القواعد العسكرية الأجنبية في إفريقيا: بين عسكرة النفوذ وصراع الهيمنة الدولية

يعرض النص كون القواعد العسكرية الأجنبية تمثل استمرارًا للتبعية في إفريقيا، عبر التحكم الأمني والاقتصادي، وتغذية الصراعات، وتحويل القارة إلى ساحة تنافس دولي. كما يحلل أهدافها الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية، ويبرز تحولات النفوذ بين القوى الكبرى، ومستقبل الوجود العسكري في ظل تصاعد التنافس العالمي في إفريقيا.
كان قطاع الطاقة أكثر القطاعات تمرين محاكاة لإنقاذ المصابين في معسكر لومونييه بجيبوتي عام 2006 (رويترز)

مقدمة

"إن استقلال إفريقيا كان شكليًّا؛ إذ تحررت سياسيًّا لكنها بقيت رهينة التبعية الاقتصادية والثقافية للغرب، بفعل مؤسسات مستوردة وحدود مصطنعة غذَّت الانقسامات والصراعات". انطلاقًا من مقولة المفكر الكيني البارز، علي مزروعي (1933-2014)، فإن القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في أصقاع القارة تمثل عودته بأدوات جديدة؛ فهي تجسّد استمرار التبعية عبر التحكم الأمني والعسكري وعن طريق المساعدات المالية، بما يعزز النفوذ الخارجي ويحافظ على البنى التي تُبقي القرار الإفريقي مرتهنًا للغرب، وتبدو تلك القواعد في جوهرها وجودًا طفيفًا ومؤقتًا، لكن في أبعادها الخلفية يعد حملًا ثقيلًا يرمي إلى تحقيق جملة من الأهداف ويترك تداعياته الوخيمة في النسق الاجتماعي الإفريقي، عبر تكريس حكام منتقين غربيًّا لتنفيذ سياسات وأجندات خارجية لنهب الثروات الطبيعية للقارة؛ ما حولها إلى ساحة تنافس دولية منذ نهاية الحرب الباردة.

تعالج هذه الورقة النفوذ العسكري الأجنبي في إفريقيا والسباق المحموم بين قوى عالمية وإقليمية للسيطرة على أهم مرافق ومنافذ إفريقيا، وتتناول الورقة أبعاد وتداعيات وأهداف هذه القواعد وتستكشف مآلات ومستقبل القواعد العسكرية الأجنبية في قارة تعج بتحديات أمنية وكوارث طبيعية وانقلابات لا تنتهي منذ جلاء الاستعمار الأوروبي في الستينات من القرن الماضي.

جغرافيا الفرص والصراع: إفريقيا الجديدة في ميزان القوى العالمية

اتسمت علاقات الدول الإفريقية مع محيطها الخارجي، سيما نظيراتها الأوروبية والأميركية، بالريبة والشكوك، ولم تشهد تطورًا ملحوظًا، وكان يُنظر إليها بوصفها ساحة للتنافس فقط، وتضم بؤر الحروب الأهلية والأنظمة السياسية الفاشلة والمستبدة، لكن الكثير من المؤشرات تغير منذ مطلع الألفية الجديدة، وتحولت من قارة مهمشة إلى قارة جاذبة للاستثمارات الخارجية تحتضن أكبر تجمع للدول النامية في العالم، ذات الأسواق المتعطشة للاستثمارات، والنمو السكاني الأسرع عالميًّا، والثروات الهائلة، والحكومات المفتقرة لأدوات فرض الأمن والاستقرار وتحديث البنى التحتية وتوفير الخدمات الأساسية. يضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي لإفريقيا، والذي جعل منها قارة ذات أهمية إستراتيجية خاصة؛ حيث تحتوي على مضايق مهمة ورئيسة في طرق الملاحة الدولية، وهي ثاني أكبر القارات مساحة وامتدادًا جغرافيًّا(1).

ويمكن ملاحظة تسابق هذا النفوذ الأجنبي في الفترة الراهنة نحو بعض الأقطار الإفريقية، من خلال المنافسة التي تشتد على بعض الجيوب الإفريقية، وهي:

* منطقة القرن الإفريقي: تشهد هذه المنطقة منافسة شرسة بين القوى التقليدية والصاعدة، خاصة بعد بروز النفوذ التركي في المنطقة، وتزايد سباق إقامة القواعد العسكرية في كل من جيبوتي ومعسكرات التدريب في الصومال، وتكمن أهميته في موقعه الجغرافي الرابط بين إفريقيا وآسيا، وكونه ساحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، من الولايات المتحدة إلى الصين وروسيا ودول الخليج. كما أن هشاشة بعض دولها، وتداخل النزاعات الداخلية مع التنافس الدولي، يجعلان منه بؤرة اهتمام أمني مستمرة، سواء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب أو حماية خطوط الملاحة أو إدارة الأزمات الإنسانية.

* منطقة الساحل الإفريقي: أدارت دول الساحل ظهرها للوجود الفرنسي والأميركي واستبدلت بهما ببطء النفوذ الروسي، وأقامت شراكات أمنية معها، وتمثل هذه الدول حزامًا انتقاليًّا بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء. هذه المنطقة تحولت خلال العقد الأخير إلى مركز قلق دولي بسبب تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، والانقلابات العسكرية المتكررة، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي مقابل تمدد فاعلين جدد. إضافة إلى البعد الأمني، تتمتع المنطقة بأهمية اقتصادية بسبب ثرواتها الطبيعية، لاسيما اليورانيوم والذهب والموارد الزراعية، فضلًا عن موقعها معبرًا رئيسيًّا للهجرة غير النظامية نحو أوروبا. لذلك أصبحت ساحة لإعادة تموضع إستراتيجي للقوى الكبرى، وسط تنافس على الشراكات الأمنية والاقتصادية.

* منطقة خليج غينيا وغرب إفريقيا الساحلية: وتضم دولًا مثل نيجيريا وغانا وساحل العاج والسنغال وبنين وتوغو. وأهمية هذه المنطقة تنبع من ثقلها الاقتصادي والديمغرافي؛ إذ تضم أكبر اقتصاد في إفريقيا (نيجيريا)، كما تشكل مركزًا لإنتاج النفط والغاز في القارة. وتشهد المنطقة كذلك تحديات أمنية متصاعدة، مع انتقال بعض تهديدات الساحل جنوبًا نحو الدول الساحلية؛ ما يرفع من مستوى القلق الدولي بشأن استقرارها. إلى جانب ذلك، تمثل موانئ خليج غينيا منافذ بحرية رئيسية للتجارة الإقليمية والعالمية؛ ما يمنحها بُعدًا إستراتيجيًّا متناميًا في ظل التحولات في سلاسل الإمداد العالمية(2).

وترتكز السياسة الخارجية الأميركية تجاه إفريقيا على مبدأ عسكرة حضورها من خلال مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات والمضائق المائية، انطلاقًا من فلسفة مفادها أن التنمية والاستثمار الآمن المستدامين تسبقهما بيئة آمنة ومستقرة، ولهذا فإن واشنطن اتجهت نحو العسكرة في تركيزها على مكافحة الإرهاب وتأمين إمدادات الطاقة، تجسيدًا للجمع بين التوجهات الأمنية والاقتصادية لسياسة القوة العظمى في القارة، وذلك على خلفية السعي لخلق بيئة آمنة للمستثمرين الأميركيين. وتعتمد الولايات المتحدة في سيطرتها العسكرية على إفريقيا على قوات جناحها العسكري المعروف بـ"القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا" (أفريكوم)(3)، وعلى قواعدها العسكرية المتوسعة بالقارة، وهي لا تستهدف حماية وضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية فحسب، وإنما تريد أيضًا مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتنامي بالقارة، وكبح وصول القوى الدولية الأخرى إلى هذه الموارد. وتحاول الولايات المتحدة تمويه رغبتها بالهيمنة على إفريقيا وعلى مقدَّراتها بمزاعم تعزيز الديمقراطية في القارة من خلال منظور يقوم على نهج شامل يدمج المخاوف التقليدية المرتبطة بالإرهاب وإمدادات النفط بمجموعة واسعة من الانشغالات في إطار ما يسمى الأمن الجديد كالاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات، والأمراض، وانتهاكات حقوق الإنسان(4).

أما أوروبيًّا، فموازاة الإستراتيجية الأميركية التي يلفُّها غطاء عسكرة النفوذ، فإن الوجود الأوروبي لا يبتعد كثيرًا عن هذه الإستراتيجية، فالتدخلات الغربية ذات الدوافع الإنسانية أو التنموية تربطها هذه من خلال عدسات خطابات ما بعد الاستعمار، وبالتالي، حُدِّد التدخل الخارجي المتزايد في إفريقيا مثالًا على مساوئ ربط الأمن والتنمية. وبالرغم من أن القارة وعبر قممها الأخيرة وصفت بعض ممارسات المستعمر الأوروبي بأنها ترقى إلى مستوى الجريمة والإبادة الجماعية، وتدفع راهنًا باتجاه البحث عن تعويضات لضحايا هذه الحقبة(5).

وتبدو المقاربة الروسية والصينية مختلفة عن التوجهات الغربية والأميركية تجاه إفريقيا، ورغم أن بيجين تحتفظ بنفوذ أوسع مع دول القارة مقارنة بموسكو، فإن سياساتها الخارجية ترتكز على مبدأ سياسة "عدم التدخل" في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية، وتُبدي حرصها الشديد على حماية مصالحها الاقتصادية، دون أن تضع أدنى اعتبار لمسألة حقوق الإنسان والحريات وشكل الأنظمة -مستبدة أم ديمقراطية-، ولهذا فإن مقاربتها تبدو ناجحة لكنها تفتقر إلى رؤية وإستراتيجية ثاقبة مستقبلية تنطلق من رؤية أن الاستقرار السياسي والأمن المستتب عاملان لا ينفكان عن بعضهما البعض وشرط نجاح الاستثمار الخارجي؛ فالمخاطرة في بيئات غير مستقرة في نواحٍ عديدة في إفريقيا لا تضمن عوائد مالية جيدة بقدر ما هي محمَّلة بخسائر مالية مضاعفة. ولهذا فإن دبلوماسية الاقتصاد الصينية وتعاطيها مع الملفات الإفريقية من منظور اقتصادي بحت لا يمكن مقارنتها بخصومها في القارة رغم تفوقها في التغلغل في الدول الإفريقية عبر القروض والتنمية ومن الاستثمار وتدشين مناطق اقتصادية حرة، وهي تجربة شهدت نجاحًا باهرًا بعد تطبيقها في دول إفريقية عدة(6).

من الموانئ إلى العمق: إرث الاستعمار في تموضع القواعد العسكرية بإفريقيا

تتركز القواعد الأجنبية على بعض الدول الإفريقية بكثافة أكثر من غيرها، وتنتشر خاصة في الممرات المائية والسواحل الإفريقية ذات الأهمية الجيوسياسية، وهي سياسة قديمة انتهجها المستعمر الأوروبي في السيطرة على الموارد الإفريقية، والتي كانت تبدأ عادة من الرسو في الموانئ والمرافئ الصغيرة ومن ثم الانتشار تدريجيًّا نحو العمق الإفريقي.

ويمكن حصر أهم المناطق والدول التي احتضنت القواعد الأجنبية في البندين التاليين:

* القرن الإفريقي وشرق إفريقيا: تُعد منطقة القرن الإفريقي، وبشكل خاص جيبوتي، المنطقة الأكثر عسكرة في القارة نظرًا لموقعها الإستراتيجي الملاصق لمضيق باب المندب؛ إذ تتحكم جيبوتي في هذا الممر بنسبة 60 في المئة، والذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية والنفط. وتستضيف جيبوتي قواعد عسكرية لنحو تسع دول مختلفة؛ مما يجعلها حالة فريدة في العلاقات الدولية. وتستضيف كينيا قاعدة "مندا باي" (Manda Bay) الأميركية، وتشهد القاعدة عملية توسعة وتطوير ضخمة بتكلفة 70 مليون دولار يُتوقع الانتهاء منها في غضون 2026؛ مما يعكس الأهمية المتزايدة لكينيا شريكًا إستراتيجيًّا لواشنطن في شرق إفريقيا(7). أما في الصومال، فتركيا لديها "معسكر تركسوم" في مقديشو، الذي شيَّدته عام 2017 بتكلفة قدرها 70 مليون دولار أميركي(8)، وهو أكبر قاعدة تدريب عسكرية تركية خارج الأناضول؛ حيث يتم تدريب وحدات الجيش الصومالي (غورغور)، وخرَّجت حتى الآن -وفق تقديرات حكومية- أكثر من 10 آلاف جندي صومالي، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة تحتفظ بنفوذ عسكري عبر قواعد ومنشآت في بوصاصو (بونت لاند) قبل أن تلغي الحكومة الفيدرالية كافة الاتفاقيات الأمنية مطلع العام الجاري (2026) نتيجة خلافات تتعلق بالسيادة والتدخل الخارجي(9). كذلك استضافت إريتريا -وتحديدًا في مينائها عصب- كلًّا من الإمارات والسعودية قاعدةً لوجستيةً وعسكريةً رئيسية خلال عاصفة الحزم في اليمن. وكذلك في إريتريا، فنشطت فيها إسرائيل وتحديدًا في جزر أرخبيل دهلك الإريترية -تحديدًا جزر "ديسي" و"دهوم" و"شومي"- وفي مدينة مصوع الساحلية، إلى جانب محطة تنصت أعلى جبل إما سويرا. وفي السودان، ثمة تفاهمات واتفاقيات بين القيادة السودانية مع كلٍّ من روسيا وتركيا لإنشاء قواعد عسكرية بحرية في جزيرة سواكن وميناء بورتسودان، إلا أن تلك الاتفاقات تبدو معلقة حتى الآن ولم تجد طريقها إلى التنفيذ(10).

ويوضح الجدول التالي خارطة انتشار القواعد العسكرية الأجنبية المتمثلة في مراكز تدريب وقواعد عسكرية دائمة في منطقة القرن الإفريقي وشرق القارة.

الدولة المالكة

الدولة المضيفة

اسم القاعدة/تاريخ التأسيس

عدد القوات

المنشأة التكلفة السنوية/بيانات مالية

ملاحظات إضافية

الولايات المتحدة

جيبوتي

معسكر ليمونييه (Camp Lemonnier)/2002

4000 جندي

غير محددة (عقود إيجار طويلة الأمد)

القاعدة الأميركية الدائمة الوحيدة في إفريقيا، مقر قوة العمل المشتركة في القرن الإفريقي.

الصين

جيبوتي

قاعدة الدعم اللوجستي (جيش التحرير الشعبي)/2017

1000 جندي

20  مليون دولار (إيجار)

المساحة: 36 هكتارًا. أول قاعدة خارجية للصين، مجهزة بميناء بحري.

فرنسا

جيبوتي

القاعدة الجوية 188 وقاعدة بحرية/1969

1.450 جنديًّا

36  مليون دولار (إيجار)

أقدم وجود عسكري، تم تقليصه مؤخرًا.

اليابان

جيبوتي

قاعدة قوة الدفاع الذاتي

180 جنديًّا

40  مليون دولار (تكلفة البناء) و3.4 ملايين دولار مبلغ إيجار للقاعدة.

المساحة: 15 هكتارًا. أول قاعدة لليابان خارج بلادها منذ الحرب العالمية الثانية.

إيطاليا

جيبوتي

قاعدة الدعم الوطنية

80 جنديًّا

2.6  مليون دولار (إيجار)

قاعدة لوجستية لدعم العمليات البحرية ومكافحة القرصنة.

الاتحاد الأوروبي

جيبوتي

منشآت دعم وتواجد/2014

متفاوت

3 ملايين دولار

تشمل قوات ألمانية (30-80 جنديًّا)، وتواجدًا إسبانيًّا.

تركيا

الصومال

معسكر تركسوم جنوب مقديشو/2017

300 جندي

منشأة تدريب قُدِّرت تكلفة بنائها بنحو 50 مليون دولار أميركي

تتضمن مرافق تدريب ودراسة وعنابر نوم إلى جانب ساحات للرماية.

الاتحاد الإفريقي

الصومال

معسكر حلني (مطار مقديشو)/2007

200 جندي أوغندي

مراكز تدريب وإدارية 

--

* الساحل وغرب إفريقيا: شهدت منطقة الساحل وغرب إفريقيا -ولا تزال- أكبر عملية إعادة تشكيل للنفوذ العسكري منذ الاستقلال، وتتميز بانسحاب القوى الغربية التقليدية وصعود بدائل شرقية، ففي خارطة الانسحاب الفرنسي الكامل من المنطقة على نحو تدريجي، أنهت باريس حقبة عسكرية استمرت 65 عامًا بإغلاق آخر قواعدها الدائمة في السنغال، في يوليو/تموز 2025، وذلك بعد إغلاق قواعدها وسحب قواتها من مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر تباعًا. وكذلك أيضًا الانسحاب الأميركي؛ حيث أغلقت واشنطن قاعدتيها الجويتين الإستراتيجيتين للطائرات المسيرة في النيجر (القاعدة 101 والقاعدة 201)، في عام 2024(11)؛ مما أحدث فجوة في قدرات الاستطلاع والمراقبة الغربية. وفي المقابل، جاء الصعود الروسي، ليملأ الفراغ الأمني عبر "الفيلق الروسي الإفريقي" (خليفة مجموعة فاغنر)؛ حيث ينتشر عناصرها بشكل مكثف في مالي وبوركينا فاسو والنيجر لتقديم الدعم الأمني وحماية الأنظمة الحاكمة(12)، وتبدو الترتيبات الإقليمية وكأنها تشكَّلت، سيما في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ببروز تكتل إفريقي جديد يُعرف بـ"تحالف دول الساحل"، وأعلنت عن تشكيل قوة عسكرية مشتركة قوامها 5 آلاف جندي لمكافحة الإرهاب بعيدًا عن التدخلات الغربية(13).

ورغم التراجعات والانسحابات المتتالية في ظرف أعوام قليلة من دول الساحل، إلا أن الولايات المتحدة تعد اللاعب الأكبر من حيث الانتشار. وتشير التقديرات إلى وجود 29-36 قاعدة وموقعًا عسكريًّا (بين دائم ومؤقت) موزعة على 24 دولة إفريقية. وتنفذ القوات الأميركية حوالي 3.500 مهمة عسكرية سنويًّا (بمعدل 10 مهام يوميًّا)، وتتجه إستراتيجيتها حاليًّا نحو تعزيز التواجد في السواحل الغربية (مثل بنين وغانا) وشرق إفريقيا (كينيا والصومال) لتعويض الخسائر في النيجر. وينتشر الوجود العسكري الأميركي في كلٍّ من معسكر ليمونييه (جيبوتي): القاعدة الدائمة الوحيدة، 2.000-4.000 جندي، ومندا باي (كينيا): قاعدة بحرية وجوية، ومعسكر بلدوغلي جنوب مقديشو الذي يحتضن نحو عشرات من المدرِّبين الأميركيين، وغاروا (الكاميرون): قاعدة طائرات بدون طيار، وجزيرة سيشل التي تضم قاعدة طائرات استطلاع.

دوافع القواعد الأجنبية في إفريقيا: تداخل الأمن بالاقتصاد والجيوسياسة

تتباين الأهداف وتختلف الأجندات بين الدول والتكتلات الطامعة لتدشين قواعد عسكرية جديدة أو توسيع قواعدها وتطويرها في إفريقيا، وتتداخل فيها الأهداف الأمنية والاقتصادية والجيوستراتيجية، ويمكن تحديد تلك الأهداف في الآتي:

أولًا: الأهداف الأمنية

تمثِّل الأهداف الأمنية الذريعة الرسمية الأبرز للوجود العسكري الأجنبي في القارة، وتشمل:

1. مكافحة الإرهاب ودعم الجيوش: تُشكِّل مكافحة الإرهاب المبرر الأكثر تكرارًا في خطاب الدول الغربية؛ إذ تسعى إلى تأهيل الجيوش المحلية وتدريبها على مواجهة التنظيمات المسلحة كحركة الشباب وبوكو حرام وتنظيم داعش. وهي حملة استمرت منذ عام 2001، دون أن تقدر هذه التحالفات التي صاغت مبررات وجودها في الوجود العسكري في إفريقيا على القضاء على ما يسمى بـ"الإرهاب"؛ إذ تشير الأبحاث الميدانية إلى نتائج مختلفة، وأثبتت هذه التدخلات محدودية هذا النهج وعدم نجاعته، فقد ارتفعت ضحايا العمليات الإرهابية في مقديشو بنسبة 23% عام 2022، وكذلك انفرط عقد التيارات المسلحة في غرب إفريقيا، ولا تزال المعركة ضد داعش غير فعَّالة ولم تنجح بعد(15).

2. التصدي للقرصنة وتأمين الملاحة: يتمركز هذا الهدف بصورة رئيسية في منطقة القرن الإفريقي المطلة على خليج عدن والمحيط الهندي؛ حيث تُشكِّل القرصنة تهديدًا مباشرًا لحركة التجارة العالمية. وقد أسبغ هذا الهدف شرعية دولية على القواعد العسكرية، وخاصة القاعدة الصينية في جيبوتي التي قدَّمت وجودها بوصفه إسهامًا في جهود مكافحة القرصنة(16).

3. مواجهة الهجرة غير الشرعية: يبرز هذا الهدف لدى الدول الأوروبية تحديدًا؛ إذ تسعى إلى ضبط الحدود والحدِّ من تدفق المهاجرين، وهو ما يُفسِّر الاهتمام الأوروبي المتزايد بمنطقة الساحل والقرن الإفريقي. وقد دفعت موجات الهجرة إلى جعل القارة الإفريقية أولوية أمنية أوروبية بامتياز، وتشير أبحاث أوروبية إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تبنَّت مقاربات مختلفة لكنها تتقاطع في "أمننة الهجرة"، أي إدراجها ضمن أولويات الأمن والدفاع. ويشمل ذلك تعزيز الرقابة على الحدود، وتطوير التعاون الاستخباراتي، والاعتماد على أدوات عسكرية وشبه عسكرية أحيانًا. كما تُبرز الدراسة دور السياسات الخارجية، خاصة من خلال نقل إدارة الهجرة إلى دول الجوار، بما في ذلك دول شمال إفريقيا والساحل. وأدى هذا التوجه إلى توسيع مفهوم الأمن ليشمل قضايا غير تقليدية مثل الهجرة، لكنه في المقابل يطرح تحديات تتعلق بالتوازن بين الأمن وحقوق الإنسان(17).

ثانيًا: الأهداف الجيوستراتيجية

تعكس الأهداف الجيوستراتيجية الأبعاد الأعمق والأكثر تعقيدًا للتنافس الدولي على إفريقيا، وتتجلى في:

1. إثبات الحضور الجيوسياسي: يتجاوز الوجود العسكري الأجنبي في إفريقيا الأهداف الأمنية المُعلنة ليعكس صراعًا على الهيمنة والنفوذ الإقليمي. فالدول الكبرى تتسابق على بسط نفوذها في مناطق ذات ثقل إستراتيجي، لاسيما في حوض البحر الأحمر، وخليج غينيا، والقرن الإفريقي.

2. حماية الشراكات الإقليمية: توظِّف الدول الكبرى قواعدها العسكرية أداةً لتوطيد علاقاتها مع الحكومات الإفريقية وكسب تأييدها في المحافل الدولية كالأمم المتحدة. وقد باتت هذه الشراكات ورقة ضغط في الصراعات الدبلوماسية المتعلقة بالتصويت على القرارات الأممية.

3. منافسة القوى الدولية وموازنتها: تتصاعد حدَّة التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ في القارة. وقد أفضى هذا التنافس إلى ما يشبه "حرب القواعد"؛ حيث يُقابَل كل توسع لقوةٍ ما بردِّ فعل من القوى المنافسة. ويأتي هذا السباق المحموم بين الشرق والغرب ضمن التنافس على الزعامة العالمية بين أميركا والصين وروسيا في غمار الاستقطاب عالميًّا، وبما أن الصين حققت امتيازات من حيث حجم التجارة، لكنها تعاني تراجعًا في منحاها الديمغرافي، بينما تتفوق أميركا في الجانب العسكري وحتى في القوة الناعمة، مع تراجع صورة الصين في الغرب، أما روسيا فلا تزال تواجه تحديات جسيمة فيما يخص الحرب الأوكرانية وكلفتها الاقتصادية والعواقب الخارجية المفروضة عليها(18).

4. الدعم اللوجستي للعمليات: تُشكِّل القواعد العسكرية في إفريقيا نقاط ارتكاز حيوية لإدارة العمليات العسكرية في المنطقة وما يتاخمها. فقاعدة كامب ليمونييه الأميركية في جيبوتي، على سبيل المثال، تُدير عمليات إقليمية في شرق إفريقيا والجزيرة العربية معًا.

5. إعادة رسم توازنات القوى: تُسهم خريطة توزيع القواعد العسكرية في إعادة تشكيل موازين القوى في القارة. وقد أفضى الانسحاب الفرنسي من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، واستبدال النفوذ الروسي به، إلى تحولات جوهرية في بنية النظام الإقليمي الإفريقي.

ثالثًا: الأهداف الاقتصادية

تقبع خلف الخطاب الأمني والسياسي أهدافٌ اقتصادية باتت محركًا رئيسيًّا للتنافس على الوجود العسكري في إفريقيا:

1. السيطرة على الموارد والطاقة: تزخر إفريقيا جنوب الصحراء بثروات طبيعية هائلة من نفط وغاز ومعادن نادرة، وتسعى القوى الكبرى إلى تأمين حصصها من هذه الموارد. وتمثل القارة حوالي 20% من مساحة اليابسة في العالم، ويقطنها نحو 15% من سكان الأرض، كما تُعد خزانًا إستراتيجيًّا عالميًّا للموارد الطبيعية والمواد الأولية والأحجار النفيسة. وتحتوي القارة على نحو 10% من احتياطيات النفط العالمية و8% من احتياطيات الغاز، مع احتمال ارتفاع هذه النسب نتيجة الاكتشافات الحالية والمستقبلية، كما تضم 90% من مخزون الكروم والبلاتين العالمي. إضافة إلى ذلك، تحوي القارة نحو 65% من الأراضي الصالحة للزراعة و10% من مصادر المياه العذبة المتجددة؛ ما يجعلها محورًا مهمًّا للموارد والغذاء والموقع الجيوسياسي العالمي. وتكشف خريطة القواعد العسكرية الأميركية عن تمركزها في محيط خليج غينيا الغني بالنفط، فضلًا عن مناطق استخراج المعادن النادرة(19).

2. تأمين الممرات البحرية: تتمحور أهمية القرن الإفريقي وخليج غينيا حول كونهما ممرين حيويين لحركة التجارة العالمية. وتسعى القوى الكبرى إلى السيطرة على هذه الممرات لضمان تدفق صادراتها وإمداداتها دون انقطاع؛ مما يجعل هذه المناطق ساحةً للتنافس الإستراتيجي بامتياز.

3. تأمين التنقيب عن المعادن النادرة: باتت المعادن النادرة المحرك الأبرز للتنافس الدولي في القارة الإفريقية، في ظل الطلب المتزايد عليها في صناعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة. وتُوظَّف القواعد العسكرية لتأمين عمليات التنقيب والاستخراج وضمان استمرارية تدفق هذه المعادن.

من الشراكة إلى التنافس: تحولات إستراتيجيات القوى الكبرى في إفريقيا

تتباين مناهج القوى الكبرى في توظيف قواعدها العسكرية، فمثلًا تنتهج واشنطن إستراتيجية متعددة الأذرع تجمع بين مكافحة الإرهاب وتأمين الموارد وموازنة النفوذين، الروسي والصيني. وقد أضحت إفريقيا أولوية على أجندة الإدارات الأميركية المتعاقبة. ويلفت الباحثون إلى حالة غموض تكتنف طبيعة القواعد الأميركية في القارة؛ مما يُصعِّب التقييم الدقيق لأهدافها الفعلية. لكن الحضور الباهت أحيانًا وعدم وجود شراكات حقيقية بين الدول الإفريقية والقوى التقليدية يضع تلك الشراكة تحت تأثير المتغيرات الجيوسياسية، ففرنسا شهدت تراجعًا تاريخيًّا غير مسبوق في نفوذها الإفريقي. وقد اضطرت إلى الانسحاب من مالي وإفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو في خضم موجة واسعة من الرفض الشعبي. وتعكس هذه التحولات إعادة رسم للتوازنات الإقليمية على حساب النفوذ الفرنسي التقليدي.

في المقابل، تنتهج الصين نهجًا براغماتيًّا يدمج الحضور العسكري في منظومة شراكاتها الاقتصادية الواسعة (مبادرة الحزام والطريق). وقد نجحت الصين في تصوير وجودها العسكري بوصفه إسهامًا في مكافحة القرصنة. ومع ذلك، تُنذر قاعدتها في جيبوتي -القادرة على استيعاب حاملات طائرات- بتحولات إستراتيجية بعيدة المدى. كذلك تعتمد موسكو اعتمادًا رئيسيًّا على مجموعة مسلحة عسكرية غير نظامية لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري، موظفة إياها لتأمين الأنشطة الاقتصادية، ولاسيما استخراج المعادن. ويُلاحظ الباحثون أن موسكو استثمرت في الفراغ الذي خلَّفه الانسحاب الفرنسي، مُقدمةً نفسها بديلًا مقبولًا للحكومات الإفريقية، وإن كان انشغالها في حرب أوكرانيا قد يُؤخِّر خططها.

ورغم تعدد الأهداف المُعلنة والخطاب الرسمي الإيجابي، ثمة ما يشير إلى أن الانتشار العسكري الأجنبي في إفريقيا جنوب الصحراء لم يُحقق استقرارًا حقيقيًّا للشعوب الإفريقية بل أسهم في إقحام هذه الدول في دوامة التنافسات الإقليمية والدولية دون مراعاة مصالحها الأصيلة. ويُشير الخبراء إلى أن الأهداف الاقتصادية والجيوستراتيجية هي المحرك الفعلي للوجود العسكري، في حين يظل الخطاب الأمني واجهةً تُضفي شرعيةً على ما هو في جوهره صراعٌ على الهيمنة والموارد. ويبدو أن المشهد في طريقه إلى مزيد من التعقيد في ظل صعود قوى جديدة وتراجع أخرى؛ مما يُنذر بمرحلة من إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في القارة الإفريقية.

إفريقيا بين الشراكة الأمنية ومخاطر التبعية الإستراتيجية

قال الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، في خطابه بالإسكندرية بميدان المنشية بعد عودته من يوغوسلافيا، 23 يونيو/حزيران 1960: إن "القواعد العسكرية الأجنبية ليست وسيلة لتحقيق السلام والأمن. وإذا نظرنا إلى واقعنا نجد الدليل الواضح على ذلك، ففي سنة 1956 هوجمنا من قواعد بريطانية في قبرص ومالطا، فهذه القواعد التي احتلَّتها بريطانيا لم تُنشأ من أجل السلام كما زعموا، بل استُخدمت لأغراض العدوان". انطلاقًا من هذه المقولة، تثير القواعد العسكرية الأجنبية الدائمة والمؤقتة ردود فعل متباينة بالنسبة للفكر الجمعي للأفارقة على المستويين الرسمي والشعبي، وتظل مثار جدل مشروع حول أهدافها الحقيقية وما تتضمنه من أجندات دولية للقوى العظمى على حساب مصالح وسيادة الدول المستضيفة للقواعد الأجنبية، إلى جانب أدوارها التقليدية في توفير غطاء سياسي للقيادات الإفريقية وتدريبات عسكرية للجنود ودفع مبالغ مالية في مقابل استئجار تلك القواعد، كشراكة أمنية، برغم أن الكثير منها يشير إلى شكل جديد من الهيمنة؛ مما يستدعي من الدول الإفريقية مراجعة خياراتها الأمنية والعمل على تعزيز وحدتها وقدرتها الذاتية في مواجهة التحديات التي تواجهها القارة في ظل التنافس الدولي عليها(20).

لم يعد خافيًا أن النفوذ الأجنبي في إفريقيا أخذ أشكالًا وأبعادًا مختلفة منذ نهاية الحرب الباردة، وإن كانت القواعد العسكرية والشراكات الأمنية (الصفقات الدفاعية والأمنية) أحد أهم الثغرات وقنوات التسلل الخلفية إلى الدول الإفريقية من قبل القوى الصاعدة والتقليدية، إلا أن هذا النفوذ الآخذ في الاتساع يخلق فجوة كبيرة بين الشعوب الإفريقية وقياداتها سواء الديكتاتورية أو الديمقراطية؛ ما يمثل خرقًا للدستور يتعارض مع التوجهات الداخلية والخارجية للدول الإفريقية، فمثلًا تُعد جيبوتي واحدة من أكثر الدول الإفريقية احتضانًا للقواعد الأجنبية، إلا أنها تواجه مشكلة موازنة الحضور العسكري الأجنبي المنتشر في موانئها، خاصة الصين والولايات المتحدة، وهو تحدٍّ برز في أعقاب الحرب على غزة 2023، وذلك بعد أن طلبت الولايات المتحدة، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي (2023)، من جيبوتي السماحَ بشنِّ هجماتٍ على الحوثيين في صنعاء من أراضي جيبوتي، لكن الأخيرة رفضت، وقال رئيس الوزراء الجيبوتي، عبد القادر كامل محمد: إن الولايات المتحدة تريد بعد بدء الهجمات الصاروخية الحوثية في أكتوبر، الاستئذان لإجراء عمليات ضد الجماعة من داخل قاعدتها البحرية في جيبوتي، وقالت الحكومة: "لا". وأضاف: "كان الأمر واضحًا جدًّا منذ البداية، لا نريد أن ندخل في حرب". وتابع: "الولايات المتحدة موجودة هناك وقد قلنا لهم: كونوا حذرين، لا تجلبوا الحرب إلى هنا"(21). ويكشف هذا الخطاب مدى تضارب المصالح بين واشنطن وجيبوتي، وكثيرًا ما يُعاب على النفوذ الأجنبي أنه يمس جسَّ نبض السيادة والاستقلال للشعوب الإفريقية، ومثال ذلك أيضًا ما فعلته الإمارات العربية المتحدة في الصومال، والتي كانت تدير معسكرًا للتدريب في مدينة بوصاصو قبل أن تضطر الحكومة الفيدرالية إلى سحب اتفاقياتها الأمنية مع الإمارات، التي اتخذت من قاعدة بوصاصو محطة عبور لنقل المرتزقة الكولومبيين إلى السودان وتشاد(22). وعبَّر وزير الدفاع الصومالي، أحمد معلم فقي، عن رفضه القاطع لهذه الخطوة، معتبرًا التدخل العسكري الأجنبي أداة لنهب ثروات الصومال، سيما المعادن والثروات الطبيعية، من خلال استغلال هشاشة نظام الدولة في الصومال والانقسامات العشائرية فيها. وأوضح قائلًا إن بلاده لن تتهاون مع أي طرف ينتهك سيادتها أو يتجاوز حدود احترامها، مؤكدًا أن قرار إنهاء جميع الاتفاقيات مع دولة الإمارات مؤخرًا جاء بعد "خروقات تمس السيادة الصومالية"، وأن القواعد العسكرية في بلاده يجب أن تخضع لـ"الإشراف الكامل للحكومة الصومالية" وتُبنى على "الاحترام الكامل لسيادة بلاده"(23).

وعلى الرغم من أن وجود القواعد العسكرية الأجنبية على أراضي دولةٍ ما يُعد، في الغالب، مشروعًا من الناحية القانونية استنادًا إلى الاتفاقيات المبرمة بين الدولتين، غير أن هذا الوجود يخلِّف آثارًا واضحة على مبدأ السيادة، سواء من خلال انتهاك مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، أو من خلال المساس بحقوق الإنسان نتيجة الامتيازات الممنوحة لتلك القوات، أو بسبب ممارستها لأعمال عسكرية تتجاوز النطاق المحدد قانونًا لوجودها. وتختلف أجندات الدول التي لديها قواعد عسكرية في الدول الإفريقية، فبعضها يتدخل في الشأن الداخلي تحت تبرير حماية الحقوق وحريات التعبير والانتقال الديمقراطي، بينما في المقابل تمارس دول أخرى مثل الصين مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهنا فإن مبدأ السيادة وعدم التدخل في السياسات الداخلية للدول الإفريقية يتجلى في المنظور السياسي الخارجي للدول الأجنبية؛ ما يثبت مدى اختلاف الأهداف والرؤى في إقامة القواعد العسكرية الأجنبية في القارة ما بين دوافع أمنية وهواجس اقتصادية في أغلب الأحيان.

ديناميات النفوذ العسكري في إفريقيا: بين تراجع الغرب وصعود البدائل

تتجه مآلات النفوذ العسكري الأجنبي في إفريقيا المتمثل في الاتفاقيات الدفاعية والأمنية وعبر الحضور العسكري من خلال مراكز وقواعد عسكرية دائمة أو مؤقتة نحو عملية تجديد الشراكات الأمنية بصيغة مختلفة أكثر ديناميكية من خلال صياغة أهداف جديدة للمشاركة الفعلية بين الدول المضيفة والأخرى التي لديها قواعد عسكرية أو مصالح أمنية، وهو ما يتطلب براغماتية حذرة في المواءمة والتوافق بين مصالح الدول الإفريقية والأجنبية ومراعاة شروط كل من الدول، وهو ما يضع مستقبل القواعد العسكرية الأجنبية في إطار مجموعة من الاحتمالات تتمثل في الآتي:

1. تراجع النفوذ العسكري الكلاسيكي: من المحتمل أن تشهد علاقات الدول الإفريقية مع العديد من القوى الإمبريالية تراجعًا حادًّا فيما يتعلق بالعلاقات الأمنية والشراكات الدفاعية، خاصة بعد طرد فرنسا من دول عدة في غرب إفريقيا، وانسحاب الولايات المتحدة الأميركية من بعض قواعدها في تلك المنطقة، وهو مآل يمكن أن يتمدد ليشمل دولًا أخرى، فالولايات المتحدة الأميركية -وعبر إستراتيجياتها الأمنية الجديدة لعام 2026- تريد تحويل الشراكات الأمنية والدعم الإنساني إلى التعاون الاقتصادي، وهو ما دفعها إلى وقف عمل الوكالة الأميركية للتنمية في إفريقيا؛ ما يعني بداية عملية تقييم النفوذ الأميركي الناعم في القارة، والتي تجاوزت عتبة مئة مليار دولار أميركي عام 2020، وهو ما يمكن أن يمهد الطريق لانسحابات متتالية في بعض الأقطار الإفريقية في ظل إدارة دونالد ترامب.

2. تنامي حضور القوى الصاعدة: لا شك أن قوى غير تقليدية صاعدة إفريقيًّا قوي شأنها في المجال الإفريقي بحكم علاقاتها الوطيدة مع دول القارة، فروسيا تعزز حضورها عبر دعم عسكري مباشر في كل من دول الساحل (النيجر، مالي، بوركينا فاسو)، بينما تركز الصين على الاستثمار في الموانئ (مثل غينيا الاستوائية) والشركات الأمنية الخاصة لحماية مصالحها الاقتصادية، وكذلك تركيا التي لديها أكبر قاعدة عسكرية خارج الأناضول من أجل حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية؛ إذ تنخرط حاليًّا في جهود الاستكشاف والتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية الصومالية، ويمكن أن يلعب هذا الثلاثي الصاعد دورًا كبيرًا في بناء شراكات أمنية ودفاعية جديدة مع الدول الإفريقية، وهي الدول التي لا تتدخل غالبًا في الشؤون الداخلية ولا تتعارض مع السيادة الإفريقية، لكن دور هذه الدول الصاعدة يمكن أن يؤجِّج حركة التدافع والتنافس في إفريقيا مجددًا.

3. تزايد التنافس الدولي في إفريقيا: تواجه الدول الإفريقية مأزق احتدام المنافسة فيها من الشرق والغرب، وهذا التنافس يجري اليوم بأدوات جديدة تشمل أبعادًا اقتصادية وأمنية وعسكرية واستخباراتية، إلى جانب أن القارة تشهد انتشارًا واسعًا للقواعد العسكرية الأجنبية، مع وجود أكثر من 40 قاعدة أميركية وأوروبية، وأن لكل قوة دولية مقاربتها الخاصة، فالولايات المتحدة تعتمد منظورًا أمنيًّا وعسكريًّا ذا طابع استخباراتي مغلف اقتصاديًّا، في حين دخلت روسيا بقوة إلى منطقة الساحل بعد الحرب في أوكرانيا، عبر دعم دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو في إعادة تأهيل قدراتها العسكرية، وإن كان ذلك ضمن رؤية قصيرة المدى. وتنتهج تركيا مسارًا مختلفًا قائمًا على القوة الناعمة، في حين تواصل الصين توسيع حضورها من خلال إستراتيجيات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، لكن تكمن الإشكالية في غياب الأجندة الوطنية الواضحة لدى العديد من الدول الإفريقية منذ الاستقلال، نتيجة الخلط بين المسارات الدستورية والانتخابية دون بناء مشروع تنموي علمي متكامل أدى إلى تعثر هذه الدول لعقود(24).

خاتمة

يعد التدخل الأجنبي في الدول الإفريقية بشكل مباشر أو غير مباشر مسألة شائكة تمس السيادة وتتحول تدريجيًّا إلى هيمنة مبطنة من خلال التبعية السياسية وعبر أدوات عسكرية (القواعد والمراكز العسكرية) أو تقديم مساعدات ومعونات مالية، وتبقي تلك العائدات، على أهميتها المالية، حبلًا مشدودًا على رقاب القيادات الإفريقية، لتكرِّس نمطًا من التبعية الاقتصادية. كما أن المكاسب الأمنية التي توفرها القواعد قد تكون مؤقتة، في حين تمتد آثارها السلبية على المدى الطويل، والتي تبدأ بسياسة "المشي الهادئ" القائم على التغلغل الاقتصادي أولًا، ثم التمويل والدعم، قبل تثبيت النفوذ، وهو ما قد يتعارض لاحقًا مع سيادة واستقلالية الرأي والقرار لدى بعض الدول الإفريقية، في حال اعتمدت بالكامل على الدعم الخارجي، وربما قد يتحول إلى أداة لممارسة نوع من الضغط على الحكومة الإفريقية، ويتجه مستقبل القواعد العسكرية في إفريقيا نحو مزيد من التعقيدات والتنافس الحاد، في ظل اشتعال الأزمات والنزاعات في الشرق الأوسط وتزايد أهمية دور من يملك مفاتيح السيطرة على المضائق المائية، سيما باب المندب ومضيق هرمز، وهو ما يضع دول القارة في مرحلة جديدة من الاستقطاب العالمي بين صعود الشرق وغروب الغرب.

ABOUT THE AUTHOR

References
  1. التنافس الدولي في إفريقيا.. دوافعه وأطرافه وأبعاده، مركز الجزيرة للدراسات، 12 سبتمبر/أيلول 2021، (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4sCCTMt
  2. خليج غينيا.. الخليج العربي "الجديد" في السياسة الأميركية، مركز الناطور للدراسات، 5 مارس/آذار 2019 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/3O2Czs2
  3. أفريكوم، أو القيادة الأميركية في إفريقيا، هي القيادة القتالية الموحَّدة المسؤولة عن معظم الأنشطة العسكرية الأميركية في القارة الإفريقية وجزرها والمياه المحيطة بها، باستثناء مصر. أُنشئت بقرار من الرئيس جورج بوش، في 6 فبراير/شباط 2007، بعد سنوات من النقاش داخل وزارة الدفاع الأميركية حول تزايد الأهمية الإستراتيجية لإفريقيا، ولتوحيد المهام التي كانت موزعة قبل ذلك بين القيادات الأوروبية والوسطى والهادئة. بدأت أفريكوم عملياتها الأولية في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2007، ثم أصبحت قيادة مكتملة التشغيل في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2008، واتخذت من شتوتغارت في ألمانيا مقرًّا لها. تهدف أفريكوم، وفق تعريفها الرسمي، إلى العمل "مع الشركاء" لمواجهة التهديدات العابرة للحدود والجهات الخبيثة، وتقوية القوات الأمنية الإفريقية، والاستجابة للأزمات، بما يخدم المصالح الأميركية ويعزز الأمن والاستقرار والازدهار الإقليمي.
  4. معضلة الأمن في إفريقيا: هياكل الأزمة وفرص الإصلاح، مركز الجزيرة للدراسات، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2021 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2025)، https://bit.ly/3Q5tTBG
  5. قمة الاتحاد الإفريقي تصادق على لائحة تجريم الاستعمار، العربي الجديد، 15 فبراير/شباط 2025 (تاريخ الدخول: 19 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4mbCJK8
  6. سياسة الصين الجديدة في القرن الإفريقي: الثابت والمتغير، مركز الجزيرة للدراسات، 4 أبريل/نيسان 2022 (تاريخ الدخول: 19 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/47Jk42p
  7. US starts $70 mln military base expansion in Kenya to boost security, Reuters, 29 January 2026, (visited on: 30 March 2026), https://bit.ly/41dVMdj
  8. Turkey sets up largest overseas army base in Somalia, Aljazeera, 1 October, 2017, (visited On: 30 March 2026), https://bit.ly/4ctdRKy
  9. Somalia ends port deals and security cooperation with UAE, Reuters,12 January 2026, (visited On: 30 March 2026), https://bit.ly/4mecd2N
  10. Sudan offers Russia Red Sea base for 25 years, New Arab, 2 December 2025, (visited On: 30 March 2026), https://bit.ly/4sesaaB
  11. France withdraws troops from Senegal, ending military presence in West Africa, Euronews, 17 July 2025, (visited On: 1 April, 2026), https://bit.ly/4tvMbug
  12. الفيلق الإفريقي الروسي يعلن بقاءه في مالي بعد مغادرة فاغنر، الجزيرة نت، 7 يونيو/حزيران 2025 (تاريخ الدخول: 1 أبريل/نيسان 2026)، https://bit.ly/4t7pFYM
  13. التكتلات الإقليمية في غرب إفريقيا: قراءة في مستقبل الإيكواس بعد الانسحاب الثلاثي، مركز شمس للاستشارات، 8 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 1 أبريل/نيسان 2026)، https://bit.ly/4bUKmkK
  14. US Military Documents Reveal a Constellation of American Military Bases Across Africa, The nation, 27 April 2017, (visited On: 1 April 2026), https://bit.ly/4vksVBW
  15. Conflict With Al-Shabaab in Somalia, cfr, September 15, 2025 (visited On: 1 April 2026), https://bit.ly/4sUFVMG
  16. China’s Military Deployments in the Gulf of Aden: Anti-Piracy and Beyond, Ifri, 21 November 2016, (visited On: 1 April 2026), https://bit.ly/4tx9zro
  17. Migration crisis in the EU: developing a framework for analysis of national security and defence strategies, link.springer, 1 October 2018, (Visited On: 4 April 2026), https://bit.ly/3O9tFZB
  18. حرب القوى الكبرى.. التنافس على الزعامة العالمية أميركا والصين وروسيا في غمار الاستقطاب، مجلة لباب، العدد 25، 1 فبراير/شباط 2025 (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2026)، https://bit.ly/4sjmfkM
  19. التنافس الدولي في إفريقيا: الفرص والتحديات، مركز الجزيرة للدراسات، 6 مايو/أيار 2025، (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2026)، https://bit.ly/3QnHdS0
  20. يوسف، حميداني، وأسامة، رحابي، دراسة "القواعد العسكرية وأثرها على العلاقات الدولية"، جامعة قسنطينة، 2018، ص67، https://bit.ly/4vke3U4
  21. ثنائية تهدِّد أمن دول القرن الإفريقي... الإرهاب والصراعات الداخلية، العربي الجديد، قضايا، 27 يونيو/حزيران 2025 (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2026)، https://bit.ly/4seEgk1
  22. وزير الدفاع الصومالي يؤكد نقل مرتزقة إلى السودان عبر مطار بوصاصو، ألتراصوت، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/axXfD
  23. وزير الدفاع الصومالي للجزيرة نت: سنلغي اتفاقيات أي دولة تنتهك سيادتنا، الجزيرة نت، 22 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 5 أبريل/نيسان 2026)، https://shorturl.at/oGjMn
  24.  مرجع سابق، التنافس الدولي في إفريقيا: الفرص والتحديات، مركز الجزيرة للدراسات.