لم تعد الحروب الحديثة تُدار حصرًا عبر المواجهات المباشرة أو خطوط التَّماس التقليدية، بل أصبحت تُخاض عبر مساحات وسيطة تُختبر فيها الإرادات، وتُقاس فيها حدود الردع، ويُعاد من خلالها توزيع الضغط الإستراتيجي. وفي هذا السياق، يبرز العراق بوصفه أحد أهم ساحات الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران منذ نهاية شهر فبراير/شباط الماضي، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي، بل لكونه بيئة تتقاطع فيها إستراتيجيات متعارضة، وتُختبر فيها حدود التصعيد بين أطراف الصراع.
العراق مساحةَ اختبارٍ للصراع المركب
إن التطورات الأمنية التي شهدها العراق منذ الأيام الأولى لهذه الحرب، تُقدم نموذجًا واضحًا لهذا النمط من الصراع المركب. فهي لم تكن مجرد حوادث أمنية منفصلة أو تفاعلات ظرفية، بل تعبيرًا عن تحول أعمق في طبيعة الاشتباك الإقليمي، وعن انتقال العراق من هامش الحرب إلى قلبها العملياتي. هذا الانتقال يعكس تغيرًا في وظيفة الساحة العراقية، من "فضاء لاحتواء التوترات" إلى "منصة لإدارة الصراع وإعادة تعريف قواعده".
لقد أسهمت طبيعة النفوذ الأميركي-الإيراني المتراكم في العراق منذ عام 2003، في تكريس هذا التحول. إذ لطالما شكَّل العراق بيئة مفضلة لتبادل الرسائل السياسية والعسكرية بين الطرفين، ضمن ما يمكن وصفه بـ"لعبة المنطقة الرمادية"؛ حيث يتعايش التصعيد مع الضبط، والمواجهة مع التفاهم الضمني. غير أن الحرب الأخيرة كشفت عن تآكل هذا النمط، وظهور تصور أمني جديد لم يعد يستند إلى أرضية تفاهمية غير معلنة، بل إلى ديناميات أكثر انكشافًا وصراعًا.
ويجدر القول؛ بأن هذا التحول تَعَزَّز في أعقاب التطورات الإقليمية التي تلت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أعادت رسم خريطة التفاعلات في المنطقة. فالتغيرات التي شهدتها الساحة السورية، والتحولات في غزة ولبنان، أسهمت في تقليص المسافات الآمنة بين الولايات المتحدة وإيران، وجعلت من العراق نقطة تقاطع مباشرة بين إستراتيجياتهما. وهو ما أكدته الحرب الحالية، خاصة مع تصاعد مسارات المواجهة بين القوات الأميركية والفصائل المسلحة الموالية لإيران (1).
إذ إنه ومع مطلع الشهر الجاري، دخلت الساحة العراقية في مرحلة يمكن توصيفها بـ"الصدام متعدد المسارات"؛ حيث تداخلت الأبعاد العسكرية مع السياسية، وتقاطعت الحسابات المحلية مع الإقليمية. ورغم أن هذا الصدام عكس في ظاهره امتدادًا للحرب الجارية في إيران، إلا أنه حمل في جوهره تحولات أعمق تتعلق ببنية القرار الأمني داخل العراق، وتوازن القوى بين الفاعلين، وموقع العراق ضمن خارطة الصراع الإقليمي.
الأهم من ذلك؛ أن هذه الحرب أفرزت بعدًا جديدًا في العلاقة بين الدولة (الحكومة العراقية) واللا دولة (الفصائل المسلحة)؛ إذ لم يعد الصراع محصورًا بين أطراف خارجية بل أصبح يمتد إلى داخل البنية العراقية نفسها، وهو ما وضع الدولة العراقية أمام اختبار غير مسبوق يتعلق بقدرتها على احتكار القرار الأمني، وإدارة التوازنات الداخلية، واحتكار الشرعية السياسية والأمنية، ومنع تحول الساحة العراقية إلى فضاء مفتوح للصراع الإقليمي.
في ضوء ذلك، يقف العراق اليوم أمام استحقاقات أمنية وإستراتيجية معقدة، لا ترتبط فقط بتداعيات الحرب الجارية بل بمستقبل دوره في الإقليم. فمع غياب أفق واضح لنهاية هذه الحرب، ما بين استمرارها أو توقفها، وحتى تزايد تعقيداتها، يصبح السؤال المركزي: ليس كيف سيتأثر العراق، بل كيف سيُعيد تعريف موقعه داخل صراع يبدو أنه بدون أفق واضح، وبأشكال أكثر تشابكًا في المرحلة المقبلة؟
العراق في جغرافيا الحرب: من العمق الإستراتيجي إلى ساحة إدارة الضغط الإقليمي
شكَّلت عقيدة "الدفاع الأمامي"، التي تبنَّتها إيران في مرحلة ما بعد الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين، الركيزة الأساسية في بناء مقاربتها العسكرية والإقليمية في الشرق الأوسط(2). فقد انطلقت هذه العقيدة من إدراك إستراتيجي مفاده أن حماية الأمن القومي الإيراني لا يمكن أن يتحقق عند حدود الدولة، بل عبر نقل خطوط التَّماس إلى خارجها، وتوسيع مجال الاشتباك ليشمل ساحات إقليمية متعددة. وفي هذا الإطار، برزت فرضية تعظيم دور الوكلاء الإقليميين بوصفهم أدوات مرنة لإدارة الصراع الخارجي، وتحويلهم إلى رافعة إستراتيجية تُسهم في تثبيت النفوذ الإيراني، وإعادة توزيع الضغط بعيدًا عن الداخل.
ضمن هذا التصور، احتل العراق موقعًا متقدمًا في التفكير الإستراتيجي الإيراني، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي، بل لكونه يمثل امتدادًا أمنيًّا يسمح بإدارة الصراع في عمق البيئة الإقليمية، وبكلفة أقل نسبيًّا مقارنة بالمواجهة المباشرة. ومع اندلاع الحرب الحالية، أعادت الساحة العراقية تأكيد هذه الوظيفة؛ إذ كشفت الأدوار التي مارستها الفصائل المسلحة منذ الأيام الأولى للحرب عن حجم الاستثمار الإيراني طويل الأمد في قوة هذه الفصائل، وقدرتها على التحرك ضمن إطار "حرب استنزاف" تستهدف الوجود الأميركي ومصالحه داخل العراق(3).
إن التطورات الأخيرة تُظهر أن هذا الدور لم يعد محصورًا في بُعده العملياتي، بل بات يحمل أبعادًا إستراتيجية أوسع. فالهجمات التي استهدفت مواقع تتواجد فيها القوات الأميركية بما في ذلك محيط مطار بغداد الدولي (تجدر الإشارة إلى أن القوات الأميركية انسحبت خلال اليومين الماضيين من مطار بغداد وتحديدًا معسكر فيكتوري إلى قاعدة خراب الجير في الحسكة السورية)، والسفارة الأميركية في بغداد، والقنصلية الأميركية في أربيل، لم تكن مجرد عمليات ذات طابع تكتيكي، بل رسائل متعددة المستويات تسعى إلى إعادة تعريف حدود النفوذ داخل العراق، وتأكيد أن هذه الساحة لم تعد مجرد ممر لوجستي ضمن الحرب، بل منصة اختبار للردع المتبادل(4).
في هذا السياق، يبرز تنوع أدوار الفصائل المسلحة بوصفه أحد أبرز ملامح البنية العملياتية التي تعتمدها إيران في إدارة الصراع. فهذه الفصائل لا تتحرك كوحدة متجانسة، بل ضمن توزيع وظيفي يعكس درجة من التكامل العملياتي؛ إذ تضطلع بعض الفصائل بأدوار ذات طابع إستراتيجي-عملياتي (مثل كتائب حزب الله العراقي وحركة النجباء)، فيما تتولى أخرى مهام تكتيكية أو لوجستية أو إعلامية (مثل حركة عصائب أهل الحق ومنظمة بدر)، في حين تعمل مجموعات أخرى ضمن مستوى الظل (مثل سرايا أولياء الدم)، عبر شَنِّ هجمات سهلة الإنكار، بما يعزز من مرونة هذه الشبكة المعقدة وقدرتها على التكيف مع تغيرات البيئة الميدانية. هذا التوزيع لا يعكس فقط تنوعًا في القدرات، بل يشير إلى وجود نمط من "إدارة الصراع الشبكي" الذي يسمح بتعدد مسارات الفعل دون فقدان الاتجاه العام.
وقد تجلَّت أبعاد هذا التنوع في طبيعة الأهداف التي تم استهدافها خلال الفترة الأخيرة، والتي لم تقتصر على المواقع المرتبطة بالوجود الأميركي، بل امتدت إلى أهداف داخلية ذات طابع اقتصادي وأمني، مثل منشآت الطاقة كـ(حقل مجنون النفطي في البصرة، وحقول الطاقة والغاز في إقليم كردستان) أو بعض المؤسسات السيادية (استهداف مقر جهاز المخابرات العراقي) في منطقة المنصور في بغداد(5). فضلًا عن مغادرة/تعليق العديد من الشركات النفطية الأجنبية عملها في حقول النفط جنوب العراق. هذا التوسع في نطاق الأهداف يعكس محاولة لتوسيع معادلة الضغط، بحيث لا تبقى مقتصرة على البعد العسكري، بل تشمل أيضًا أبعادًا اقتصادية وأمنية، بما يزيد من كلفة الصراع ويعقد من قدرة الدولة العراقية على احتوائه.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل الدور الذي تلعبه هذه الفصائل عن طبيعة ارتباطها العضوي بإيران، سواء على مستوى التوجيه الإستراتيجي أو الدعم العملياتي. فهذه العلاقة لا تقوم فقط على التنسيق، بل على اندماج وظيفي يجعل من هذه الفصائل جزءًا من منظومة ردع إقليمية أوسع(6). وقد تعزز هذا البُعد مع الرسائل السياسية التي صدرت من القيادة الإيرانية في بداية الحرب، سواءً المنسوبة للمرشد الأعلى الإيراني (مجتبى خامنئي)(7) أو قائد قوة القدس في الحرس الثوري (إسماعيل قاآني)(8) والتي دعت بشكل واضح إلى انخراط الوكلاء في إدارة الصراع، بما يعكس انتقالًا من مرحلة "الدعم غير المباشر" إلى مرحلة "التفعيل المنسق لساحات محور المقاومة" ضمن ما يُعرف بالجغرافيا العسكرية لوحدة الساحات.
غير أن ما تكشفه هذه التطورات أيضًا هو أن العراق لم يعد مجرد ساحة تستخدمها إيران لتطبيق إستراتيجيتها، بل أصبح جزءًا من البيئة التي تعيد تشكيل حدود هذه الإستراتيجية نفسها؛ فإن انتقال العمليات إلى مستويات أكثر حساسية، وازدياد الانكشاف الأمني، وتصاعد التداخل بين الأهداف العسكرية والسيادية، خصوصًا مع التقارير الإخبارية التي تحدث عن مقتل مستشارين للحرس الثوري في العراق بفعل استهداف أميركي، يعني أن كلفة استخدام الساحة العراقية قد ترتفع، وهو ما قد يفرض على إيران إعادة تقييم كيفية توظيف هذه الساحة ضمن منظومتها الإقليمية(9).
وعليه، يمكن القول: إن العراق انتقل من كونه "عمقًا إستراتيجيًّا" لإيران إلى كونه "ساحة لإدارة الضغط"، تُختبر فيها فعالية الردع، وتُعاد فيها صياغة حدود النفوذ، ضمن معادلة صراع لم تعد تُدار من مركز واحد بل عبر شبكة من الساحات المتداخلة (لبنان ومضيق هرمز). وفي ظل هذه التحولات، يصبح موقع العراق أكثر تعقيدًا، ليس فقط بوصفه جزءًا من الإستراتيجية الإيرانية، بل بوصفه عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيلها.
العراق وتحولات قواعد الاشتباك: من الردع العسكري إلى إعادة الهيكلة الإستراتيجية
تكشف التحولات الأمنية التي شهدتها الساحة العراقية في الأيام الأخيرة عن انتقال نوعي في طبيعة قواعد الاشتباك من نمط "الردع المتبادل المحدود" الذي كان يُدار ضمن فضاء المنطقة الرمادية إلى نمط أكثر تعقيدًا يمكن توصيفه بـ "إعادة الهيكلة القسرية للبيئة الأمنية". هذا التحول لا يعكس مجرد تصعيد في مستوى العنف أو كثافة العمليات بل يشير إلى إعادة تعريف عميقة لوظيفة الساحة العراقية داخل معادلة الصراع الإقليمي.
فالمؤشرات الميدانية الأخيرة تُظهر بوضوح أن نمط الاستهداف الأميركي لم يعد يقتصر على استنزاف القدرات أو توجيه ضربات رمزية بل انتقل إلى مستوى أكثر دقة وانتقائية يستهدف مفاصل حساسة في البنية القيادية واللوجستية لبعض الفصائل المسلحة. وقد تجلى ذلك في استهداف مواقع ذات طابع قيادي أو عملياتي شملت مقرات مرتبطة بقيادة عمليات الحشد الشعبي في نينوى والأنبار، فضلًا عن مواقع عسكرية لفصائل مسلحة في بغداد ومناطق غرب العراق مثل القائم وعكاشات. هذه التحولات تعكس انتقالًا واضحًا من منطق "إدارة التهديد" إلى منطق "تفكيك البنية"، بما يستهدف القدرة التنظيمية لهذه الفصائل وليس فقط قدرتها القتالية المباشرة.
بالتوازي مع ذلك، برزت مؤشرات سلوكية داخل هذه الفصائل تعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة التهديد الجديد. فقد شهدت الأيام الماضية حالة استنفار غير معلنة، تمثلت في إعادة انتشار جزئي، وتغيير أنماط الحركة، وتقليص الظهور العلني للقيادات، وهي إجراءات تشير إلى انتقال هذه الفصائل من وضعية المبادِر ضمن بيئة عملياتية مريحة، إلى وضعية الفاعل الحذر داخل بيئة باتت أكثر اختراقًا واستهدافًا.
إلى جانب البعد العملياتي، أفرزت هذه التطورات توترًا متصاعدًا في العلاقة بين بعض الفصائل المسلحة -ولاسيما (كتائب حزب الله العراقي)- ومؤسسات الدولة، وبشكل خاص (جهاز المخابرات العراقي). وقد تجلى هذا التوتر في تصاعد الخطاب المتبادل، عبر تشكيك الكتائب بوطنية عناصر ومنتسبي جهاز المخابرات، عبر عدة بيانات أصدرها المسؤول الأمني في الكتائب (أبو مجاهد العساف) خلال اليومين الماضيين. بما يعكس محاولة لإعادة رسم حدود العلاقة بين "الدولة" و"الفصائل المسلحة"، ويشير في الوقت ذاته إلى تآكل الإطار التقليدي الذي كان ينظم هذا التعايش الهش بين الطرفين(10).
في هذا السياق، لا يمكن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل قواعد اللعبة داخل العراق، ليس فقط على مستوى طبيعة العمليات بل على مستوى من يمتلك قرار الحرب والسلم ومن يحتكر تعريف الشرعية الأمنية. فمع تراجع وضوح الخطوط الفاصلة بين الدولة والفصائل، أصبحت الساحة العراقية أكثر عرضة لإعادة التشكيل وفق توازنات القوة (الأمر الواقع) بدلًا من أن تُدار ضمن إطار مؤسسي واضح.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في التباين بين مقاربة الدولة العراقية، التي تحاول بقيادة الحكومة الحالية النأي بالعراق عن الانخراط المباشر في الحرب، وبين مقاربة الفصائل المسلحة، التي تسعى إلى ربط الساحة العراقية بساحات المواجهة الأوسع في إيران ولبنان والبيئات الأخرى، وتحويلها إلى جزء من معادلة اشتباك مفتوح من حيث الأهداف والأبعاد. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير بل يعبِّر عن صراع ضمني حول طبيعة الدور العراقي نفسه: هل هو دولة تسعى إلى تحييد نفسها أم ساحة منخرطة في شبكة صراع إقليمي متعددة الجبهات؟
إن مجمل هذه التطورات يشير إلى أن العراق يعيش لحظة يمكن توصيفها بـ"الاختبار السيادي"؛ حيث تتعرض الدولة لضغوط مزدوجة، خارجية عبر الضربات والرسائل العسكرية وداخلية عبر ديناميات الفصائل وتفاعلاتها. ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة العراقية الحفاظ على توازن دقيق بين احتواء التداعيات وتجنب التصعيد، تتحرك الفصائل المسلحة ضمن منطق مختلف تحكمه حسابات إقليمية أوسع، وهو ما تجلَّى خلال اليومين الماضيين في تصاعد الخطاب التصعيدي تجاه مؤسسات رسمية، بما يعكس تراجع قدرة الدولة على ضبط إيقاع هذه التفاعلات.
وعليه، فإن التباين بين منطق الدولة ومنطق الفصائل لا يمثل مجرد أزمة إدارة أو خلل مرحلي، بل يُعبِّر عن إشكالية بنيوية في طبيعة النظام الأمني العراقي؛ حيث تتداخل الولاءات وتتعدد مراكز القرار وتتآكل الحدود بين الداخلي والخارجي. وفي ظل هذه البيئة، تصبح قواعد الاشتباك نفسها عرضة لإعادة التشكل المستمر، بما يجعل من العراق ساحة مفتوحة لإعادة تعريف التوازنات، وليس فقط لتطبيقها.
الإستراتيجية الإيرانية: العراق ساحةَ امتصاصٍ وتوزيع في ظل تآكل الهامش العملياتي
من منظور إستراتيجي إيراني، لم يكُن العراق يومًا مجرد ساحة نفوذ تقليدية، بل شكَّل أحد أهم مكونات "الهندسة العملياتية" للصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن ما يمكن تسميته بمنظومة "إدارة الضغط متعدد الساحات". تقوم هذه المنظومة على مبدأ جوهري يتمثل في تفكيك مركز الثقل للخصم، عبر توزيع الصراع جغرافيًّا ووظيفيًّا بحيث لا تُخاض المواجهة في نقطة واحدة بل في شبكة من الساحات التي تتفاوت في مستوى التصعيد والانكشاف.
في هذا السياق، يحتل العراق في سياق الحرب الحالية موقعًا محوريًّا لثلاثة اعتبارات متداخلة؛ أولها: كونه يمثل الامتداد الجغرافي الأكثر اتصالًا بإيران؛ ما يجعله ساحة منخفضة الكلفة نسبيًّا من حيث النقل اللوجستي وإدارة العمليات. وثانيها: طبيعة البيئة السياسية-الأمنية الهجينة التي تسمح بوجود فصائل مسلحة قادرة على تنفيذ أدوار ردعية دون تحميل الدولة الإيرانية كلفة المواجهة المباشرة. أما ثالثها، فيتعلق بكون العراق يقع في نقطة تقاطع بين المصالح الأميركية والإيرانية؛ ما يمنحه قيمة مضاعفة بوصفه ساحةً لإرسال الرسائل الإستراتيجية.
ومع ذلك؛ فإن التطورات الأخيرة في العراق تشير إلى أن هذه الإستراتيجية، التي اعتمدت طويلًا على مبدأ "الضغط الموزع والردع غير المباشر"، بدأت تواجه تحديات نوعية تتعلق بتآكل هامش المناورة العملياتية. فخلال الأيام الماضية، لم تعد الضربات الأميركية التي تستهدف البنية المرتبطة بالفصائل المسلحة تُدار ضمن منطق الاستنزاف البطيء، بل انتقلت إلى نمط أكثر دقة وانتقائية يستهدف مفاصل حساسة في البنية القيادية واللوجستية. هذا التحول يعكس إدراكًا لدى الطرف الأميركي بأن فاعلية الردع الإيراني عبر العراق تعتمد أساسًا على بقاء هذه الفصائل في حالة تماسك وقدرة على المبادرة، وهو ما يجري استهدافه بشكل منهجي.
الأكثر دلالة في هذا السياق هو أن هذه الضربات الأميركية المتواصلة لم تعد محصورة في الأطراف (الحدود العراقية السورية) أو في بيئات منخفضة الحساسية (نينوى وصلاح الدين)، بل امتدت -وفق المؤشرات الميدانية الأخيرة- إلى مناطق ذات قيمة سياسية وأمنية أعلى، بما في ذلك داخل العاصمة، بغداد، وهو ما يحمل رسالة مزدوجة: الأولى تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الوصول إلى عمق المجال العراقي، والثانية تتعلق بإمكانية إعادة تعريف "المناطق الآمنة" التي كانت تعتمد عليها الفصائل في إدارة نشاطها ضد القوات الأميركية في العراق.
هذا التحول في نمط الاستهداف الأميركي ترافق مع مؤشرات سلوكية داخل بنية الفصائل نفسها، تمثلت في إعادة طبيعة الانتشار وتغيير منظومات الاتصال وإعادة تشكيل برتوكولات الحركة والظهور العلني لقادة الفصائل، وهي مؤشرات تعكس انتقال هذه الفصائل من وضعية "المبادِر ضمن بيئة مريحة" إلى وضعية "الفاعل الحذر ضمن بيئة مُخترَقة". وفي التحليل الإستراتيجي، فإن هذا التحول لا يُقرأ فقط بوصفه استجابة تكتيكية، بل مؤشرًا على تراجع مستوى الثقة بالبيئة العملياتية التي كانت تُعد سابقًا امتدادًا آمنًا للعمق الإيراني.
في ضوء ذلك، يمكن القول: إن الإستراتيجية العسكرية الإيرانية في العراق حاليًّا تمر بمرحلة "إعادة معايرة"، تنتقل فيها من نموذج يعتمد على توسيع مساحة الصراع وتوزيعه إلى نموذج أكثر حذرًا يسعى إلى تقليل الكلفة والحفاظ على الحد الأدنى من الفاعلية. هذه المعايرة لا تعني بالضرورة تراجع الدور الإيراني، لكنها تعكس تحولًا في كيفية إدارة هذا الدور، خصوصًا في ظل بيئة عملياتية أصبحت أكثر اختراقًا، وأكثر عُرضة للضربات الدقيقة، وأقل قابلية للاحتواء عبر الأدوات التقليدية.
وعليه، فإن السؤال لم يعد يتعلق بمدى قدرة إيران على استخدام العراق ساحةً لامتصاص الضغط بل بمدى قدرتها على الاستمرار في ذلك دون أن تتحول هذه الساحة إلى مصدر استنزاف عكسي. فكلما ارتفعت كلفة الاستخدام، وتقلص هامش المناورة، وازدادت حساسية التوازنات الداخلية، أصبح العراق أقل ملاءمة كنقطة توزيع للضغط، وأكثر عرضة لأن يتحول إلى نقطة إعادة تركيز له.
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن العراق لم يعد فقط ساحة تستخدمها إيران لإدارة الصراع بل أصبح أيضًا ساحة تعيد تشكيل حدود هذه الإدارة نفسها، وهو ما يجعل من فهم دينامياته الداخلية شرطًا أساسيًّا لفهم مستقبل الإستراتيجية الإيرانية في الإقليم.
الإستراتيجية الأميركية: من الاحتواء إلى إعادة الضبط في بيئة اشتباك متحولة
في المقابل، تعكس التحركات الأميركية خلال الأيام الماضية تحولًا نوعيًّا في المقاربة الإستراتيجية تجاه الساحة العراقية، انتقالًا من نموذج "الاحتواء" الذي طبع السنوات السابقة، إلى نموذج أكثر تدخلًا يمكن توصيفه بـ"إعادة الضبط". هذا التحول لا يقتصر على تغيير في مستوى القوة المستخدمة، بل يمتد إلى إعادة تعريف وظيفة العراق داخل معادلة الصراع، وحدود السلوك المقبول من قبل الفصائل المسلحة.
خلال مرحلة الاحتواء، اعتمدت الولايات المتحدة على مزيج من الردود المحدودة (سياسية–اقتصادية–عسكرية)، والرسائل غير المباشرة، ومحاولة إدارة التوازنات الداخلية دون تفجيرها. كان الهدف في تلك المرحلة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، ومع تحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الحرب الحالية، واتساع نطاقها الإقليمي، اندفعت واشنطن إلى إعادة تقييم هذه المقاربة، خصوصًا مع إدراكها أن "الاحتواء السلبي" لم يعد كافيًا لمنع استخدام العراق منصةَ ضغطٍ ضد مصالحها.
ضمن هذا التحول، بدأت ملامح إستراتيجية جديدة تتشكل، قوامها الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن إدارة التهديد إلى إعادة تشكيله. فخلال الأيام الماضية، أظهرت الضربات الأميركية التي نُفِّذت داخل العراق درجة أعلى من الانتقائية والدقة، سواء في اختيار الأهداف أو في توقيت التنفيذ، وهو ما يشير إلى وجود بنك أهداف مُحدَّث، وقدرة استخبارية قادرة على تتبع مفاصل حساسة داخل الفصائل المسلحة.
هذه الضربات لم تكُن معزولة عن سياق سياسي أوسع، بل جاءت مرفقة برسائل واضحة -مباشرة وغير مباشرة- تتعلق بإعادة رسم "الخطوط الحمراء" داخل العراق. الرسالة الأساسية هنا لا تتعلق فقط بمنع الهجمات على المصالح الأميركية، بل بإعادة تعريف طبيعة البيئة الأمنية نفسها بحيث تصبح أقل قابلية للاستخدام منصةً عملياتية ضمن الإستراتيجية الإيرانية.
الأهم في هذا التحول هو أن الولايات المتحدة لم تعد تستهدف فقط القدرات المادية للفصائل بل تسعى إلى التأثير في سلوكها الإستراتيجي. فبدلًا من الاكتفاء بتقليص الإمكانات، يجري العمل على خلق حالة من عدم اليقين داخل هذه الفصائل، تدفعها إلى إعادة حساباتها، وتقليل هامش المبادرة، والانتقال من وضعية الفاعل الهجومي إلى الفاعل الدفاعي الحذر.
بالتوازي مع ذلك، تحمل هذه المقاربة بُعدًا سياسيًّا لا يقل أهمية، يتمثل في الضغط غير المباشر على الدولة العراقية لإعادة تعريف دورها الأمني. فاستهداف مواقع داخل العمق العراقي، ومواقع تابعة لهيئة الحشد الشعبي، التي تُعرَّف على أنها جزء من المنظومة الأمنية الرسمية العراقية، لا يوجه رسالة للفصائل فقط بل يضع الحكومة العراقية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على فرض السيادة وضبط الفضاء الأمني. وبهذا المعنى، فإن "إعادة الضبط" الأميركية لا تستهدف فقط الفصائل المسلحة بل تسعى أيضًا إلى إعادة هندسة العلاقة بين الدولة وهذه الفصائل.
التطورات الأخيرة تشير كذلك إلى أن واشنطن تحاول إدخال عنصر "التكلفة المتصاعدة" في المعادلة العراقية، بحيث لا يكون استمرار النشاط المسلح خيارًا منخفض الكلفة كما كان في السابق. فكلما ارتفعت دقة الضربات، واتسع نطاقها الجغرافي، وازدادت حساسيتها السياسية، يصبح على الفصائل بشكل غير مباشر، وعلى الجهات الداعمة لها، إعادة تقييم جدوى استخدام العراق ساحةً مفتوحة.
غير أن هذه الإستراتيجية، رغم ما تحمله من عناصر قوة، ليست خالية من المخاطر. فإعادة تعريف قواعد الاشتباك في بيئة مُعقدة مثل العراق؛ قد تؤدي إلى نتائج غير مُتوقعة، خصوصًا إذا ما تم تجاوز حدود معينة تتعلق بحساسية التوازنات الداخلية. كما أن الضغط على الدولة العراقية قد يضعها في موقع حرج بين متطلبات السيادة وضغوط الواقع السياسي، وهو ما قد ينعكس على استقرارها الداخلي، وهو ما تأكد على مستوى تعثر اختيار رئيس جديد للحكومة العراقية، أو حتى حالة الاستقطاب الحاصل داخل البيئة السياسية العراقية على مستوى الموقف من الحرب الحالية، أو حتى في العلاقة بين العراق ودول الجوار.
في هذا الإطار، يمكن القول: إن الولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى "تقليص نفوذ إيران في العراق" بل إلى إعادة تعريف وظيفة العراق بالكامل داخل معادلة الصراع الإقليمي وما بعده، بحيث يتحول من "ساحة ضغط على واشنطن" إلى "ساحة منضبطة تقل فيها قدرة الخصوم على المناورة". وهذا الهدف، بطبيعته، يتطلب إعادة تشكيل عميقة للبيئة الأمنية والسياسية، وهو ما يجعل من هذه المرحلة مرحلة انتقالية قد تكون الأكثر حساسية منذ سنوات.
في المحصلة، تعكس الإستراتيجية الأميركية في العراق تحولًا من إدارة الصراع إلى محاولة إعادة تصميمه، ومن التكيف مع الواقع إلى السعي لتغييره. غير أن نجاح هذا التحول سيبقى مرهونًا بقدرة واشنطن على موازنة الضغط مع الاستقرار، وعلى تحقيق أهدافها دون دفع العراق إلى حافة الانفلات، وهي معادلة دقيقة ستحدد مآلات الدور الأميركي في العراق خلال المرحلة المقبلة.
مستقبل العراق: بين الاحتواء والانزلاق في بيئة ردع غير مستقرة
يمكن القول بأن العراق يقف اليوم عند نقطة توازن دقيقة، يمكن توصيفها بأنها "توازن هش تحت ضغط الحرب". فالتصعيد القائم، رغم طبيعته المحدودة نسبيًّا، لا يعكس استقرارًا حقيقيًّا، بل يُعبِّر عن حالة من الضبط المؤقت التي تُخفي داخلها قابلية عالية للانفلات، نتيجة تداخل مستويات مُتعددة من الفاعلين، وتضارب حساباتهم، واختلاف تقديراتهم للمخاطر.
ما يجري في العراق اليوم لا يمكن قراءته فقط من زاوية حجم العمليات أو عددها، بل من زاوية طبيعتها واتجاهها. فالتحول نحو استهدافات أكثر دقة، وامتدادها إلى بيئات أكثر حساسية سياسيًّا وأمنيًّا، يشير إلى أن قواعد الاشتباك لم تعد ثابتة، بل أصبحت في طور إعادة التشكل. وهذا بحدِّ ذاته يخلق بيئة "ردع غير مُستقرة"، حيث لا توجد خطوط حمراء واضحة ومتفق عليها بل خطوط متحركة يجري اختبارها بشكل مستمر.
في هذا السياق، يُمكن فهم العراق بوصفه ساحة تتقاطع فيها ثلاث دوائر من الضغط: دائرة خارجية تقودها الولايات المتحدة ضمن سعيها لإعادة ضبط البيئة الأمنية، ودائرة إقليمية تقودها إيران عبر محاولتها الحفاظ على قدرة الردع غير المباشر، ودائرة داخلية تتمثل في الدولة العراقية والفصائل المسلحة، بكل ما تحمله من تباينات في الرؤية والمصالح. التفاعل بين هذه الدوائر لا ينتج استقرارًا بل حالة من "التوازن المتوتر" الذي يمكن أن ينهار بفعل حادثة واحدة أو خطأ في التقدير.
ويُمكن القول هنا: إنه إذا استمرت الحرب بين طهران وواشنطن ضمن المستوى الحالي، فإن العراق قد يبقى ساحة لإدارة الضغط المتبادل؛ حيث يجري استخدامه منصةً لإرسال الرسائل دون الوصول إلى مواجهة شاملة. في هذا السيناريو، سيستمر ما يمكن تسميته بـ"التصعيد المنضبط"؛ حيث تُضبط وتيرة العمليات بحيث لا تتجاوز عتبة معينة، مع الحفاظ على قدرة كل طرف على الادعاء بأنه لم يتراجع. غير أن هذا النمط من التصعيد يحمل في داخله مفارقة أساسية؛ إذ كلما طال أمده زادت احتمالات الخطأ، سواء على مستوى التقدير الاستخباري أو التنفيذ الميداني.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في "الانزلاق التدريجي نحو تصعيد أوسع"، نتيجة تراكم الضربات وارتفاع كلفتها السياسية والأمنية. فكلما انتقلت العمليات إلى مستويات أكثر حساسية، سواء من حيث الموقع أو الهدف، تزداد الضغوط على الفاعلين للرد، ليس فقط للحفاظ على الردع بل أيضًا للحفاظ على صورتهم الداخلية والخارجية. وفي بيئة مثل العراق، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الاعتبارات السياسية والرمزية، يمكن لأي ضربة ذات طابع نوعي أن تدفع نحو رد فعل يتجاوز الحسابات التقليدية.
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في "الانفلات غير المقصود"؛ حيث يؤدي تفاعل سلسلة من الأحداث، قد تكون صغيرة في بدايتها، إلى تصعيد خارج السيطرة. هذا النوع من الانفلات لا ينتج بالضرورة عن قرار إستراتيجي بل عن سوء تقدير، أو خلل في قنوات الاتصال، أو تداخل غير محسوب بين مسارات مختلفة من الصراع. وفي ظل غياب آليات واضحة لإدارة الأزمات بين الفاعلين يصبح من الصعب احتواء مثل هذا التصعيد بمجرد حدوثه.
التطورات الأخيرة في العراق تُظهر أن بعض عناصر هذا السيناريو بدأت تتشكل، ولو بشكل أولي. فتصاعد التوتر بين بعض الفصائل المسلحة ومؤسسات الدولة، وتزايد حساسية الأهداف التي يتم استهدافها من قبل القوات الأميركية، وارتفاع مستوى الاستنفار غير المعلن للفصائل المسلحة، كلها مؤشرات على أن البيئة الأمنية أصبحت أكثر قابلية للاشتعال. كما أن إدخال عناصر جديدة في المعادلة، مثل توسيع نطاق الأهداف أو تغيير أنماط الاستهداف، من الاستهداف الميداني إلى الاغتيال النوعي، قد يؤدي إلى كسر التوازن القائم، حتى وإن كان هذا التوازن هشًّا في الأساس.
في المقابل، لا يزال هناك هامش بسيط "للتهدئة الهشة"، وإن كان محدودًا، خصوصًا مع المسارات الجديدة التي بدأت تفرض نفسها في سياق الحرب، والحديث هنا عن احتمالية توقف هذه الحرب، والبدء بمحادثات جديدة بين طهران واشنطن، كما يشير العديد من التقارير الإعلامية، وفيما لو تحقق مثل هذا المسار فإن العراق سيكون أمام فرصة تهدئة قد تُعيد تشكيل واقعه الأمني والسياسي، ومع ذلك فإن استثمار مثل هذه التهدئة سيتوقف على مدى قدرة الدولة العراقية على التعامل معها.
بالمحصلة، فإن مستقبل موقع العراق في هذه الحرب لن يتحدد فقط بمستوى التصعيد القائم بل بمدى استقرار قواعد الاشتباك نفسها. فطالما بقيت هذه القواعد في حالة سيولة سيبقى العراق عرضة للانتقال السريع من حالة "إدارة الصراع" إلى حالة "الانخراط فيه". وهذا ما يجعل من العراق، في هذه المرحلة، ليس فقط ساحة للصراع بل نقطة اختبار حاسمة لمدى قدرة الأطراف على إدارة حرب متعددة الجبهات دون أن تنزلق إلى مواجهة شاملة.
الخاتمة الكبرى: العراق بوصفه نقطةَ توازنٍ في حرب بلا نهاية واضحة
تكشف القراءة المركبة لمسار الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وتفاعلها مع الساحة العراقية، أن العراق لم يعد مُجرد مسرح ثانوي أو ساحة انعكاس للتطورات الإقليمية بل تحول إلى نقطة توازن مركزية داخل بنية صراع يتسم بالسيولة الإقليمية، وتعدد المسارات، وغياب النهاية الحاسمة. فالحرب الجارية ليست حربًا تقليدية يمكن حسمها عبر تفوق عسكري مباشر بل هي حرب إدارة ضغط، تُقاس فيها النتائج بقدرة كل طرف على تجنب الهزيمة أكثر من تحقيق النصر.
في هذا السياق، يحتل العراق موقعًا فريدًا، ليس لأنه يمتلك القدرة على حسم الصراع بل لأنه يمثل المساحة التي تُختبر فيها حدود هذا الصراع. فهو المجال الذي تلتقي فيه الإستراتيجيات المتعارضة دون أن تتواجه بشكل مباشر، والساحة التي تُترجم فيها مفاهيم الردع والاحتواء وإعادة الضبط إلى وقائع ميدانية ملموسة. ومن هنا، فإن العراق لا يعمل فقط "ساحةً"، بل "مؤشرًا" يعكس طبيعة التوازنات القائمة، ويكشف حدود القوة لدى الأطراف المختلفة.
التحولات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن هذا التوازن لم يعد قائمًا على الاستقرار بل على إدارة مستمرة لحالة عدم الاستقرار. فكل من الولايات المتحدة وإيران يسعى إلى استخدام العراق أداةً لإعادة تشكيل سلوك الطرف الآخر، دون الوصول إلى نقطة الانفجار. غير أن هذا النمط من التفاعل، الذي يمكن وصفه بـ "الردع المتوتر"، يحمل في داخله تناقضًا بنيويًّا؛ إذ يتطلب استمرار الضغط للحفاظ على الردع لكنه في الوقت ذاته يزيد من احتمالات الانزلاق كلما ارتفعت وتيرة هذا الضغط.
العراق، في هذه المعادلة، لا يمتلك ترف الحياد الكامل، لكنه أيضًا لا يحتمل كلفة الانخراط المباشر. ومن هنا تتشكل معادلته الأكثر تعقيدًا: "البقاء ضمن الصراع دون أن يصبح جزءًا منه". هذه المعادلة، بطبيعتها، غير مُستقرة، لأنها تعتمد على قدرة الدولة العراقية على إدارة توازن دقيق بين قوى داخلية وخارجية، في بيئة تتآكل فيها الحدود بين السيادة والتداخل، وبين القرار الوطني والضغوط الإقليمية؛ إذ أدت الهجمات التي شنَّتها فصائل مسلحة (سرايا أولياء الدم) على الكويت مثلًا، إلى بدء مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في العلاقات العراقية-الخليجية، وهو ما أكده البيان الخليجي الأخير، والذي دان الهجمات التي تقوم بها الفصائل المسلحة انطلاقًا من الأراضي العراقية(11).. وهو موقف قد يعيد تشكيل بل وحتى تقييم العلاقات العراقية-الخليجية في مرحلة ما بعد الحرب.
التطورات الميدانية الأخيرة تُظهر أن هذا التوازن يتعرض لاختبار متزايد. فانتقال الضربات إلى مستويات أكثر حساسية، وتصاعد التوتر بين الفصائل المسلحة ومؤسسات الدولة، وتزايد الانكشاف الأمني، كلها مؤشرات على أن العراق يقترب تدريجيًّا من حافة انفجار قد يصعب التراجع عنها إذا ما تم تجاوزها بسرعة. وفي هذا السياق، يصبح الخطر الحقيقي ليس في التصعيد بحد ذاته بل في فقدان القدرة على التحكم بإيقاعه من قبل الحكومة العراقية.
غير أن هذه اللحظة، رغم ما تحمله من مخاطر، تفتح أيضًا نافذة لإعادة تعريف الدور العراقي. فبدلًا من أن يبقى العراق ساحة تُدار فيها الصراعات، يمكن -نظريًّا- أن يتحول إلى فاعل يسهم في تنظيمها، عبر بناء مقاربة تقوم على تقليل الانكشاف، وتعزيز السيادة، وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب إرادة سياسية، وقدرة مؤسساتية، ورؤية إستراتيجية تتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة بناء التوازن.
في النهاية، لا يمكن فهم موقع العراق في هذه الحرب بمعزل عن طبيعتها. فحرب بلا نهاية واضحة تعني توازنات بلا استقرار دائم، وصراعات بلا خطوط حمراء ثابتة، وساحات كالعراق تتحول إلى نقاط اختبار مستمرة لهذه المعادلة المعقدة. وفي هذا الإطار، فإن مستقبل العراق لن يتحدد فقط بقدرته على تجنب الانزلاق بل بقدرته على إعادة تعريف موقعه داخل صراع يبدو أنه لن يُحسم، بل سيُدار لفترة طويلة قادمة، على الأقل ضمن المؤشرات المحيطة ببيئة الحرب الحالية.
- يُقصد بالفصائل المسلحة الموالية لإيران تلك التشكيلات التي تدين بالولاء للمرشد الأعلى الإيراني، وتنخرط عمليًّا ضمن ما يُعرف بـ"تنسيقية المقاومة الإسلامية". وقد برزت هذه الفصائل بشكل أكثر وضوحًا عقب انسحاب القوات الأميركية من العراق، عام 2011، قبل أن يتعزز نفوذها بصورة أكبر بعد انتهاء الحرب على تنظيم داعش، عام 2017. وتُعرِّف هذه الفصائل نفسها في أدبياتها السياسية بوصفها جزءًا من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، وهو ما يمنحها بعدًا عابرًا للحدود، ويضعها ضمن شبكة إقليمية لإدارة الصراع، وليس فقط ضمن السياق العراقي الداخلي. وفي هذا الإطار، يجدر التمييز بين هذه الفصائل وغيرها من الفصائل المسلحة (الشيعية) في العراق؛ إذ لا يمكن عَدُّ جميع الفصائل الشيعية موالية لإيران. فهناك فصائل ترتبط مرجعيًّا بـعلي السيستاني، وأخرى ذات طابع عشائري، فضلًا عن تشكيلات مرتبطة بالمؤسسات الرسمية العراقية كوزارة الدفاع، إضافة إلى فصائل تتبع مراجع دينية شيعية أخرى.
ومن أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق: كتائب حزب الله العراقي، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب الإمام علي، وحركة أنصار الله الأوفياء. وبذلك، فإن فهم خريطة الفصائل المسلحة في العراق يتطلب التمييز بين مستويات الولاء (الديني، والسياسي، والمؤسساتي)، وليس الاكتفاء بالتصنيف الطائفي؛ إذ إن البنية الفعلية لهذه الفصائل أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما تبدو عليه ظاهريًّا.
- حنين محمد الوحيلي، عقيدة الدفاع الأمامي للحرس الثوري الإيراني، مركز حمورابي للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 3 مارس/آذار 2024، (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://shorturl.at/996rh
- ماذا نعرف عن الفصائل العراقية المنخرطة في حرب إيران؟، موقع الجزيرة، 15 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://shorturl.at/hawzy
- فصائل عراقية تعلن تنفيذ 23 عملية ضد قواعد أميركية بالمنطقة، وكالة الأناضول، 25 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://shorturl.at/GY4G7
- مقتل ضابط في هجوم بمسيّرة على مقر المخابرات العراقية، موقع سكاي نيوز عربية، 21 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://shorturl.at/gJALA
- كيف تحوَّل العراق إلى "مركز ثقل" لإيران في الحرب؟، موقع الجزيرة، 24 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://shorturl.at/jV0Z8
- مجتبى خامنئي في أول كلمة له يرسم خطوط الحرب والعلاقة مع الجوار والداخل الإيراني، موقع شفق نيوز، 12 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)،https://rb.gy/m92jy3
- العميد قاآني: وحدة الساحات هي كابوس الاستكبار والصهيونية، وكالة تسنيم الدولية للأنباء، 20 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://urli.info/1rAF2
- بغداد "ملعب المخابرات"... وحرب إيران الأخيرة، موقع الشرق الأوسط، 24 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://urli.info/1rAFM
- "حزب الله العراق": ضباط في المخابرات مرتبطون بأجهزة خارجية بينها الموساد، موقع عربي 21، 24 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://urli.info/1moLr
- بيان خليجي أردني: ندين اعتداءات فصائل مسلحة موالية لإيران من العراق على دول بالمنطقة، موقع قناة الرشيد، 26 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)، https://urli.info/1moRg