن لقاءات كثيرة عقدها خامنئي قبل رحيله ومنها مع مجلس الخبراء تقول بأن مسألة خلافته قد تم بحثها ومناقشتها ضمن سيناريوهات عدة، لكن هذه السيناريوهات لا تأتي على وقع حالة وفاة طبيعية للقائد الأعلى بل على وقع مواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

في الفترة الانتقالية، يبرز دور الهيئة القيادية المؤقتة بوصفها صمام أمان دستوري يتيح إدارة شؤون القيادة إلى حين انتخاب قائد جديد. لكن الوزن الحقيقي لهذه المرحلة لا يتحدد فقط بطولها الزمني، بل بطبيعة التوافق داخل النخبة على اسم، أو صيغة انتقالية تحظى بإجماع أكبر. وفي الحالات التي تتزامن فيها عملية الخلافة مع صدمة أمنية أو سياق حرب أو تصعيد خارجي، تصبح أولوية النظام هي ضبط القرار وضمان الأمن، ولذلك فإن المراجعات السياسية لا تتم ضمن هذا الإطار، بل قد تكون مسألة لاحقة.

ضمن هذا الإطار، يُعد السيناريو الأكثر اتساقًا مع منطق الدولة الإيرانية هو اختيار خليفة، يضمن نواة النظام الصلبة وهذا يرجح أن تتولى شخصية أصولية أو توافقيه زمام الأمر ضمن معادلة تسمح بمرور قرار الانتخاب بسلاسة داخل مجلس الخبراء مما يعطي رسائل داخلية وخارجية بتماسك النظام وقوته. ويزداد ترجيح هذا المسار كلما ارتفعت كلفة الفراغ أو طال أمد المداولات.

يتصل بهذا السيناريو، وبدرجة احتمال مرتفعة أيضًا، مسار يرتبط بتقييم الحالة؛ مما قد يؤدي إلى أن تمسك المؤسسة الأمنية-العسكرية بمركز الثقل في القرار خلال المرحلة القادمة، مع الدفع باتجاه اختيار قائد بصورة رمزية توفر غطاء شرعيًّا ودستوريًّا لحالة الإمساك هذه.

ويرجح هذا السيناريو المواجهة الدائرة والحاجة إلى إدارة التصعيد وضبط الجبهة الداخلية؛ مما يدفع باتجاه تعظيم دور المؤسسات الأكثر قدرة على الفعل السريع والانضباط المؤسسي.

ومن السيناريوهات الممكنة أيضًا، أن يتولى القيادة مجلس، وهذا خيار تُحدِّده طبيعة التوازنات على الساحة الإيرانية، وإذا تعذر التوافق على مرشح واحد بما يضمن استمرار النظام، فقد يتم الاتجاه نحو تمديد الانتقال لإدارة المخاطر بدل فرض اسم قد يفتح الباب أمام صراع داخلي.

أما سيناريو التسوية البراغماتية المتحفظة، عبر انتخاب شخصية تبدي مرونة أكبر تجاه الملفات الكبرى، فهو أمر ممكن لكنه يأتي كمرحلة لاحقة لتثبيت الأمن ومنع حدوث شرخ سياسي. وهذه المرونة قد تكون خيارًا لوقف الاستنزاف دون المساس بالثوابت الأمنية.

ورغم الحديث كثيرًا عن سيناريو "توريث مجتبى خامنئي" إلا أن هذا السيناريو هو الأقل وربما يكون قد أُغلق بابه بالكامل إن كان الرجل قد قضى مع والده الذي كان يلازمه كثيرًا، فضلًا عن أن خامنئي أرسل رسائل عدة في حياته بأنه يرفض هذا الخيار.

وعلى اعتبار أنه خيار موجود فهو رهن بتماسك الحلقة الضيقة، وإمكانية تمرير الاسم داخل مجلس الخبراء، ومستوى قبول ذلك داخل المؤسسة الدينية والرأي العام، فضلًا عن أثر التطورات الأمنية على قدرة الدائرة المحيطة ببيت القيادة على إدارة الانتقال.

أما سيناريو وقوع النزاع والخلاف داخل النخبة وحدوث الفوضى فهو الأقل احتمالًا لكنه الأشد أثرًا. ويُقلِّل من نسب حدوث هذا السيناريو وجود أدوات مؤسسية وأمنية قوية قد ترجح إدارة انتقال قصير ومحسوب، لتمنع حدثًا من شأنه إرباك آليات الإجماع داخل مجلس الخبراء.

وأيًّا يكن من شأن هذه السيناريوهات، فإن مؤسسات بعينها تضطلع بالدور الأكبر في رسم ملامح المرحلة القادمة، وهي: مجلس الخبراء، والمؤسسات الأمنية وفي مقدمتها الحرس الثوري، والمؤسسة الدينية (الحوزة).

 والمرجح اختيار قائد أصولي بشكل سريع يضمن استمرارية النظام، أو اختيار قائد توافقي مع دور أكبر.

خلاصة

انتقال القيادة في إيران، مهما كانت الظروف المحيطة به، يحمل القابلية للإدارة مؤسسيًّا عبر المادة 111 التي تضمن استمرار صلاحيات "القائد" بمجلس مؤقت إلى حين حسم مجلس الخبراء للاختيار، وإن كانت بلا سقف زمني واضح. في سياق حرب مفتوحة وتحوُّل الصراع من "منطقة رمادية" إلى صراع منظومات، ستكون أولوية النظام تثبيت الاستمرارية وضبط الإيقاع قبل أي انفتاح على خيار التسويات السياسية. لذلك ترجِّح الورقة مسارًا يقوم على انتخاب قائد محافظ توافقي، أو قائد أقل وزنًا مع تموضع أكبر للمؤسسة الأمنية لضمان القرار. وفي حال تعذر الإجماع قد يطول الانتقال أو يُستعاض مؤقتًا بصيغة مجلس قيادة. وعليه، ستُقاس شرعية الخليفة القادم بقدرته على الجمع بين الردع وإدارة التفاوض وتقليل كلفة الاستنزاف الداخلي. الاختبار الفوري سيكون بسرعة التوافق داخل الخبراء، وتماسك الحلقة الأمنية، وقدرتها على امتصاص الصدمة الاجتماعية ومنع انفلات نحو أزمات أكبرى.

ABOUT THE AUTHOR