تداعيات الحرب على إيران في معادلات الأمن الإقليمي بالقرن الإفريقي

يتناول النص تداعيات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل على القرن الإفريقي، مبرزًا أبعاده الجيوسياسية والأمنية. ويركز على احتمالات عسكرة المنطقة، وتصاعد الصراعات بالوكالة، وتأثير الاعتراف بصوماليلاند، إلى جانب تنامي دور الجماعات المسلحة، وما قد يفضي إليه ذلك من اختلالات في الأمن الإقليمي.
كان قطاع الطاقة أكثر القطاعات تضررا في أفريقيا بسبب الحرب (رويترز)

يربط القرنَ الإفريقي ودولَ الشرق الأوسط تاريخٌ طويلٌ من العلاقات التجارية والثقافية والدينية والأمنية. وقد شهدت هذه العلاقات تطورًا بارزًا على مَرِّ السنوات الماضية، بالأخص في المجال الأمني، الذي زادت أهميته في رسم معالم العلاقة بين المنطقتين، نظرًا للأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر ممرًّا بحريًّا حيويًّا. تعد منطقة القرن الإفريقي واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا من حيث الجغرافيا السياسية والتحديات الأمنية، بهذه المنطقة تاريخ طويل من الصراعات الداخلية والنزاعات العرقية ما جعلها عرضة للاضطرابات المستمرة. مؤخرًا تفاقمت هذه التحديات بانتشار الجماعات الإرهابية التي تستغل ضعف الحكومات وهشاشة الأوضاع الأمنية. التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران والولايات المتحدة الأميركية/إسرائيل شكَّل تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع الإقليمي. بالنظر إلى الأهمية الجيوسياسية التي تمثلها منطقة القرن الإفريقي في معادلات الطاقة والتجارة الدولية والأمن، من المتوقع أن يكون القرن الإفريقي امتدادًا طبيعيًّا لمسارات الحرب. ومن هنا تسعى الورقة إلى تحليل التأثيرات المحتملة لهذا الصراع على الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي.

القرن الإفريقي: العقدة الكبرى والتحكم في التجارة العالمية والتوازنات الإستراتيجية

القرن الإفريقي هو ذلك الجزء من اليابسة الواقع في شرق القارة الإفريقية غرب البحر الأحمر وخليج عدن، ويحده المحيط الهندي جنوبًا على شكل قرن يمتد في المحيط الهندي، ومن هنا جاءت التسمية، وهو بهذا المفهوم يشمل أربع دول، هي: الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا(1).

يقع القرن الإفريقي على الخليج العربي مباشرة وخليج عدن وباب المندب، كما أنه الطريق الوحيد الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، ويطلق على هذه المنطقة شبه الجزيرة الصومالية، وتتداخل أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا مع الشرق الأوسط وبالأخص دول الخليج العربي، كما يُعد القرن الإفريقي المدخل الرئيسي لإفريقيا من الناحية الشرقية(2).

جاء التكالب الدولي على هذه المنطقة في المقام الأول بسبب موقعها المتميز على الخريطة الجيوسياسية، فهذه المنطقة تتمتع بمنافذ بحرية متميزة سواء كانت في البحر الأحمر وخليج عدن؛ لذا يعد أهم منفذ تجاري على مستوى العالم عن طريق نقل النفط والغاز وغيره من السلع التجارية، كما يمكِّنها من السيطرة على البحر الأحمر والتحكم في مضيق باب المندب(3). عن طريق القرن الإفريقي يمكن السيطرة على حركة التجارة العالمية؛ مما دفع العديد من القوى الإقليمية والدولية للحصول على قواعد عسكرية في جيبوتي والصومال. تتخطى الأهمية الإستراتيجية للقرن الإفريقي البعد المحلي والإقليمي لتتبوأ مكانة على مستوى دول العالم؛ مما يبرز أهميتها وتأثيرها على أحداث الشرق الأوسط والعالم ككل. وبرزت أهمية القرن الإفريقي عندما هدَّد القراصنة حركة الملاحة البحرية؛ مما دفع العديد من الدول إلى التحرك لحماية حركة التجارة الدولية والدفاع عن مصالحها(4).

التنافس الدولي بغرض الهيمنة على القرن الإفريقي وإحكام السيطرة على خليج عدن وباب المندب لم ينقطع إطلاقًا بل ظل حاضرًا، بين الولايات المتحدة الأميركية التي تعد المنطقة ضمن دائرة نفوذها، في ظل بروز فاعلين جدد كالصين وتركيا وإيران، ومحاولة موسكو الحثيثة في الحصول على قاعدة عسكرية على شاطئ البحر الأحمر في السودان(5). مساعي الولايات المتحدة الأميركية في تطويق النفوذ الصيني في القرن الإفريقي لم تُكلَّل بالنجاح، فأقامت بيجين علاقات مميزة في كافة المجالات لاسيما مع كلٍّ من إثيوبيا والصومال وجيبوتي. وكذلك سعت أنقرة لاستعادة جزء من إرث الإمبراطورية العثمانية، فحققت الكثير من المكاسب في الصومال وذلك من خلال الاستثمارات واتفاقيات الدفاع المشترك.

تكمن الأهمية العسكرية للقرن الإفريقي من خلال الممرات المائية والموقع الجغرافي، الذي من خلاله تستطيع أي قوة بسط نفوذها على مناطق شتى كخليج عدن وباب المندب فضلًا عن دول حوض البحر الأحمر والخليج العربي(6). لذا أصبح القرن الإفريقي موقعًا متميزًا للقوى الإقليمية والدولية لإنشاء القواعد العسكرية والانخراط في شراكات أمنية وعسكرية، فضلًا عن استجابة دول القرن الإفريقي لذلك؛ مما وضع المنطقة في خانة التدافع بين القوى العظمى.

انفجار محتمل لمعادلات الأمن في قلب البحر الأحمر

يتضح مما سبق الأهمية الجيوسياسية للقرن الإفريقي، وكيف تطمع القوى العظمى في السيطرة على دول المنطقة، لذا سنتعرض لتداعيات حرب الخليج الثالثة على الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي في النقاط التالية:

أولًا: عسكرة القرن الإفريقي

بدأت القوى العسكرية الأجنبية تتزاحم في منطقة القرن الإفريقي في 2008، وذلك مع تزايد عمليات القرصنة البحرية التي كانت تستهدف السفن التجارية وناقلات النفط، ومن خلال نشر الدوريات البحرية والقواعد العسكرية عند مضيق باب المندب وخليج عدن، فقد استضافت جيبوتي، الدولة المحورية في القرن الإفريقي، قواعد عسكرية لدول متعددة تتبع للولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والصين واليابان وإيطاليا وإسبانيا(7). ويعود السبب الرئيسي لتراكم القوى العظمى في تلك المنطقة إلى أهمية مضيق باب المندب الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط.

على صعيد القوى الإقليمية، تبلورت المساعي الإماراتية إزاء إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي من خلال حصولها على مرافق عسكرية، لكن سرعان ما انهارت العلاقات بين البلدين؛ مما دفع أبوظبي إلى اللجوء إلى أسمرا؛ حيث وقَّعت الإمارات اتفاقية شراكة حصلت بموجبها على قاعدة عسكرية في ميناء عصب، لكن الاتفاق لم يدم طويلًا(8).

في الصومال يوجد العديد من القواعد العسكرية، فهي تحتل المرتبة الثانية من حيث الانتشار العسكري الأجنبي بعد جيبوتي؛ حيث تشمل قاعدة عسكرية للإمارات العربية المتحدة في مدينة بوصاصو، عاصمة إقليم بونتلاند الصومالي، وقاعدة أخرى في مدينة بربرة بإقليم صوماليلاند. سعت تركيا لتعزيز حضورها عبر الصومال؛ حيث كثَّفت من وجودها الاقتصادي والإنساني، وفي 2017 افتتحت أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في جنوب العاصمة، مقديشو، بالإضافة إلى القاعدة الجوية الأميركية في محافظة شبيلي السفلى، والقاعدة البريطانية في منطقة بيدوا(9).

أبدت إيران اهتمامًا كبيرًا بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر، فأهمية القرن الإفريقي لا تقتصر على اعتبارات الموقع الإستراتيجي، وإنما تتعداها إلى الموارد الطبيعية، لذلك تهدف إلى تحقيق العديد من الأهداف المتداخلة والمتشابكة مستخدمة عددًا من الوسائل والأدوات وفي مقدمتها القوة الناعمة، بالرغم من ذلك فإن طهران لم تتمكن من توسيع وجودها في القرن الإفريقي(10).

تدرك طهران أن القرن الإفريقي يمثل امتدادًا إستراتيجيًّا للمصالح الأميركية والدولية، فإن اتساع نطاق المواجهات العسكرية ليشمل القرن الإفريقي وباب المندب واستهداف المصالح الأميركية-الإسرائيلية يجعله أداة مهمة قد تسهم في الضغط على المجتمع الدولي لوضع حدٍّ للحرب على طهران. لذا، فإن توسيع نطاق المواجهات العسكرية إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر لا يعد بمنزلة تهديد للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، بل تهديد لمصالح الأطراف الإقليمية والدولية؛ مما يشكل عبئًا إضافيًّا على دول الخليج العربي، بحيث إن تهديد الملاحة في البحر الأحمر يفضي إلى أزمة(11).

القرن الإفريقي ساحة محتملة في مسار تصعيد المواجهات العسكرية بين واشنطن وتل أبيب وطهران وحلفائها؛ إذ من المتوقع أن تستهدف جماعة الحوثي المصالح الأميركية والإسرائيلية في القرن الإفريقي، لاسيما في كلٍّ من جيبوتي وهرجيسا، إذا ما حاولت أميركا استخدام القواعد العسكرية في جيبوتي في إطار الحرب الجارية. كذلك من المتوقع أن تستخدم تل أبيب إقليم صوماليلاند منصةً لإطلاق عملياتها العسكرية ضد جماعة الحوثي وربما إيران؛ مما يضيف مزيدًا من التعقيدات للمشهد الأمني في القرن الإفريقي وانعكاساته على البحر الأحمر(12).

ثانيًا: تصاعد التنافس الإقليمي

أصبح القرن الإفريقي مؤخرًا مسرحًا بالغ الأهمية للتنافس بين عدد من القوى الإقليمية والدولية، على إثر اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، برزت تساؤلات عميقة حول دلالات الخطوة وتداعياتها الإقليمية؛ إذ لا يُنظر إليها كإجراء قانوني أو سياسي معزول، بل كتحرك جيوسياسي يحمل أبعادًا أمنية وإستراتيجية، تمس توازنات القرن الإفريقي(13).

يستهدف هذا الاعتراف مصالح دول محورية في مقدمتها مصر التي ترى في الخطوة تهديدًا لأمنها القومي؛ مما سرَّع من تعزيز الشراكة العسكرية بين البلدين. وفي أغسطس/آب 2023، وُقِّع اتفاق دفاع مشترك تبعته شحنات أسلحة مصرية وتدريب لرفع قدرات الجيش الصومالي. ومع انتهاء بعثة الاتحاد الإفريقي القديمة (أتميس) والاستعداد لإطلاق البعثة الجديدة (أصوم)، اشترطت مقديشو استبعاد القوات الإثيوبية واستبدال أخرى مصرية بها. فُسِّرت هذه الخطوة بتوجه مصري جديد نحو إعادة التموضع في القرن الإفريقي، ويمكن قراءة الموقف المصري في إطار التنافس الإقليمي(14).

بدأ الحضور التركي في القرن الإفريقي وبالأخص في الصومال، يتصاعد بعد العام 2011، وذلك عبر تقديم المساعدات الإنسانية والاستثمار في البنى التحتية والتجارة، فضلًا عن توقيع اتفاقيات تعاون عسكري، حتى أُنشئت أكبر قاعدة عسكرية جنوب العاصمة مقديشو. تجد أنقرة القرن الإفريقي مجالًا مفتوحًا لتجاوز العقبات الجغرافية والسياسية المفروضة عليها، وفي الاتجاه الآخر، تنظر إسرائيل إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر على أنهما جزء لا يتجزأ من الأمن القومي. ومن هذا المنطلق اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولةً مستقلة. إن التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية في الصومال قد يعزز حالة الهشاشة وعدم الاستقرار في البلاد في ظل ضعف الدولة المركزية؛ مما ينعكس على الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي(15).

تحوَّلت الإمارات العربية المتحدة إلى لاعب جيوسياسي رئيسي في القرن الإفريقي، خلال إدارتها وتشغيلها لعدد من الموانئ عبر شركة موانئ دبي، فضلًا عن إقامتها لشراكات أمنية مع إقليمي بونتلاند وصوماليلاند حيث تطالب هرجيسا بالانفصال عن مقديشو، ويرى البعض أن أبوظبي وسيط يعمل لصالح إسرائيل في القرن الإفريقي. تحاول الإمارات أن تلعب دورًا مستقلًّا يهدد وحدة الصومال في ظل تنافس إقليمي(16)؛ مما سيدفع القرن الإفريقي ليتحول إلى ساحة للصراعات بالوكالة بين القوى الإقليمية لحماية مصالحها.

ووقَّعت أديس أبابا اتفاقية، في يناير/كانون الثاني 2024، لبناء قاعدة بحرية على سواحل صوماليلاند، مقابل الاعتراف بها دولةً مستقلة على غرار الخطوة الإسرائيلية مؤخرًا؛ مما أدى إلى أزمة دبلوماسية مع مقديشو. توصل الجانبان إلى تفاهم عقب جولة مفاوضات في أنقرة بوساطة تركية، إلا أن التهدئة لم تدم طويلًا إذ عادت التوترات إلى الواجهة مجددًا، وفي الجانب الآخر توترت العلاقات بين أسمرا وأديس أبابا، بعد اتهام إثيوبيا إريتريا باحتلال جزء من أراضيها على طول الشريط الحدودي(17). المساعي الإثيوبية إلى القفز على المعوقات الطبيعية التي تواجهها في الحصول على إطلالة بحرية على سواحل البحر الأحمر، ستسهم في إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي، حيث إنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسع إقليمي يهدف إلى كسر عزلتها البحرية.

ستسهم التطورات المتسارعة في القرن الإفريقي على ضوء الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، في خلق أرضية خصبة لإشعال صراعات جديدة، سواء كانت داخلية في ظل تعقيدات سياسية وعرقية في الأصل تعاني منها دول القرن الإفريقي، كاندلاع مواجهات بين الحكومة في مقديشو وصوماليلاند بإيعاز من تل أبيب لتوريط أنقرة في حرب تجد نفسها منحازة فيها لمقديشو، أو محاولة لاستنزاف النفوذ التركي في مستنقع سبق وفشلت فيه واشنطن، أو على شكل صراعات عابرة للحدود كالحرب بالوكالة(18).

الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند دولةً مستقلة ليس خطوة رمزية بل خطوة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في القرن الإفريقي، في ساحة تنافس مكتظة بالقوى الإقليمية والدولية؛ ما يخلق دافعًا لصراع نفوذ إقليمي، من خلال الاستقطاب الحاد بين القوى الإقليمية؛ مما يفتح الباب أمام مزيد من الاعترافات بصوماليلاند، وإعادة رسم التوازنات وموازين القوى الإقليمية، حول البحر الأحمر؛ مما سيكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي(19).

ثالثًا: تنشيط الجماعات المسلحة

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2021، في الولايات المتحدة الأميركية، بدأ أهمية دور إفريقيا في الأمن الدولي تتصاعد، فأضحت القارة في خطة المواجهة في إستراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب. ففي القرن الإفريقي، أُنشئت قاعدة عسكرية في جيبوتي، وأصبحت منطلقًا للضربات الجوية التي استهدفت بها واشنطن الحركات الجهادية في القرن الإفريقي(20).

تُعَدُّ الحركات المسلحة أبرز المخاطر الأمنية التي تهدد دول الساحل، وتتمثل في التالي:

1- الجماعات الجهادية: يمثل التطرف في منطقة القرن الإفريقي أحد مسبِّبات التصدع الأمني، وبالأخص في الصومال، وذلك يعود إلى أنشطة حركة الشباب الصومالية، الموالية إلى تنظيم القاعدة، فأصبح الصومال بيئة مواتية لاحتضان أنشطة الجماعات المتطرفة بما في ذلك تنظيم داعش الذي أسس فرع الصومال في 2015، عندما أعلن القيادي السابق في حركة الشباب، عبد القادر ومن، وبعض العناصر ولاءهم لتنظيم الدولة الإسلامية(21). شهدت حركة الشباب الصومالية تطورًا متصاعدًا، وذلك بفضل الأموال التي تحصلت عليها، بفرض الضرائب والإتاوات في مناطق سيطرتها فضلًا عن إدارتها للقرصنة البحرية والتعاون الاقتصادي والعسكري مع جماعة الحوثي في اليمن(22).

لذا، فبعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند دولةً مستقلة، وتواجدها في القرن الإفريقي، سيدفع الجماعات الجهادية لاستهدافها وذلك انطلاقًا من المنطلق العقدي، بالإضافة إلى أن حضور تل أبيب في تلك المنطقة سيطوِّق ويحدُّ من تمدد مصالح الجماعات الجهادية في القرن الإفريقي، لذا ستصبح المواجهة حتمية.

2- الصراعات الداخلية في القرن الإفريقي: يشهد بعض دول القرن الإفريقي، كإثيوبيا التي تعيش حالة من عدم الاستقرار على أنقاض حرب تيغراي (2020-2022) بعد أن فشلت مساعي تنفيذ اتفاقية السلام بالشكل المرضي للأطراف المعنية وذلك عقب انشقاق جبهة تحرير التيغراي(23). بالإضافة إلى ذلك، برزت جبهة فانو الأمهرية إلى السطح مجددًا، ويرى بعض القوميين الأمهرا أن الاتفاق بمنزلة تخلٍّ عنهم، بعد أن قررت الحكومة نزع السلاح عن القوات شبه النظامية في مختلف الأقاليم الإثيوبية، وعمدت إلى حمل السلاح ضد الحكومة؛ حيث باتت تنفذ هجمات نوعية على مدن وقرى مجاورة للعاصمة الإثيوبية، أديس أبابا؛ مما يثير مخاوف من احتمالية تمدد نطاق المواجهات العسكرية(24). تمرد فانو الأمهرية سيدفع جماعات مسلحة أخرى نحو التمرد على الدولة بعد أن فشلت السلطات في أديس أبابا في احتواء حركتي فانو والتيغراي، فهناك جماعات من العفر وبني شنقول والأورومو لديها تحفظات بشأن نزع أسلحتها ودمجها في المؤسسة العسكرية والأمنية. وفي حالة الاضطرابات الإقليمية والتحولات الإقليمية المرتبطة بإعادة رسم التوازنات وموازين القوى، سينعكس على تنامي ظاهرة الحركات المسلحة في القرن الإفريقي(25).

تمثل إثيوبيا نموذجًا مركبًا للتفاعل بين الإثنية والسياسة؛ حيث لعبت الانقسامات القومية دورًا حاسمًا في تشكيل الدولة، لذا سيلعب العامل الإثني دورًا مهمًّا في ظل التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي.

مستقبل الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي على ضوء الحرب الراهنة على إيران

تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من المواجهات العسكرية الممتدة بين إيران وحلفائها، كحزب الله اللبناني وبعض الفصائل العراقية من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى. للوهلة الأولى، تبدو منطقة القرن الإفريقي بمعزل عن هذه الحرب وتداعياتها، إلا أن تبعات ذلك تلوح في الأفق سواء كان في نطاق ارتدادات جيوسياسية تتجاوز الشرق الأوسط، لتهدد القرن الإفريقي بمخاطر متعددة(26)، أو بسبب التداعيات الاقتصادية المرتبطة باضطراب تدفقات النفط والغاز، والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، فالمخاطر الأمنية حاضرة من خلال احتمال انتقال المواجهات العسكرية إلى القرن الإفريقي حيث تمتلك الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حضورًا؛ مما يجعل القرن الإفريقي ضمن نطاق العمليات العسكرية لاسيما في حالة استخدام القواعد العسكرية في كل من جيبوتي وهرجيسا(27).  

تحتفظ إيران بأوراق ضغط إستراتيجية من خلال إمكانية إغلاق باب المندب، عبر جماعة أنصار الله الحوثي؛ مما يفاقم العسكرة في البحر الأحمر ويحوِّل القرن الإفريقي الذي يعد أولوية أميركية إلى ساحة استهداف مصالح واشنطن: جماعة الحوثي بدعمهم العقائدي واللوجستي من قبل إيران، وانخراطهم فاعلًا في المواجهات العسكرية مسألة وقت، وفتح جبهة باب المندب وخليج عدن، وهذا يعني أن القواعد العسكرية الأميركية في القرن الإفريقي سيتم استهدافها، أو توظيف حركة الشباب الصومالية للقيام بأعمال عسكرية ضد المصالح الأميركية في القرن الإفريقي(28).

تسعى صوماليلاند للحصول على اعتراف دولي بأنها دولة مستقلة؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، اعترفت إسرائيل بها، وانخرطت تل أبيب وهرجيسا في شراكة إستراتيجية. من الناحية الجغرافية، تقع صوماليلاند عند ملتقى المحيط الهندي بالبحر الأحمر؛ مما يُكسبها أهمية تتجاوز البعد الاقتصادي إلى الجيوبوليتيكا، لذا يُنظر إلى البعد الأمني على أنه الدافع الرئيسي وراء الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند دولة مستقلة. من المتوقع أن تكون صوماليلاند والمصالح الإسرائيلية والإماراتية هدفًا عسكريًّا إذا ما قرر الحوثيون فتح جبهة باب المندب(29).

تدرك إيران أن القرن الإفريقي امتداد إستراتيجي للمصالح الدولية لاسيما المصالح الأميركية والغربية، وبالتالي تمثل المنطقة إحدى الساحات التي يمكن لطهران استهداف مصالح كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية فيها كلما تفاقمت الأوضاع وخرجت عن حدود السيطرة؛ مما يجعلها أداة مهمة تدفع الأسرة الدولية نحو البحث عن وضع حدٍّ للمواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وربما القرن الإفريقي. توسيع نطاق المواجهة ليشمل القرن الإفريقي لا يهدد المصالح الأميركية فحسب بل يمتد ليشمل مصالح بعض القوى الإقليمية والدولية، وبالتالي التداعيات المحتملة لتوسع الحرب في القرن الإفريقي ستفاقم المخاطر الأمنية وما لها من تداعيات على الأمن الإقليمي(30).

السيناريوهات المتوقعة ذات الصلة بالأمن الإقليمي في القرن الإفريقي

هناك عدد من السيناريوهات التي يمكن أن تنجم عن الحرب ستؤثر على القرن الإفريقي، وهي التالية:

السيناريو الأول: الاحتواء العسكري

يتمثل السيناريو الأول في احتمالية الاحتواء العسكري في القرن الإفريقي، رغم التغيير الكبير في القيادة الإيرانية بعد اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي. واختيار نجله خلفًا له قد لا يؤدي بالضرورة إلى تحول جذري في نهج طهران إزاء القرن الإفريقي الذي يعتمد على مقاربة تتسم بشيء من المرونة والردع بدون الحاجة إلى التصعيد المطلق باستهداف البحر الأحمر وتعطيل حركة الملاحة في باب المندب بالرغم من انخراط حركة الحوثي في الحرب الجارية(31). لذا أعتقد أن طهران قادرة على استبعاد ورقة استهداف المصالح الأميركية/الإسرائيلية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لحفظ موازين القوى الإقليمية في المنطقة، ومن المرجح أن تستثمر طهران في تعزيز نفوذها في القرن الإفريقي بما يحقق لها موطئ قدم محدود في اليوم التالي للحرب.

السيناريو الثاني: الحرب الشاملة

يتمثل السيناريو الثاني في اندلاع حرب شاملة تشمل القرن الإفريقي، كمحاولة إيرانية لإرباك المشهد الدولي وتوجيه رسالة للأطراف الدولية من مغبة استمرارية الحرب عليها، وذلك من خلال إغلاق باب المندب في البحر وتوسيع نطاق الحرب ليشمل المصالح الأميركية/الإسرائيلية في القرن الإفريقي وذلك عقب انخراط حركة الحوثي؛ حيث يسهم في نشر الفوضى على نطاق إقليمي أوسع، لذا يظل القرن الإفريقي ورقة مهمة في يد طهران(32).

السيناريو الثالث: الحرب بالوكالة

يتمثل السيناريو الثالث في احتمالية اندلاع حرب بالوكالة ذات صلة بالحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية/إسرائيل، وذلك من خلال توظيف حركة الشباب الصومالية في الصراع الدائر لصالح إيران، وتوسيع دائرة العمليات العسكرية في دول القرن الإفريقي، بتكثيف هجماتها على المصالح الأميركية والإسرائيلية، وهو ما قد يضع الأمن الإقليمي في مأزق حقيقي عبر تحوله إلى ساحة تصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية(33).

خاتمة

تشهد دول القرن الإفريقي حالة من عدم اليقين الجيوسياسي على خلفية حرب الخليج الثالثة؛ حيث لا يمكن النظر إلى الحرب الجارية بوصفها حدثًا معزولًا بعيدًا عن القرن الإفريقي؛ إذ تتصاعد المخاطر الأمنية في باب المندب وخليج عدن، فضلًا عن اضطراب تدفقات الطاقة والسلع الاستهلاكية. يبدو أن كل التداعيات تضع منطقة القرن الإفريقي ضمن دائرة المتأثرين بشكل مباشر بالحرب الجارية، والخطر الأكبر يتمثل في احتمالية انتقال المواجهات العسكرية إلى المنطقة وذلك يعود إلى وجود بعض القواعد والمصالح الأميركية والإسرائيلية، لذا ستمتد ارتدادات الحرب على إيران لتؤثر على الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي.

ABOUT THE AUTHOR

References

- رأفت صلاح الدين، الأهمية الجيوستراتيجية للقرن الإفريقي، مجلة البيان، العدد 378، نوفمبر/تشرين الثاني 2018، (تاريخ الدخول: 21 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/qVdqrwIuVfvzhSel5

2- جلال الدين محمد صالح، القرن الإفريقي.. أهميته الإستراتيجية وصراعاته الداخلية، شبكة الألوكة، يوليو/تموز 2013، (تاريخ الدخول: 21 مارس/آذار 2026)، https://share.google/wXEOs0iuMDPJNnKdi

3- نهلة عصام الدبس، الوجود الخليجي في القرن الإفريقي، أركان للدراسات والبحوث والنشر، 2020، ص 5-6.

4- رأفت صلاح الدين، مصدر سابق.

5- القرن الإفريقي عمقًا إستراتيجيًّا خليجيًّا، سياسات عربية، العدد 62، المجلد 11، مايو/أيار 2023، ص 141.

6- جلال محمد صالح، مصدر سابق.

7- أحمد أبو دقة، البحر الأحمر وخطر تمركز القوى الكبرى، مجلة البيان، العدد 383، مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول: 21 مارس/آذار 2026) https://share.google/CaW1UPAuNLcpNDlvV

8- أيمن سمير، هل تستهدف عسكرة البحر الأحمر النفوذ الصيني في المنطقة؟، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، مارس/آذار 2024 (تاريخ الدخول: 22 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/dIbE8DADEbenr9vBu

9- المصدر نفسه.

10- أميرة محمد عبد الحليم، القواعد العسكرية في البحر الأحمر.. تغير موازين القوى، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، يناير/كانون الثاني 2018 (تاريخ الدخول: 22 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/P9Dkm0ii58rAIsmck

11- أحمد الأغبري، إنشاء قواعد عسكرية في اليمن يهدد بامتداد الحرب وأمن البحر الأحمر، القدس العربي، نوفمبر/تشرين الثاني 2025، (تاريخ الدخول: 23 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/tNLLcGyzISW6Kivsq

12- معتز سلامة، البحر الأحمر.. تعزيز الحاضنة الجيوسياسية والأمنية ضروري لاستقرار الممر الملاحي، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، ديسمبر/كانون الأول 2025 (تاريخ الدخول: 22 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/RF15C4xxmG91kVPEu

13- جاد البستاني-محمد السيد، خريطة الصراع الدولي والإقليمي على القرن الإفريقي في عالم ما بعد الحرب الباردة، المركز الديمقراطي العربي، يونيو/حزيران 2021، (تاريخ الدخول: 23 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/WUUrFvOaj1Yh1fTmn

14- عدنان موسى، التنافس الدولي والتغلغل الإقليمي في القرن الإفريقي، مركز تقدم للسياسات، أكتوبر/تشرين الأول 2018 (تاريخ الدخول: 22 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/M5COQSCJAadE0XOpB

15- المصدر نفسه.

16- عمرو حلمى، القرن الإفريقي وصراع إعادة رسم خرائط القوة والنفوذ، العربية نت، فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 24 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/2aNVMQc7hqySI21Iq

17- عدلي سعداوي، آفاق الاستقرار الأمني في القرن الإفريقي، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، فبراير/شباط 2022، (تاريخ الدخول: 25 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/DOhA0IxHNSUpXCAkP

18- المصدر نفسه.

19- أسماء عادل، القرن الإفريقي 2020: تفاقم النزاعات الداخلية وتحولها إلى أزمات إقليمية، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، فبراير/شباط 2021، (تاريخ الدخول: 25 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/evEajkcNC9PgRTtBE

20- نور طارق جمال الدين، تداعيات الصراعات الحدودية في القرن الإفريقي وتأثيرها على حالة الاستقرار، المركز الديمقراطي العربي، يونيو/حزيران 2023، (تاريخ الدخول: 26 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/zUa3Vxnozwn9PgKgF

21- إيهاب العاشق، صعود الجماعات المسلحة في إفريقيا، أفروبوليسي، يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 27 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/CWDlzv6o4ZNs0ArTS

22- الشافعي ابتدون، ثنائية تهدد أمن دول القرن الإفريقي… الإرهاب والصراعات الداخلية، العربي الجديد، يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 27 مارس/آذار 2026)،

https://bit.ly/3zQWR0C

23- المصدر نفسه.

24- انظر إلى الموضوع:

The container port.17 performance index 2023, world bank ,2024 (visited on: March 2026),

https://bit.ly/3zQWR0C

25- انظر إلى الموضوع:

 Somalia: security situation, European Union Agency for Asylum,2025, (visited on: march 2026).

https://euaa.europa.eu/sites/default/files/publications/2025-06/2025_05_EUAA_COI_Report_Somalia_Security_Situation.pdf

 26- انظر إلى الموضوع:

Spotlight on Africa: Africa faces security worries as Iran conflict spreads , RFI English , march 2026 , (visited 27 march 2026),

https://rfi.my/CXBD

27- انظر إلى الموضوع:

Samur Bhattacharya, USA Israël War on Iran and Rise of Africa pragmatism, Observer Research foundation , mar 3026 ,(visited 27 mar 2026) ,

https://share.google/l4gPNoCKqrrjBMygf

28- أحمد أمل، تأثير حرب إيران في إفريقيا بين الضغوط المباشرة والتحولات الجيوسياسية، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 27 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/8CywPR6ArTBK6XeW9

29- المصدر نفسه.

30- إيهاب العاشق، مصدر سابق.

31- تومي أولاديبو، لماذا قد يصبح القرن الإفريقي الجبهة التالية في الحرب مع إيران، جيسكا، 18 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 28 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/cRbBLougm0ayedDUq

32- محمد عبد الكريم، اليوم التالي للحرب في الشرق الأوسط: ما مستقبل الوجود الإيراني في إفريقيا؟، قراءات إفريقية، 12 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 27 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/BiL0bZeatD6oTj8kO

33- محمد عادل عثمان، بين التوازنات والتحولات البراغماتية: أي مستقبل لإفريقيا بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؟، قراءات إفريقية، 24 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 28 مارس/آذار 2026)،

https://share.google/Om6NQWeQFzg201Vzx