مقدمة
ليست قضية الأقليات مجرد مسألة ديمغرافية أو مطلبًا حقوقيًّا معزولًا، بل هي إحدى أكثر النقاط توترًا على مفترق الطرق بين سيادة الدولة وتماسكها الداخلي من جهة، وإستراتيجيات القوى الإقليمية والدولية من جهة أخرى. ولم تكن الأقليات يومًا مجرد تفصيل هامشي في المشهد السياسي، بل غالبًا ما وُظِّفت، أو وجدت نفسها موظفة، في قلب الصراعات، سواء أداةً في التفاوض والضغط أو ورقةً قابلة للتفعيل في لحظات التحول.
وفي خضم التحولات الجيوسياسية العنيفة التي تعصف بمنطقتي الشرق الأوسط وشبه جزيرة البلقان، برزت مسألة "الأقليات" إحدى أهم أدوات الصراع وإعادة تشكيل وجه المنطقة، ليس بصفتها فاعلًا ثقافيًّا أو اجتماعيًّا وحسب، بل بوصفها مفصلًا إستراتيجيًّا تتقاطع عنده مشاريع الهيمنة ومطالب العدالة وأدوات التفكيك الناعم. من الدروز والعلويين والأيزيديين في المشرق العربي، إلى الكروات والبوشناق والصرب، وغيرهم كثير، في شبه جزيرة البلقان، تتحرك الأقليات داخل منظومات متشابكة من الولاء والتهميش والاختراق الخارجي.
مع تشكُّل أنظمة ما بعد الاستعمار، وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة، بدأت ملامح جديدة ترتسم حول دور الأقليات، ليس فقط بوصفها ضحايا للتهميش أو الصراعات الأهلية، بل عناصر يعاد إنتاج حضورها ضمن خرائط النفوذ الدولية، وفي أحيان كثيرة، بوصفها جسورًا للنفوذ الخارجي، أو مسامير تُدق في جسد الدولة الوطنية لتفكيكها أو إعادة تشكيلها(1).
تقدم هذه الورقة قراءة تحليلية تركيبية تتجاوز الثنائيات التقليدية: الضحية/الجلاد، التهميش/التمرد، الخارج/الداخل. بدلًا من ذلك، تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق تتعلق بأسباب تحول الأقليات إلى وسطاء في معادلات القوة الإقليمية والدولية، وكيفية استثمار هذه التحولات في لحظات ضعف الدولة المركزية أو اختلال توازناتها. ففي عالم تتكثف فيه التدخلات، وتتفكك فيه بعض الأطر الوطنية، تصبح الأقليات، طوعًا أو كرهًا، جزءًا من لعبة أكبر تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع آليات التفكك الداخلي.
أولًا: تاريخ استثمار الأقليات في المشاريع الصهيونية/الغربية في الإقليم
لطالما شكَّلت الأقليات الإثنية والدينية في المشرق العربي ومنطقة البلقان محطات مؤثرة في مخططات القوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها المشروع الصهيوني والدول الغربية الكبرى. فقد جرى استثمار هذه الأقليات بشكل ممنهج، عبر عقود، أدواتٍ لفرض نفوذ جيوسياسي، وتقويض الدول الوطنية، والتأثير في التوازنات الداخلية بما يخدم أجندات القوى الخارجية.
1. النشأة التاريخية للاستثمار الصهيوني في الأقليات
منذ تأسيس الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، رافقها فهم عميق لدور الأقليات في المجتمعات العربية والإسلامية بوصفها عامل ضعف محتملًا قادرًا على تفكيك النسيج الوطني. فركزت الصهيونية على بناء تحالفات مع جماعات إثنية ودينية، كان يُنظر إليها على أنها هامشية أو مهمشة، مثل الدروز والأكراد والطوائف المسيحية المتعددة، بوصفها أدوات محتملة لتقسيم العالم العربي وفتح جبهات متعددة ضد الدولة العربية الموحدة التي كانت تحلم بها الحركة(2).
في خمسينات القرن العشرين، وبعد تأسيس دولة إسرائيل، مرَّت هذه الإستراتيجية إلى مرحلة التنفيذ. فقد سعت إسرائيل، عبر شبكات سرية واتصالات مباشرة، إلى تقويض التضامن العربي، خاصة من خلال استغلال خلافات داخلية وإشاعة الانقسامات الطائفية والإثنية. يبرز في هذا السياق دور إسرائيل في دعم الحركات الدرزية في لبنان وسوريا، ومحاولات إنشاء روابط مع الأكراد في العراق وسوريا لإضعاف الحكومات الوطنية.
2. دور القوى الغربية في دعم مشاريع التوظيف
لم تكن إسرائيل وحدها من سعت إلى توظيف الأقليات، فقد كان حلفاؤها الغربيون، خصوصًا الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا الغربية، يتبنَّون هذه الإستراتيجية في إطار مواجهة النفوذ السوفيتي خلال الحرب الباردة. ثم أعادوا الكَرَّة في سياق إعادة هندسة المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي(3).
اعتمدت واشنطن، على سبيل المثال، في عقود الثمانينات والتسعينات، على تحالفات مع الأقلية الكردية في العراق وسوريا لتعزيز نفوذها، عبر دعم الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني جزئيًّا، وإقامة مناطق حكم ذاتي كردية كمناطق نفوذ أميركي مباشر(4). كما شاركت دول أوروبية في مناطق أخرى من العالم في تبني سياسة النفوذ الثقافي والسياسي عبر دعم الأقلية المجرية في جنوب صربيا، ضمن مشروع أوروبي أوسع لإعادة تشكيل التوازنات في البلقان بعد تفكك يوغوسلافيا(5).
3. أدوات الاستثمار من الحماية إلى التفكيك
لم يقتصر توظيف الأقليات في هذه المشاريع من قبل جهات خارجية على دعمها سياسيًّا وحسب، بل شمل أيضًا أدوات أخرى مثل:
- التمويل والتسليح: توفير الدعم المادي والعسكري للمجموعات الأقلوية لتقويتها ضد السلطات المركزية، كما حدث مع الفصائل الكردية المسلحة في العراق وسوريا، والمجموعات المارونية والدرزية في لبنان. والأمر ذاته حدث في البوسنة والهرسك وكرواتيا عندما دعمت دولة صربيا الأقليات الصربية بالعتاد والمقاتلين في هذين البلدين.
- الترويج الإعلامي وتوظيف خطاب حقوق الإنسان: استُخدم خطاب حقوق الإنسان غطاء قانونيًّا وأخلاقيًّا لتبرير تدخلات خارجية تحت مظلة الحماية؛ ما مكَّن من شرعنة دعم تلك الأقليات سياسيًّا وعسكريًّا. وفي صربيا، وُظِّف الإعلام الرسمي للترويج لمظلومية الشعب الصربي وضرورة التدخل لحمايته من أعدائه.
- إقامة كيانات شبه مستقلة: دعم مشاريع حكم ذاتي أو كيانات فيدرالية بهدف تفتيت الدول وتحويلها إلى دويلات أو مناطق نفوذ يصعب على السلطة المركزية السيطرة عليها، كما في حالة إقليم كردستان العراق، وكذلك تقسيم جمهورية البوسنة والهرسك ودولة كوسوفو.
- التحالفات الإقليمية: إنشاء شبكات تحالف مع دول إقليمية أخرى، كتركيا وإيران، للعب دور مزدوج في التوظيف الجيوسياسي للأقليات، في إطار تنافس أوسع مع إسرائيل والغرب.
4. التداعيات والنتائج
أدَّى الاستثمار في الأقليات إلى تأجيج النزاعات الداخلية وتفجير الأزمات الوطنية، فتحولت بعض الأقليات إلى أدوات صراع بالوكالة بين القوى الكبرى. في المشرق، أسهم هذا في تأزيم الحرب السورية وتفكيك العراق وتصاعد الطائفية في لبنان. أما في البلقان، فقد فاقم الاستثمار الخارجي الصراع الإثني وأدى إلى حروب دامية في تسعينات القرن الماضي، وترك آثارًا عميقة على استقرار المنطقة.
ومع ذلك، فإن هذا الاستثمار لم يكن بلا تكلفة على الأقليات نفسها؛ إذ عانت من فقدان موقعها الطبيعي في مجتمعاتها الأم، وتحولت أحيانًا إلى أدوات في أيدي قوى خارجية على حساب وحدتها الداخلية، وهو ما أثار نقاشات حول هوية الأقليات وأدوارها الحقيقية بين الدفاع عن حقوقها المشروعة والشرعية، من جهة، والمساهمة في تفتيت دولها من جهة ثانية(6).
ثانيًا: المشرق العربي بين صيرورة التوظيف وقلق البقاء
تُشكِّل الأقليات في المشرق العربي ميدانًا معقدًا يتقاطع فيه البقاء السياسي مع الإستراتيجيات الإقليمية والدولية؛ حيث تُصارع الجماعات الأقلية بين حماية وجودها داخل الدولة، من جهة، والانخراط في مشاريع نفوذ أكبر، من جهة ثانية. لنفهم طبيعة التحديات التي تواجهها تلك الأقليات، وكيف تتفاعل مع الضغوط الداخلية والخارجية دفعًا أو قبولًا، تعاونًا أو تنسيقًا، اختيارًا أو تحت الإكراه، نستعرض في ما يلي ثلاث حالات تشمل الدروز والأكراد والمسيحيين العرب.
1. الحالة الدرزية في سوريا: بين الحياد والانكفاء
تمثل الأقلية الدرزية في سوريا نموذجًا فريدًا لتحديات الجماعات الأقلية في بيئة صراعات داخلية وإقليمية متشابكة. فقد وجدت الطائفة نفسها، مع بداية الثورة السورية، في العام 2011، محاصرة بين عدة قوى متصارعة: النظام والمعارضة والقوى الإقليمية التي تسعى لاستخدام موقع الدروز الإستراتيجي في الجنوب السوري. في هذا السياق، تبنَّى الدروز، تاريخيًّا، سياسة الحياد، محاولين الحفاظ على توازن دقيق بين الولاء للنظام والاستقلالية النسبية عن الأطراف الأخرى. لم تكن هذه السياسة مجرد رغبة في الانعزال، بل كانت فعلًا سياسيًّا يعكس رغبة جماعية في البقاء وسط بيئة مشحونة بالعنف والانقسامات الطائفية. وقد تجلَّت هذه الديناميكية بوضوح في مناطق مثل السويداء، قلب التجمع الدرزي في سوريا؛ حيث تحولت المنطقة إلى شبه محمية تحافظ على هويتها وسط تصاعد التوترات الأمنية والضغط الآتي من الجهات المتنازعة. ورغم ذلك، فقد ازدادت التدخلات الخارجية، لاسيما من قِبَل إسرائيل، التي دأبت على تنفيذ ضربات جوية في العمق السوري تحت ذريعة حماية الطائفة الدرزية، وهو ما أدى إلى خلق توترات داخلية، وضاعف من احتمالات توظيف الطائفة ورقةً في صراع إقليمي أوسع(7).
تُظهر تجربة الدروز في سوريا مدى هشاشة وضع الأقليات في منطقة تتسم بالتقلبات الحادة؛ حيث يتطلب الحفاظ على الذات مزيجًا من التوازن الدقيق، والمرونة السياسية، والحيطة من استغلال القوى الكبرى لمواقعها.
2. الأكراد: من النضال إلى المساومة الجيوسياسية
تبرز القضية الكردية بصفتها أحد أكثر الأمثلة دلالة على تحول الأقليات من فاعلين محليين يسعون إلى الاعتراف القومي بهم إلى لاعبين جيوسياسيين في الصراعات الإقليمية والدولية. ينطبق هذا على الأكراد في كل من العراق وسوريا؛ حيث تجاوزوا مرحلة النضال المسلح التقليدي وبلغوا مرحلة التفاوض والمساومة على الأرض مع الفاعلين الدوليين.
فحزب العمال الكردستاني، الذي كان يرمز للنضال الكردي المسلح في تركيا والمنطقة لعقود متتالية، أصبح يمثل نقطة توتر رئيسية بين تركيا والولايات المتحدة والعراق، في حين تحولت قوات سوريا الديمقراطية إلى حليف للولايات المتحدة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، معترفٍ به دوليًّا شريكًا سياسيًّا وعسكريًّا. إن من شأن هذا التحول جَعْل القرار الكردي ليس فقط نتاجًا داخليًّا أو إقليميًّا، بل جزءًا من معادلات القوة الدولية، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والتركية والإيرانية والروسية على الأرض الكردية، ويصبح الأكراد شركاء في التوازنات الإقليمية. لا شك أن هذا الوضع يزيد من تعقيد إمكانية تحقيق وحدة كردية مستقلة أو الحصول على حكم ذاتي كامل، ويجعل الأكراد عرضة للضغط من أطراف متعددة تسعى إلى توظيفهم لتحقيق مصالحها(8).
3. المسيحيون العرب: مرونة بصدد التآكل
رغم التراجع الديمغرافي الكبير للمسيحيين العرب في المشرق، فقد حافظ هذا المكون على درجة من المرونة السياسية والاجتماعية عبر تكيفه مع المتغيرات الإقليمية. فيما مضى، كان المسيحيون غالبًا ما يمثِّلون في كلٍّ من لبنان والعراق وسوريا، طائفةً تبحث عن الحياد أو تبحث عن تحالفات تحفظ وجودها وأمنها في مواجهة التهديدات الطائفية والإقليمية. لكن هذه الجماعات لم تسلم من الاستغلال السياسي؛ حيث أصبحت أدوات في صراعات محلية وإقليمية. ففي لبنان، تتحكم قوى سياسية مختلفة في التحالفات المسيحية، بينما في العراق وسوريا، تعرض المسيحيون للتهجير والاضطهاد على أيدي الجماعات المسلحة؛ ما أثَّر سلبيًّا على قدرتهم على الاستمرار مكوِّنًا سياسيًّا واجتماعيًّا فاعلًا(9). وعلى الرغم من كل تلك التحديات، تمكنت المؤسسات الدينية والاجتماعية المسيحية من الحفاظ على هويتها ووجودها عبر الانخراط في تحالفات سياسية محلية والدفاع عن مصالح الطائفة في السياق الإقليمي المتوتر، وهو ما يعكس مرونة نادرة بين الأقليات في بيئة متغيرة.
هكذا، تُظهر تجربة الأقليات في المشرق العربي تعقيدًا واضحًا بين الرغبة في البقاء والحياد، وبين التورط في صراعات جيوسياسية دولية وإقليمية. وتعكس الحالة الدرزية مدى هشاشة الوضع الذي يتطلب انتهاج سياسة توازن دقيقة، في حين تعكس تجربة الأكراد تحول الأقليات إلى فاعلين جيوسياسيين لا يمكن تجاهلهم. أما المسيحيون، فيمثلون، في عمومهم، نموذجًا للتكيف السياسي والاجتماعي. نستنتج من هذه الحالات أنه لا يمكن اجتراح أي حلول سياسية في المشرق تستبعد دور الأقليات، بل يجب أن تدمجها كشركاء فاعلين، مع توفير ضمانات سياسية واجتماعية تحفظ حقها في البقاء، وتتيح لها تمثيلًا عادلًا داخل أجهزة الدولة، وفي نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
ثالثًا: ديناميات الأقليات وصراعات النفوذ في البلقان، أو تاريخ التعدد المفخَّخ
تقدم لنا شبه جزيرة البلقان، تلك الرقعة التي لطالما اختلطت فيها الهويات والقوميات والدماء، نموذجًا صارخًا لتوظيف الأقليات في مشاريع جيوسياسية أكبر من طموحاتها الذاتية(10). فبعد اتفاقيات دايتون للسلام في 1995، وأوهريد في 2024، بدا أن الكيانات الإثنية-القومية ستُحتَوَى ضمن أطر دستورية ضامنة. لكن الواقع أظهر تآكل تلك الأطر أو تحولها إلى آليات لترسيخ الانقسام، وليس للعمل على تليين المواقف وتقريب وجهات النظر. ففي البوسنة والهرسك، مثلًا، تحولت مكونات الحكم الثلاثي، البوشناق والصرب والكروات، إلى أدوات لتعطيل القرار، بينما استُخدمت الأقليات جسرًا للتدخل الخارجي. أما في كوسوفو، فقد أصبح الألبان أداة لصراع أميركي-روسي عبر الحلف الأطلسي، فيما استخدمت صربيا ورقة الأقليات الصربية لتأمين مجالها الحيوي. أما المجر، فقد وجدت في الأقلية المجرية جنوب صربيا وسيلة لبسط نفوذها الناعم سياسيًّا وثقافيًّا.
في العام 2025، ظهرت ديناميات جديدة تحكم مشهد الأقليات في البلقان، متأثرة بتقلبات السياسة الدولية والتداخل الإقليمي، ناهيك عن صعود الخطاب القومي، فازداد التوظيف الخارجي والداخلي للأقليات في إستراتيجيات النفوذ التي تتراوح بين استقرار هش وتفكيك ممنهج.
1. السياق السياسي والاجتماعي في البلقان: إرث الصراعات العرقية والطائفية
تتسم بلدان البلقان بتعدد إثني وديني هو جوهر هويتها، ولكنه تعدد لم يرافقه بالضرورة توافق على نموذج حكم أو دولة مدنية موحدة. على العكس من ذلك، أدَّت الخلافات العميقة إلى صراعات مسلحة في العقود الماضية، وانعكست بشكل مباشر على أوضاع المجتمعات الأقلية، فهم، بحسب السياق، إما ضحايا أو فاعلون سياسيون(11).
لقد وفرت الاتفاقيات الدولية، مثل دايتون في البوسنة والهرسك وأوهريد في مقدونيا، إطارًا دستوريًّا يعترف بالأقليات جزءًا من التوازنات السياسية. لكن هذه الأطر سرعان ما تحولت إلى أدوات لتعميق الانقسامات؛ إذ تمثل المؤسسات الرسمية في كثير من الأحيان منابر للصراعات الإثنية أكثر من كونها مؤسسات دولة ترعى الوحدة الوطنية. تجلَّت هذه الإشكالية بوضوح في تعطل مؤسسات الحكم في البوسنة، حيث تتقاسم ثلاثة مكونات إثنية (الصرب، البوشناق، الكروات) السلطة ضمن نظام معقد من الكيانات والكانتونات والهيئات، وهو ما أدَّى إلى شلل مؤسسي مستمر وتأجيج النزعات الانفصالية، خاصة من قبل الفاعلين الصرب.
2. الصراعات الداخلية للأقليات: الألبان والصرب والبوشناق
تمثل الأقلية الألبانية العامل الأكثر توترًا في المشهد البلقاني، خصوصًا في كوسوفو والجنوب الصربي. ففي كوسوفو تُعد الأقلية الصربية مركز توتر كبيرًا حيث تسعى الأغلبية الألبانية لبناء دولة مستقلة مدعومة من الغرب. في المقابل، يرفض الصرب، بدعم مباشر من صربيا وروسيا، الاعتراف بسيادة كوسوفو، وينظرون إلى المناطق الواقعة إلى جهة الشمال من صربيا كأراض لا يجوز التخلي عنها(12). يُصنَّف هذا الصراع امتدادًا لصراع النفوذ الأميركي-الروسي في المنطقة؛ حيث توظف روسيا الأقلية الصربية ورقة سياسية للحفاظ على تأثيرها وممارسة الضغط على الغرب والحلف الأطلسي، بينما تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى دعم الاستقلال والتقارب الأوروبي للألبان.
من جهتهم، يعاني البوشناق (المسلمون البوسنيون)، رغم كونهم أكبر مكون ديمغرافي في البوسنة، من تهميش سياسي نسبي داخل النظام الثلاثي؛ حيث يواجهون مقاومة صربية وكرواتية لاستكمال مشروع الدولة البوسنية الموحدة. وتستغل القوى الإقليمية، خصوصًا روسيا التي تدعم الصرب، هذه التوترات لإضعاف الاستقرار وتعزيز نفوذها(13).
3. الدور الخارجي وتأثير التدخلات الدولية والإقليمية
يتجلى اليوم تنامي دور القوى الإقليمية والدولية في استخدام الأقليات أدواتِ نفوذ سياسي. فعلى الصعيد الأوروبي والأطلسي، هناك مساعٍ لتقوية المؤسسات الأوروبية في دول البلقان من خلال دعم مشاريع الاندماج الأوروبي في محاولة لتقليل التوترات العرقية، وتقديم نموذج استقرار يعتمد على التعددية الدستورية. في المقابل، تشهد المنطقة تزايدًا للنفوذ الروسي عبر دعم مباشر وغير مباشر للأقليات الصربية، وتوفير غطاء سياسي لحركات الانفصال والتمرد الداخلي، بهدف الحفاظ على الهشاشة الإستراتيجية التي تتيح لروسيا استعادة بعض من نفوذها التقليدي في البلقان.
أما تركيا، التي تبرز أيضًا قوةً إقليمية، فستفيد من الروابط الدينية والثقافية مع الأقليات المسلمة، خصوصًا الألبان والبوشناق، وتحاول من خلال سياسة "الناتو الناعم" وثقافة التعاون الاقتصادي، تعزيز حضورها السياسي والاجتماعي وتوسيع دائرة نفوذها عبر دعم مشاريع استثمارية وإعلامية وثقافية.
4. الأقلية المجرية في فويفودينا ورومانيا: ورقة نفوذ ناعمة
تُعد الأقلية المجرية في منطقة فويفودينا (صربيا) وجنوب رومانيا من أبرز حالات الاستغلال السياسي الناعم؛ حيث تلعب الحكومة المجرية دورًا واضحًا في دعم المطالب القومية لهذه الجماعات، بهدف تحقيق مكاسب سياسية داخل حدودها وخارجها، وتعزيز مصالحها الإقليمية في إطار المنافسة الأوروبية. لا يقتصر هذا الدعم على الجوانب السياسية، بل يشمل الاقتصاد والثقافة عبر مؤسسات تعليمية وإعلامية؛ ما يخلق قاعدة اجتماعية واسعة تمتد على طول الحدود بين المجر ودول الجوار، ويُستخدم ورقةَ ضغطٍ في المفاوضات السياسية.
5. أدوات "التدخل الناعم" في صراعات الأقليات
تشهد المنطقة استخدامًا متزايدًا لما يسمى بـ"التدخل الناعم"، الذي يعتمد على آليات غير عسكرية، كالدعم الثقافي والإعلامي والاقتصادي والتأثير السياسي، بدلًا من الصراعات المسلحة المفتوحة. يسمح هذا التوجه للقوى الإقليمية والدولية بإدارة النزاعات والتأثير في مجريات الأحداث دون الانجرار إلى صراعات عسكرية مباشرة. يشمل ذلك التمويل الخارجي للأحزاب القومية في البلقان، ودعم منظمات المجتمع المدني المرتبطة بالأقليات، والضغط عبر المنابر الدبلوماسية الدولية لتعطيل أو دفع ملفات معينة تخدم أجندات النفوذ(14).
6. تحديات استقرار الأقليات وأفق المستقبل
تتفاقم التوترات الداخلية والخارجية في البلقان بفعل ضعف المؤسسات، وانعدام ثقة المجتمعات الإثنية ببعضها البعض، وتأثير النزاعات العميقة في الذاكرة الجمعية. في حين يظل غياب رؤية وطنية جامعة لعلاج ملف الأقليات وإعادة بناء العقد الاجتماعي أحد أبرز معوقات السلام المستدام. ومع استمرار التدخلات الخارجية وصراعات النفوذ، تتزايد مخاطر انفجار الأوضاع في لحظات التوتر الإقليمية أو الدولية؛ ما يجعل البلقان منطقة مهددة بالعودة إلى دوامة العنف، لاسيما مع وجود نزعات انفصالية متجددة وعداءات متراكمة. وما يزيد من تعقيد الوضع أن توظيف الأقليات يخضع لتداخلات معقدة تتراوح بين محاولات الاستقرار الهشة والتفكيك المتعمد. وتعكس الحالة البلقانية تجليات نظرية "شد الأطراف" على أرض الواقع؛ حيث تصبح الأقليات أدوات في صراعات نفوذ دولية وإقليمية، ومسرحًا للصراعات القومية والإثنية.
يستلزم تحقيق استقرار حقيقي في المنطقة معالجة جذرية للهوية والتعددية، عبر تعزيز دولة القانون، والحكم الرشيد، وتفعيل الأطر الدستورية بما يضمن تمثيلًا عادلًا ومتساويًا للأقليات، بعيدًا عن تأثيرات الخارج وأجنداته.
رابعًا: بين الشرق الأوسط والبلقان: أنماط التوظيف واختلاف السياقات
رغم اختلاف الجغرافيا، تكشف المقارنة بين المشرق العربي والبلقان عن تشابهات لافتة في كيفية توظيف الأقليات، مع اختلاف في الأدوات والنتائج. ففي الشرق الأوسط، تجعل هشاشة المؤسسات الوطنية وضعف الإطار القانوني للأقليات منها أهدافًا سهلة للاستقطاب أو التفكيك. تبدو الأقليات، بدءًا من الميليشيات الطائفية في العراق وسوريا، ووصولًا إلى مشاريع الحكم الذاتي في اليمن ولبنان، كأنها تُدفع قسرًا لتكون جسرًا للنفوذ أو بندقية مأجورة لصالح أجندات خارجية.
على الجانب الآخر من الخريطة، ورغم أن البلقان شهد معارك دموية على الهويات، إلا أن التجربة الأوروبية فرضت أطرًا قانونية أكثر صرامة، مثل اتفاقية دايتون في البوسنة أو أوهريد في مقدونيا. صحيح أن هذه الأطر لم تمنع من عودة اشتعال بؤر التوتر بين الحين والآخر، لكنها وفَّرت حدًّا أدنى من آليات التسوية الدستورية. لكن، مع ذلك، لم تحول هذه الاتفاقياتُ التعدديةَ إلى عنصر قوة، بل رسَّخت، في بعض الأحيان، الانقسام الطائفي أمرًا واقعًا. يبقى أن هشاشة الأداء السياسي والاقتصادي في البلقان تجعل عودة التوظيف السياسي للأقليات خطرًا دائمًا وشبحًا مخيفًا قد يعاود الظهور في أي وقت، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تطورات سريعة تتطلب من الدول، والأقليات التي تسكنها، إعادة تموضعها وتغيير تحالفاتها أو تقويتها وتعزيزها.
1. الأطر القانونية والمؤسساتية
تُعد الأطر القانونية والمؤسساتية أبرز الفروق بين المنطقتين. في شبه جزيرة البلقان، فرضت اتفاقيات مثل اتفاقيات دايتون للبوسنة والهرسك واتفاق أوهريد لمقدونيا أطرًا دستورية رسمت قواعد لعبور أزمة التعددية العرقية. وقد منحت هذه الاتفاقيات الأقليات حقوقًا محددة على المستوى الدستوري، وأدخلت آليات لتقاسم السلطة والتمثيل السياسي، مثل نظام الكانتونات في البوسنة والهرسك الذي يوزع السلطة على المكونات الرئيسية ويمنح حدًّا أدنى من الاستقرار السياسي رغم هشاشته.
أما في الشرق الأوسط، فتفتقر غالبية الدول إلى إطار قانوني صارم يحمي حقوق الأقليات أو يضمن تمثيلًا سياسيًّا فعليًّا؛ ما يجعل الأقليات في حالة دائمة من التهميش والتقلبات السياسية. إن ضعف الدولة الوطنية وانعدام الاستقرار السياسي، إضافة إلى غياب آليات تسوية دستورية منظمة، يجعل الأقليات عرضة للتوظيف من قبل القوى الإقليمية والدولية من دون ضوابط قانونية واضحة.
2. الأثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي
في البلقان، أسهمت الأطر القانونية في احتواء الصراعات إلى حدٍّ ما، لكنها لم تحقق الانسجام الكامل؛ إذ استمرت الانقسامات الإثنية في التغلغل ضمن نسيج الدولة، بل شكَّلت قاعدة لتوترات مستمرة وأزمات دورية قد تنفجر في أي لحظة. ويمكن القول: إن هذه الأطر رسَّخت الانقسام الطائفي والإثني حالةً واقعيةً تتطلب إدارة أكثر منها حلًّا جذريًّا. أما في الشرق الأوسط، فقد أسهم غياب الأطر القانونية في تفاقم حالة عدم الاستقرار، وتحويل الأقليات إلى جبهات صراع دائمة؛ ما يؤدي إلى هشاشة الدولة الوطنية نفسها، ويدفع نحو دوامة من العنف والاقتتال الأهلي، كما رأينا في سوريا والعراق واليمن.
3. دور الفاعلين الإقليميين والدوليين
تتميز الصراعات في الشرق الأوسط بتوسع التدخلات الإقليمية (إيران، السعودية، تركيا، إسرائيل) والدولية (الولايات المتحدة، روسيا، أوروبا)، التي تدعم مجموعات أقلية لأهداف تتجاوز حماية الحقوق إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية جيوسياسية أو دينية. ويترافق هذا التدخل مع ضعف مؤسسات الحكم الرشيد؛ ما يفتح المجال أمام ميليشيات مسلحة وأحزاب طائفية لتصبح أدوات تنفيذ لهذه الأجندات، ويقود بالتالي إلى تفاقم حالة الانقسام الوطني وإضعاف فرص السلام(15).
أما في البلقان، فعلى الرغم من التدخل الدولي المكثف من الاتحاد الأوروبي ومنظمات دولية أخرى، فإن ذلك التدخل يتركز على الحفاظ على استقرار الأطر القانونية القائمة وتعزيز الديمقراطية التوافقية، مع الحفاظ على توازنات القوة بين الجماعات الإثنية، وهو ما يجعل عملية التغيير بطيئة ومعقدة من جهة، يستمر معها خطر العودة إلى العنف في حال حدوث اختلالات سياسية أو أمنية.
4. دروس من التجربتين
تكشف مقارنة الشرق الأوسط وشبه جزيرة البلقان بشأن مسألة الأقليات عن ضرورة وجود إطار قانوني دستوري واضح ومتوازن لإدارة التعددية الإثنية والدينية شرطًا أساسيًّا للحفاظ على استقرار الدولة. كما توضح أن غياب هذه الأطر يؤدي إلى تفكيك الدولة وتغذية النزاعات المسلحة، بينما لا يمنع وجودها الصراعات، لكنه يوفر أدوات للحدِّ منها.
يشير التحليل أيضًا إلى أن توظيف الأقليات من قبل الفاعلين الخارجيين يظل خطرًا قائمًا في كلا السياقين، ويعتمد بشكل أساسي على مدى قوة الدولة وقدرتها على فرض سيادتها، فضلًا عن الدور الذي تلعبه المؤسسات الدولية في دعم الحلول المستدامة.
خامسًا: المآلات المستقبلية وحدود الحماية الواقعية
يعكس استمرار ظاهرة توظيف الأقليات أدواتٍ إستراتيجيةً في النزاعات والصراعات الجيوسياسية أزمة بنيوية أعمق تتعلق بمفهوم الدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي الذي يربط بين الأغلبية والأقليات داخل تلك الدولة، إضافة إلى التوازنات المتغيرة في النظام الدولي. فهذه الظاهرة لا يمكن أن تكون مجرد نتيجة لوجود أقليات ذات حساسية تاريخية فقط، بل هي أيضًا نتاج خلل عميق في آليات الدمج السياسي والاجتماعي التي تسمح بإعادة إنتاج الانقسامات على المستويين، الداخلي والخارجي.
1. أزمة الدولة والعقد الاجتماعي
تكمن المعضلة الأساسية في أن العديد من الدول التي تضم أقليات كبيرة تعاني من غياب مشاريع اندماج حقيقية تُعالج جذور التوترات والهويات المتقاطعة. في هذه الحالة، تبقى الأقليات عرضة للاستقطاب من قبل فاعلين محليين وإقليميين ودوليين، يبحثون عن استغلال هذه الهوامش لتوسيع نفوذهم أو لتحقيق أهداف إستراتيجية. فغياب العدالة في توزيع الموارد السياسية والاقتصادية والثقافية يُكرِّس شعورًا بالإقصاء والهامشية لدى هذه الجماعات، وبالتالي يزيد من قابليتها لأن تتحول إلى أدوات في صراعات الآخرين.
2. هشاشة آليات الحماية السياسية والقانونية
على الرغم من وجود أطر قانونية عديدة تحمي حقوق الأقليات على المستوى الوطني والدولي، فإن هذه القوانين غالبًا ما تبقى حبرًا على ورق. فالكثير من الدول يعاني ضعفًا في تنفيذ تلك التشريعات، وبقاء الحوارات سياسية شكلية لا تُترجم إلى تغيير حقيقي في موازين القوة والسيطرة على الأرض. كما تُبين تجارب العقود الماضية أن الحوارات المجتمعية التي تستهدف التمكين الثقافي وحده لا تكفي لوقف دورة العنف والاستقطاب، إن لم يصاحبها إعادة توزيع عادلة للسلطة والثروة، تضمن مشاركة حقيقية وفاعلة للأقليات في المؤسسات السياسية والاقتصادية. إن غياب المشاركة الفعلية يؤدي إلى إدامة الإقصاء ويزيد من ضعف الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
3. من الحماية الرمزية إلى التمثيل الفعلي
تبدأ الحماية الحقيقية للأقليات من الداخل، ببناء علاقات شفافة ومتبادلة بين الأغلبية والأقليات تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الحقوق السياسية والثقافية. إن شفافية المؤسسات وفتح قنوات تمثيل حقيقي داخل النظام السياسي يمثلان شروطًا أساسية لوقف استغلال الأقليات والتعامل معها أدواتِ نفوذ. في هذا السياق، يشدِّد المفكر الكندي، وليام كيمليكا، على أهمية صياغة نموذج ديمقراطي تعددي يعترف بالحقوق الجماعية ضمن إطار دولة عادلة تسعى لتوحيد التنوع وليس تفكيكه(16). كذلك، يؤكد تشارلز تايلور على ضرورة إعادة الاعتبار لهوية الأقليات، مع التأكيد على أن الاعتراف السياسي والاحترام المتبادل هما أساس السلام الاجتماعي والاستقرار(17).
4. الحاجة إلى نظام دولي متوازن وحوكمة عالمية فعَّالة
بالإضافة إلى الإصلاحات الداخلية، يحتاج حماية الأقليات إلى نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، قادر على فرض قواعد تنظم التعامل مع الأقليات في النزاعات الإقليمية والدولية. يجب أن تُحْرَم القوى الإقليمية والدولية من توظيف الأقليات وتُفرض عليها آليات قانونية وحقوقية واضحة تمنعها من التدخلات العسكرية أو التحريض العرقي والديني. لا شك أن ذلك يتطلب تفعيل أطر الحوكمة الدولية، وتعزيز دور المنظمات والمحاكم الدولية، لحماية حقوق الأقليات وفرض عقوبات على الانتهاكات. فغياب الحوكمة يترك المجال مفتوحًا لتكرار تجارب النزاعات الهشة التي تتغذى على الانقسامات العرقية والطائفية.
إن تحويل الأقليات من أدوات تفكيك إلى عوامل استقرار يشكِّل تحديًا مركبًا، يتطلب رؤية شاملة تجمع بين بناء الدولة الديمقراطية التعددية، واعتماد سياسات داخلية متوازنة، ودور دولي فعَّال يحترم السيادة الوطنية ويعزز حقوق الإنسان الجماعية. هذه المقاربة المتكاملة وحدها يمكنها ضمان حماية حقيقية للأقليات، وتحقيق سلم اجتماعي مستدام في مناطق تعيش هشاشة وتوترًا مستمرًّا.
سادسًا: نظرة ختامية تركيبية– الأقليات بين الفاعلية الجيوسياسية ومخاطر التشيئ
لم تعد الأقليات مجرد ضحايا ساكنة أو أدوات ساكتة في أيدي القوى الكبرى، بل باتت تمثل فواعل سياسية مركبة يتقاطع فيها التاريخ بالهوية، والجغرافيا بالسلطة، والتوظيف الخارجي بالتموضع الداخلي. لم يكن هذا التحول تلقائيًّا ولا متجانسًا، بل جاء نتيجة تشكلٍ متدرج لشبكات من المصالح والتحالفات والاصطفافات أفرزت أنماطًا متباينة من التفاعل بين الأقليات والدول من ناحية، وبين هذه الجماعات ومحيطها الإقليمي والدولي، من ناحية أخرى.
في هذا السياق، تُبين التجارب شرق الأوسطية، وعلى وجه الخصوص في سوريا والعراق، أن تجاهل عمق التعددية، أو استخدام مبدأ الأغلبية لتبرير الإقصاء، لا يؤدي فقط إلى هشاشة الدولة، بل قد يُفضي إلى انهيار البنى الوطنية وانفجار التكوينات الاجتماعية. لقد تحوَّلَت بعض الأقليات في هذه الدول، من مكون وطني متجذر إلى أطراف سياسية أو عسكرية تتعامل مع الإقليم والعالم مباشرة، متجاوزة سلطات دولها الأم، كما في تجربة الكرد العراقيين بعد 2003، أو الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا بعد 2011.
على الضفة الأخرى، تكشف التجربتان، البوسنية والكوسوفية، أن التدخل الدولي المباشر لحماية الأقليات، وإن بدا ضروريًّا في لحظات معينة من النزاع، لا يُنتج سلامًا مستدامًا إن لم يُقرَن بإعادة صياغة التعايش على أسس المساواة والشراكة. ففرض الحماية من الخارج، كما فعلت أميركا وحلف "الناتو" أو الاتحاد الأوروبي، قد يمنع المجازر، لكنه لا يبني سردية مشتركة ولا يعيد الثقة بين الجماعات، ما لم يُدعم بمشاريع إدماج سياسي واقتصادي عادل(18).
الأهم من ذلك، أن الأدوار التي تؤديها الأقليات لا تنبع دائمًا من اختيارات حرة، بل كثيرًا ما تفرضها ظروف معقدة تتنوع بين ضغوط التهديد، وندرة الموارد، وهشاشة الانتماء الوطني، والتجاذبات الخارجية. وغالبًا ما تجد بعض الأقليات نفسها مضطرة للبحث عن "حماية خارجية"، لا حبًّا في التدخلات الأجنبية، بل خوفًا من سياسات التمييز أو الانتقام أو الإبادة، كما في حالة الأيزيديين بعد اجتياح تنظيم الدولة لمناطقهم في سنجار، عام 2014.
ومع ذلك، فإن استمرار تموضع الأقليات كـ"وكلاء دائمين" أو "أوراق ضغط" في التوازنات الإقليمية والدولية، يحمل خطرًا وجوديًّا عليها؛ إذ إنها تفقد مع الوقت مركزيتها في نسيجها الوطني، وتتحول إلى أدوات تفاوض أو حلفاء ظرفيين يسهل التخلي عنهم حين تتغير المصالح أو تتبدل التحالفات. هذا ما حدث مرارًا في الملف الكردي، من تخلي شاه إيران عن دعم الأكراد العراقيين بعد اتفاق الجزائر، 1975، إلى صمت واشنطن إزاء اجتياح تركيا لعفرين، في 2018.
من هنا، تصبح الضرورة الأخلاقية والسياسية هي العمل على تحويل الأقليات من أدوات للتفكيك إلى جسور للاستقرار. وهذا لا يتحقق عبر الشفقة الدولية، أو عبر خطابات الهوية المغلقة، بل من خلال هندسة سياسية راشدة تُعيد إدماج هذه الجماعات في معادلات الحكم والتنمية والتمثيل، دون أن تنفي خصوصيتها أو تُشيطن مطالبها. فالرهان الحقيقي يكمن في تأسيس منظومات سيادية عقلانية تستوعب التعدد وتُحسن تدبيره وتبني وعيًا جمعيًا يُعيد تعريف مفهوم الوطن، لا بوصفه "أرض الأغلبية"، بل "إطارًا للعيش المشترك" الذي لا يُختزل في العرق أو الطائفة أو اللغة، وكما يقول أمين معلوف: "الهويات القاتلة تولد حين يُجبر الإنسان على أن يختزل نفسه في انتماء واحد، فيتحول هذا الانتماء من غنى إنساني إلى خندق حرب"(19).
إن مستقبل الإقليمين، العربي والبلقاني، لن يُحسم فقط في عواصم القرار الكبرى، بل أيضًا في قدرة مجتمعاتهما على إدارة تنوعها، والتصالح مع ذاكرتها، وبناء سرديات مشتركة لا تقوم على محو الآخر بل على الاعتراف به.
(1) Sherrill Stroschein, Reconfiguring State–Minority Negotiations for Better Outcomes, in Tove H. Malloy (ed.), Alexander Osipov (ed.), Balázs Vizi (ed.) Managing Diversity through Non-Territorial Autonomy: Assessing Advantages, Deficiencies, and Risks, Oxford University Press 2015, pp 19-20.
(2) Ines Gil, Le Dilemme des Druzes Israéliens, Minorité Arabe et Soutien Historique d’Israël, Les Clés du Moyen-Orient, 17/05/2017.
https://www.lesclesdumoyenorient.com/Le-dilemme-des-Druzes-israeliens-minorite-arabe-et-soutien-historique-d-Israel.html (Accessed on 27/10/2025)
(3) Salam Kawakibi, Politics of Recognition and Denial: Minorities in the MENA Region, The European Institute of the Mediterranean (IEMed) 2 May 2018.
https://www.iemed.org/publication/politics-of-recognition-and-denial-minorities-in-the-mena-region/ (Accessed on 27/10/2025)
(4) Michael Knights, U.S. Priorities in the Kirkuk Standoff, The Washington Institute for Near East Policy, 13, October 2017.
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/us-priorities-kirkuk-standoff (Accessed on 30/10/2025)
(5) Judas Everett and Ena Redžić, Seeking Representation: The Development of Hungarian Minority Parties in Serbia and Slovakia, Politeia, Vol. 2 No. 101, 2021, pp. 163-182
(6) Bas de Gaay Fortman, Minority Rights: A Major Misconception? Human Rights Quarterly, Vol. 33, No. 2, May 2011, pp. 265-303.
(7) يحيى بوزيدي، سوريا ما بعد الأسد في الدوائر الحدودية للأمن القومي الإسرائيلي، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 1 سبتمبر/أيلول 2025، (تاريخ الدخول: 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025)،
(8) Andrew Graves, What’s Next for the Kurds? An Analysis of a Perpetually Uncertain Future, Sycamore Institute, 31 March 2025.
https://www.sycamoreinstitute.org/post/what-s-next-for-the-kurds-an-analysis-of-a-perpetually-uncertain-future (Accessed on 30/10/2025)
(9) Saad Salloum and Guilagamesh Nabeel, Les Communautés Chrétiennes en Irak Après 2003: Dynamiques de Fragmentation, Lignes de Fracture Ethniques et Sectaires, European Institute for Studies on the Middle East and North Africa (EISMENA), 11 August 2023.
https://eismena.com/article/les-chretiens-dans-lere-irakienne-post-2003-entre-dynamiques-de-fragmentation-et-lignes-de-fracture-ethniques-et-sectaires-2023-08-11 (Accessed on 30/10/2025)
(10) Dragan Đukanović, Minority Issues in the Western Balkans: Their Significance and Constant Bilateral Actualization, HRCAK, 2017
https://hrcak.srce.hr/file/291748 (Accessed on 30/10/2025)
(11) Sylwia Gora, Separatisms in the Balkans, Annales Universitatis Mariae Curie-Sklodowska, Vol. 27, No. 2, 2020, pp. 29-46.
(12) Giorgio Cafiero, The Geopolitics of Kosovo Albanian-Serb Tensions in Light of the Ukraine War, Trends Research and Advisory, 19 June 2023.
https://trendsresearch.org/insight/the-geopolitics-of-kosovo-albanian-serb-tensions-in-light-of-the-ukraine-war/?srsltid=AfmBOop8gDvfmGpaQDZwmXUmkIYL1fuEX6HjvT12ZkU5kBiS4_BLtyJH (Accessed on 30/10/2025)
(13) Maxim Samorukov, Is Russia Supporting a Bosnian South Ossetia? Carnegie Russia Center, 11 April 2025.
https://carnegie.ru/commentary/64763 (Accessed on 30/10/2025)
(14) Westminster Foundation for Democracy (WFD): The Annual Report on the State of Transparency of Political Parties in the Western Balkans, 2021
https://www.wfd.org/sites/default/files/2022-10/The%20Annual%20Report%20on%20the%20State%20of%20Transparency%20of%20Political%20Parties%20in%20the%20Western%20Balkans%20for%202021_Report%20Summary.pdf (Accessed on 02/11/2025)
(15) Ranj Alaaldin, Winning the Peace in the Middle East’s Fragile State, Middle East Council on Global Affairs, 4 March 2024.
https://mecouncil.org/blog_posts/winning-the-peace-in-the-middle-east/ (Accessed on 02/11/2025)
(16) Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights, Oxford University Press 2000.
(17) Charles Taylor and Amy Gutmann (eds) Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition, Princeton University Press 1994.
(18) David Chandler, International Statebuilding: The Rise of Post-Liberal Governance, Routledge 2010.
(19) Amin Maalouf, Les Identités Meurtrières, Editions Grasset & Fasquelle 1998.