إستراتيجية الحصار الأميركية تجاه إيران: إغلاق المضيق وحصار الموانئ

تناقش هذه الورقة تمركز الصراع الأميركي الإيراني في منطقة مضيق هرمز وبحر عمان، بين إغلاق إيران للمضيق، وفرض الولايات المتحدة حصارا بحريا على الموانئ والسفن الإيرانية. تستعرض الورقة العناصرالتاريخية والسياسية للحصاروأثره المفترض، وكذلك الفرضيات المتعلقة بمسار هذه الأزمة.
تسبب غلق مضيق هرمز بتكدس السفن والناقلات وتعطيل حركة التجارة (أسوشيتد برس)

في أدبيات السياسة والعلاقات الدولية، لا يُشكِّل الحصار مفهومًا أحادي البُعد، بل يمتد عبر طيف واسع من الأدوات القسرية المتشابكة التي تستهدف الاقتصاد والإمدادات اللوجستية وشبكات التجارة والمال، وتتفاوت في درجة قسرها بين الضغط الناعم عبر العقوبات المالية المحددة، والحصار التجاري الشامل، والحصار البحري العسكري المُحكم. وما يجمع هذه الأدوات جميعها هو افتراض نظري مركزي مشترك: أن "إيذاء الخصم اقتصاديًّا سيُعيد رسم حساباته السياسية ويدفعه نحو الامتثال". يستند هذا الافتراض في جذوره النظرية إلى مفهوم "قوة الإيذاء" في نظرية الدبلوماسية القسرية عند توماس شيلينغ. ففي سياق علاقات القوة العسكرية، يُميِّز شيلينغ بين نوعين جوهريين من القوة يختلفان في المنطق والغاية معًا. فالقوة الغاشمة (Brute Force) تستهدف تدمير قدرة الخصم على المقاومة وتعطيلها ماديًّا بهدف الحسم العسكري المباشر. أما قوة الإيذاء (The Power to Hurt)  فتنطلق من منطق مغاير تمامًا؛ إذ لا تستهدف تدمير قدرة الخصم، بل إيلامه وإرغامه على تغيير سلوكه(1). وهي بهذا المعنى جوهر الدبلوماسية القسرية وعمودها الفقري. وفي سياق الحصار تحديدًا، تتجلَّى قوة الإيذاء في صورتها الاقتصادية: يُوجع الحصار الخصم في مصادر قوته المادية، ويُضيِّق خياراته حتى يُصبح الامتثال أقل كلفة من الاستمرار في المواجهة. وفي هذا الإطار، يقول شيلينغ بأن: "قوة الإيذاء نوع من القوة التفاوضية"(2)؛ إذ يُشكِّل الحصار "أداة تفاوضية لا أداة حسم". فهو يعمل من خلال قوة "الإيذاء" حين تتحوَّل المواجهة إلى ضغط اقتصادي يقود إلى رهان هوياتي ووجودي.

صراع الإردات بين القوة الغاشمة وقوة الإيذاء

خلال الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 واستمرت تسعةً وثلاثين يومًا قبل وقف إطلاق نار مؤقت، لجأت الولايات المتحدة وشريكتها إسرائيل إلى القوة الغاشمة بوصفها الأداة الأولى لكسر الإرادة الإيرانية وإرغام طهران على الاستسلام والقبول بالمطالب الأميركية/الإسرائيلية. وقد جاء هذا الاختيار منسجمًا مع تعريف توماس شيلينغ السابق للقوة الغاشمة بوصفها قوةً تستهدف تدمير قدرة الخصم المادية على الصمود وتعطيلها بهدف الحسم العسكري المباشر لا إقناعه بتغيير سلوكه.

غير أن المشهد الميداني كشف عن معادلة إستراتيجية خارج الحسابات الأميركية الأولية: إيران لم تملك القدرة على مواجهة القوة الغاشمة بقوة غاشمة موازية، لكنها امتلكت ما هو أشد تأثيرًا على مسار الحرب وهو قوة الإيذاء. فلجأت إيران مباشرة إلى إغلاق مضيق هرمز. وقد كان لهذا القرار أثر إستراتيجي يتجاوز بكثير حدود ساحة المعركة. إذ حولت قوة الإيذاء الإيرانية من ضغط إقليمي محدود إلى ضغط عالمي ممتد، فارتفعت أسعار الطاقة عالميًّا، وتبعها ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية، وتسلَّل التضخم إلى كل بيت في الولايات المتحدة وفي سائر أنحاء العالم. وبهذا المعنى، فإن إغلاق هرمز لم يكن مجرد إجراء عسكري ميداني، بل كان رسالة قسرية موجَّهة إلى الداخل الأميركي وإلى المجتمع الدولي ككل. 

ومن هنا، يمكن القول: إن قوة الإيذاء الإيرانية عادلت القوة الغاشمة الأميركية-الإسرائيلية أو ربما فاقتها في قدرتها على تشكيل مسار الصراع وتحديد كلفته السياسية، لا من حيث القدرة التدميرية بل من حيث تحريك الحسابات السياسية الداخلية والضغوط الدولية على صانع القرار الأميركي. وهذا هو بالضبط ما يعنيه شيلينغ حين يقول: إن قوة الإيذاء هي نوع من القوة التفاوضية؛ فقد أجبر ارتفاع أسعار الطاقة وتداعياته التضخمية الرئيسَ ترامب على إصدار إنذاره النهائي يوم السادس من أبريل/نيسان، الذي أفضى بدوره إلى هدنة الأسبوعين التي طلبتها باكستان، ثم إلى مفاوضات إسلام آباد التي انتهت دون التوصل إلى اتفاق.

وعلى إثر انتهاء جولة التفاوض الأولى في إسلام آباد، يوم 11 أبريل/نيسان 2026، أعلن الرئيس الأميركي فرض الحصار البحري على إيران في محاولة لرفع مستوى الضغط الاقتصادي إلى درجة أعلى، متحولًا بذلك من القوة الغاشمة إلى قوة الإيذاء. وهنا تبرز بقوة المفارقة الإستراتيجية الكبرى في صراع الإرادات: الولايات المتحدة الأميركية بوصفها، بحسب ترامب نفسه، "القوة الأعظم في العالم" تجد نفسها مضطرة إلى التصعيد القسري بعد سبعة أسابيع من الحرب العسكرية المباشرة، في حين تصمد القوة الإقليمية الأضعف عسكريًّا بفضل ورقة جغرافية واحدة (مضيق هرمز)، وهو ما يُلخِّص الدرس الإستراتيجي الأعمق في هذه المواجهة: أن قوة الإيذاء، حين تمس الشريان الاقتصادي العالمي، قد تتفوق في أثرها التفاوضي على ترسانة من القوة الغاشمة.

الحصار بين الجدوى والإخفاق: هل لجوء الولايات المتحدة إلى الحصار ذو جدوى فعلية في سياق إستراتيجية صراع الإرادات مع إيران؟

الإجابة على هذا السؤال تمثل جدلًا بين المدافعين والمنتقدين لفاعلية الحصار في السياسة الدولية:

المدافعون عن الحصار: حجج فاعليته

يُجادل المدافعون عن هذا الخيار بأن الحصار الاميركي يُولِّد ضغطًا اقتصاديًّا يُشكِّل في جوهرة رافعة إستراتيجية مُعادِلة في معادلة صراع الإرادات، تستعيد من خلالها واشنطن زمام المبادرة التفاوضية التي أفلتت من يدها خلال جولة الحرب العسكرية المباشرة. وتقوم جدوى هذا الحصار على ثلاث فرضيات متداخلة:

الفرضية الأولى ترتكز على رفع تكلفة الصمود على الداخل الإيراني؛ حيث يأتي الحصار البحري ليُشكِّل ضغطًا اقتصاديًّا مُضاعَفًا على الصادرات والواردات البحرية الإيرانية، مُرهِقًا الاقتصاد من ناحيتيه في آنٍ واحد؛ مما يرفع تكلفة الاستمرار في المواجهة على النظام والمواطن الإيراني معًا. وهذا بالضبط هو منطق "الضغط الأقصى" الذي انتهجه ترامب في تعامله مع إيران منذ وصوله إلى السلطة عام 2018، والقائم على افتراض أن كل درجة إضافية من الضغط الاقتصادي تُضيِّق هامش الخيارات المتاحة أمام القيادة الإيرانية حتى تصبح المعادلة إيرانيًّا أن "التفاوض أقل كلفة من الصمود".

الفرضية الثانية تقوم على تكسير التماسك الداخلي وتحريك الشارع؛ حيث يستهدف الحصار في هذا السياق بلوغ نقطة الغليان في معادلة التماسك الداخلي وصولًا إلى حالة سيولة شعبية واسعة. فالضغط الاقتصادي المتصاعد يفترض إذكاء السخط الشعبي وضخَّ الوقود في جذوة الاحتجاج الداخلي حتى تصل موجة الغليان إلى رأس الهرم القيادي مُحمَّلة بمعادلة وجودية حادة: إما الاستجابة للمطالب الأميركية والدخول في اتفاق، وإما الإذعان لفوضى الداخل وخطر انهيار النظام. وبهذا المعنى يعمل الحصار رافعة إستراتيجية معاكسة تسعى إلى قلب معادلة "قوة الإيذاء" التي كسبتها إيران بإغلاق هرمز خلال جولة الحرب العسكرية المباشرة، واستعادة زمام الضغط عبر مدخل مختلف، وهو: ليس تدمير القدرة العسكرية الإيرانية بل استنزاف الإرادة الشعبية التي يرتكز عليها النظام.

الفرضية الثالثة تستند إلى إعادة رسم توازن الإيذاء: ففي حين نجحت إيران خلال الحرب في جعل قوة إيذائها تمسُّ كل بيت في العالم عبر تأثيرها على أسعار الطاقة، يسعى الحصار إلى قلب هذه المعادلة: بدلًا من أن يكون الإيذاء الإيراني هو المتغير الحاكم في الحسابات الدولية، يُحوِّل الحصارُ الإيذاء الأميركي إلى متغير حاكم في الحسابات الداخلية الإيرانية محولًا بذلك ميدان الصراع من المضيق الجغرافي إلى الشارع الإيراني.

المنتقدون لجدوى الحصار: الحجج المضادة

في المقابل، يرتكز المنتقدون لفاعلية الحصار على عدد من الفرضيات النقدية التي تُشكِّك في قدرته على تحقيق أهدافه الإستراتيجية، وتُجادل بأن الحصار في سياقات معينة قد ينقلب على أهدافه ويُنتج نتائج عكسية تصبُّ في مصلحة الطرف المحاصَر.

الفرضية الأولى وهي الفاعلية العكسية: وهي فرضية ترتكز على ظاهرة تُعرف بـ"الالتفاف حول العلم" (Rally Around the Flag)، وهي أن الضغط الخارجي الشديد لا يُفكِّك الوحدة الوطنية، بل يُعززها؛ إذ يُعيد رسم صورة القيادة المحاصَرة في الوعي الشعبي من قيادة مسؤولة عن معاناة مواطنيها إلى قيادة ضحية للهيمنة الأجنبية ومستهدَفة بسبب كرامتها الوطنية. وفي هذا الإطار، يُصبح "الحصار وقودًا للتعبئة لا أداة للاستنزاف"، ويمنح النظام المحاصَر "شرعيةً داخلية مجانية لا تكلِّفه شيئًا". وهو ما تُجسِّده التجربة الإيرانية على امتداد أربعة عقود من العقوبات؛ إذ لم يُفضِ الضغط المتراكم إلى انهيار التماسك الداخلي بل أسهم في إنتاج خطاب مقاومة متجدد يستمدُّ شرعيته من الاستهداف الخارجي ذاته.

الفرضية الثانية وهي انتقائية الحصار وإشكالية الثقوب الهيكلية؛ إذ تفترض أنه لا يوجد في النظام الدولي المعاصر حصار محكم الإغلاق. ففي ظل التنافس الإستراتيجي المتصاعد بين القوى الكبرى، وبخاصة مع الصين وروسيا، اللتين لديهما حوافز بنيوية لإضعاف هيمنة ونفوذ الولايات المتحدة الأميركية وقدرتها على فرض سلطتها عبر الحصار والعقوبات الاقتصادية. وهنا تُصبح مسألة "الحصار المُحكم" مسألة نسبية بامتياز؛ إذ يُوفر هذا التنافس لإيران ممرات بديلة وثغرات منهجية في هيكل التجارة الدولية، تُخفف من وطأة الحصار وتُفرغه من مضمونه التدميري. فعلى مدار العقود الماضية طورت طهران منظومة متكاملة من الشبكات الموازية والتحالفات الاقتصادية البديلة مع بيجين وموسكو؛ مما يمنحها هامشًا واسعًا لتخفيف الحصار إلى مستويات دنيا تكفي لقلب معادلة "الضغط الأقصى" وإعادة رسم معادلة "قوة الإيذاء" لصالحها بدلًا من أن تنكسر أمامها وتقبل بالمطالب الأميركية والشروط الإسرائيلية.

الفرضية الثالثة تتمثل في الأثر الارتدادي ومعادلة الاعتماد المتبادل الإكراهي. فالحصار لا يُلقي بأعبائه على الطرف المحاصَر وحده، بل يستدعي بالضرورة كلفةً مضاعفة على الطرف المُحاصِر ذاته: اقتصاديًّا بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والسلع، وسياسيًّا بسبب تراجع الدعم الدولي وتآكل الشرعية، وقانونيًّا بسبب التزامات القانون الدولي المتعلقة بحرية الملاحة وحقوق المدنيين. وهنا يلجأ الطرف الأضعف إلى ما يمكن تسميته بـمعادلة "الاعتماد المتبادل الإكراهي" Coercive Interdependence)  ) عبر توظيف نقاط الاعتماد المتبادل بين الطرفين رافعةً للتأثير المضاد.

توظيف مضيق هرمز في معادلة قوة الإيذاء: الأثر الارتدادي والحصار المضاد

وظَّفت إيران مضيق هرمز بوصفه الورقة الإستراتيجية الأبرز في معادلة قوة الإيذاء؛ إذ نجح إغلاقه في تحويل تداعيات الحرب الأميركية/الإسرائيلية من مواجهة عسكرية محدودة الجغرافيا إلى أزمة اقتصادية عالمية وصل أثرها إلى كل بيت في العالم تقريبًا عبر ارتفاع أسعار الطاقة وموجة التضخم التي أعقبته. وقد رُصِد هذا التحول بدقة خلال أسبوعين من بدء الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، في فبراير/شباط 2026؛ إذ قفز سعر خام برنت من 65 دولارًا إلى ما يقارب أو يزيد عن 100 دولار منذ بدء الحرب وإغلاق المضيق(3). وقد أعاد هذا التوظيف رسم كفة ميزان قوة الإيذاء لصالح طهران، فمنحها رصيدًا تفاوضيًّا حقيقيًّا حمله وفدها إلى مفاوضات إسلام آباد، يوم السبت، 10 أبريل/نيسان 2026، برصيد لم تكتسبه في ميادين المعركة بل في أروقة الأسواق العالمية وعلى موائد صانعي القرار الاقتصادي في واشنطن وعواصم العالم.

غير أن واشنطن إذ أدركت أن التعثر في إسلام آباد جاء بسبب هذه الورقة الرابحة، سارعت إلى إعلان الحصار البحري على إيران بوصفه إستراتيجية مضادة. وقد كشف موقع أكسيوس أن هدف الحصار الأميركي هو "قلب هذه المعادلة بحرمان إيران من الرافعة التي تستخدمها ورقةً تفاوضية ومنعها من تصدير نفطها"(4). ويستهدف هذا الحصار تحقيق غرضين متلازمين: تعظيم الأثر الارتدادي على الداخل الإيراني عبر تحويل قوة الإيذاء التي وظَّفتها طهران ضد العالم إلى سلاح يرتد عليها، وإفقادها تدريجيًّا القدرة على الاستفادة من ورقة هرمز بضرب الممرات التجارية الإيرانية على الخليج العربي وبحر العرب: صادرات وواردات. والهدف النهائي هو إعادة رسم معادلة التكلفة أمام القيادة الإيرانية: أي إجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات وفق معادلة "التفاوض أقل كلفة من الصمود"، وهي المعادلة ذاتها التي أخفقت الحرب العسكرية المباشرة في فرضها.

وهنا تبرز معادلة "الاعتماد المتبادل الإكراهي"، فالعالم يعتمد على مضيق هرمز في إمدادات الطاقة، وإيران تعتمد على هرمز وموانئها على الخليج العربي وبحر العرب في تصدير نفطها واستيراد احتياجاتها؛ حيث وصف ترامب ذلك بقوله: "هذا ابتزاز للعالم، وقادة الدول، ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية. لن يبتزُّونا أبدًا"(5). فقد وظَّف كلا الطرفين هذه العلاقة الاعتمادية المزدوجة سلاحًا في وجه الآخر؛ فإيران وظَّفتها لتوسِّع تأثير ارتفاع أسعار الطاقة عالميًّا؛ حيث أقر وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، بهذه التبعات الاقتصادية المزدوجة صراحة؛ إذ قال: إن "أسعار الطاقة ستبقى مرتفعة، وربما متصاعدة"(6). في المقابل، تعمل الولايات المتحدة الأميركية على توظيفها نحو الداخل الإيراني. ولهذا يكتسب الأثر الارتدادي للحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية طابعًا مضاعفًا في معادلة "قوة الإيذاء": فهو لا يؤثر على إيران اقتصاديًّا فحسب، بل قد يسلبها في الوقت ذاته الأداة التي وظَّفتها ورقة تفاوضية.

في المحصلة، تتحول الحرب بين القوة الغاشمة وقوة الإيذاء إلى حرب استنزاف إرادات؛ إذ يتبادل فيها الطرفان توظيف الأثر الارتدادي بأشكاله المتجددة، والجميع يدفع الثمن: ارتفاع الأسعار وتراجع النمو وتصاعد الضغط الداخلي على الجانبين، الأميركي والإيراني. وفي مثل هذه المعادلات من صراع الإرادات، تنشأ معركة "عض الأصابع"، والمنتصر هو من يصرخ آخرًا، أي من يمتلك من الصبر الإستراتيجي والتماسك الداخلي ما يكفيه لتحمُّل الألم أطول من خصمه.

المضيق بين الحصار والإغلاق الانتقائي المُدار

في سياق صراع الإرادات، أثبتت إيران قدرةً استثنائية على إدارة إغلاق مضيق هرمز وفق ما يمكن تسميته "إستراتيجية الإغلاق المُدار"، وهي إستراتيجية حوَّلت قرار الإغلاق من فعل عسكري أحادي الأثر إلى منظومة متكاملة من الروافع الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية المتشابكة. فبدلًا من الإغلاق الشامل الكامل الذي كان سيستدعي ردًّا دوليًّا جماعيًّا يسلبها ورقتها الأقوى، اعتمدت طهران نموذج الإغلاق الانتقائي المحسوب: نظام تصاريح دقيق يُفرِّق بين "الأصدقاء" و"الخصوم"، ويُحوِّل المضيق إلى أداة ضغط سياسي تتحكم فيها طهران وفق حساباتها الإستراتيجية. وقد استثمرت طهران هذا النموذج على ثلاثة مستويات متشابكة: اقتصاديًّا، عبر فرض رسوم عبور (2 مليون دولار لكل ناقلة نفط)(7). ودبلوماسيًّا، عبر توظيف تصاريح العبور أداةً لاستمالة الدول ومكافأتها وتوثيق العلاقات معها. إذ أعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في السادس والعشرين من مارس/آذار، السماح لسفن خمس دول بالعبور تشمل الصين وروسيا والهند والعراق وباكستان، فضلًا عن ماليزيا وتايلاند بعد مفاوضات مع الرئيس الإيراني، كما أتاحت مرور شحنات إنسانية وأسمدة استجابةً لطلب الأمم المتحدة في 27 مارس/آذار(8). في مشهد يُجسِّد توظيف المضيق أداةَ بناء تحالفات وكسب شركاء لا مجرد سلاح حرب. وسياسيًّا، عبر توظيف الرسوم والتصاريح الانتقائية لتعميق الشرخ بين واشنطن وحلفائها وشركائها التجاريين. إذ أشارت أكسيوس إلى أن السفن الصينية والهندية والباكستانية كانت من بين القليلة التي عبرت المضيق بموجب صفقات مع طهران؛ مما وضع الولايات المتحدة في مسار تصادمي مع دول تعتمد على إيران في استيراد نفطها(9) محوِّلةً الحصار الأميركي اللاحق أزمةً دبلوماسية مع الحلفاء قبل أن يكون ضغطًا اقتصاديًّا على إيران ذاتها. وقد كشف هذا النموذج الإيراني في إدارة المضيق عن بُعد إستراتيجي عميق يتجاوز المنطق العسكري التقليدي. فمضيق هرمز في يد إيران لم يكن مجرد سلاح تدميري بل مرآة عاكسة لتوازن القوى الإقليمي.

ومن جانب آخر، تكشف الأرقام عن مفارقة إستراتيجية بالغة الدلالة للإغلاق المدار للمضيق؛ فبينما أوقفت إيران حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، واصلت هي ذاتها تصدير نفطها بأحجام تفوق ما كانت عليه قبل الحرب. فوفق بيانات شركة كبلر لتحليل التجارة البحرية، صدَّرت إيران 1.84 مليون برميل يوميًّا في مارس/آذار، و1.71 مليون برميل يوميًّا في أبريل/نيسان، مقارنةً بمعدل 1.68 مليون برميل يوميًّا طوال عام 2025(10)، أي إن صادرات إيران النفطية ارتفعت فعليًّا خلال الحرب لا انخفضت. ومن 15 مارس/آذار حتى 14 أبريل/نيسان، صدَّرت إيران 55.22 مليون برميل من النفط، وبقيت الأسعار فوق 90 دولارًا للبرميل في معظم الأيام وتجاوزت 100 دولار في أحيان كثيرة، مما يعني أن إيران جنت ما لا يقل عن 4.97 مليارات دولار من عائدات النفط خلال شهر واحد فقط خلال الحرب(11). وهنا جاء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، في 13 أبريل/نيسان، لإفقاد إيران هذه الميزة الإستراتيجية من إغلاق المضيق.

وفي سياق قوة الإيذاء، تريد الولايات المتحدة الوصول إلى معادلة: رفع الحصار برفع الإغلاق. أي الإغلاق الإيراني للمضيق والحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية. لأن أي رفع أحادي الجانب سيُحوِّل الفائز إلى الطرف الذي لا يزال قادرًا على الإيذاء بعد أن يُنهي خصمه ورقته. ولكن تبقى معادلة قوة الإيذاء حاضرة في سياق صراع الإرادات، وهي معادلة تُعيد تأكيد الدرس الإستراتيجي العميق: من يصمد أطول لا من يضرب أقوى هو من يُملي شروط التسوية في نهاية المطاف.

مفارقة الحصار تاريخيًّا

يكشف التاريخ أن الحصار والإغلاق البحري نادرًا ما تسبَّبا بنتائج سريعة كالتي تتوقعها القوة المُحاصِرة، وأن الصبر الإستراتيجي للطرف الأضعف كثيرًا ما أربك حسابات الأقوى وأجبره على مراجعة شروطه. ففي أزمة كوبا 1962، لم ينتهِ الحصار الأميركي بانتصار أميركي صرف بل بتفاهم سري تضمَّن سحب الصواريخ الأميركية في تركيا مقابل سحب سوفيتي مقابل للصواريخ من كوبا(12). وفي حصار فيتنام الشمالية الذي امتد عقدًا، عجزت القوة العسكرية الأميركية الهائلة عن كسر الإرادة الشعبية، وانتهت الحرب بانسحاب أميركي لا بانتصار(13). أما حصار كوبا الاقتصادي الذي تجاوز ستة عقود، فلم يُسقط النظام ولم يُغيِّر جوهر السياسة الكوبية، بل أنتج سردية المقاومة الوطنية التي منحت القيادة الكوبية شرعيتها الداخلية(14). وفي سياق أقرب، أفضت عقوبات إيران الممتدة منذ 1979 إلى إيلام اقتصادها لكنها لم تُغيِّر سلوكها النووي ولم تُسقط نظامها بل إن الحصار الدولي الواسع والصارم الذي فرضه مجلس الأمن على العراق مدة 13 عامًا 1990-2003 تسبب بالفعل في خسائر اقتصادية وإنسانية بالغة، ولكنه لم يحقق نتائج سياسية مباشرة سواء بتغيير نظام الرئيس الراحل، صدام حسين، أو تغيير سلوكه المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل، حتى قامت الولايات المتحدة بغزو عسكري مباشر للعراق أسفر عن تغيير النظام بالقوة. والقاسم المشترك بين هذه الحالات جميعها هو ما يمكن تسميته "مفارقة الحصار": كلما كانت مطالب القوة المُحاصِرة أكثر مساسًا بالسيادة والكرامة الوطنية للطرف الأضعف ضعُفت فاعلية الحصار لأنه يُحوِّل المعادلة من حساب اقتصادي إلى رهان وجودي. والدرس التاريخي المتجدد إذن ليس أن الحصار لا يؤلم بل إنه يؤلم الجميع ولكن المنتصر هو من يتحمَّل الألم أطول.

ردود الفعل الدولية على الحصار: الأثر الارتدادي والثقوب الهيكلية

يواجه الأثر الارتدادي لإعلان ترامب الحصار البحري على إيران معارضةً دولية واسعة تمتد من خصوم واشنطن إلى حلفائها التقليديين في آنٍ واحد؛ مما يُشكِّل عائقًا هيكليًّا أمام فاعلية هذا الحصار قبل أن يُحقق أهدافه الإستراتيجية. تواصل الصين وروسيا التنسيق المشترك في سياستيهما الخارجية تجاه المأزق المتصاعد في الخليج العربي. ففي 8 أبريل/نيسان، استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن يهدف إلى حماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، وقد صوَّت 11 عضوًا لصالحه(15). تُعد الصين من أكثر الدول تضررًا بإغلاق مضيق هرمز وفرض الحصار على إيران بحكم علاقات الصين التجارية مع دول الخليج العربية وإيران. فالهيمنة الأميركية على مضيق هرمز تُشكِّل هاجسًا أمنيًّا قوميًّا كبيرًا للصين في سياق مساعيها لحماية أمنها الطاقي. فعندما أعلن الرئيس الأميركي فرض الحصار البحري على إيران، وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غوو جياكون، الحصار الأميركي بأنه "عمل خطير وغير مسؤول"، مؤكدًا أنه "لن يزيد إلا في تأجيج التوترات، وتقويض وقف إطلاق النار الهش، والإضرار بسلامة الملاحة"(16). وفي موقف يعكس مدى الهشاشة التي يُولِّدها الحصار في أمن الطاقة الصيني، قال وزير الدفاع الصيني، دونج جون: "سفننا تتحرك داخل وخارج مياه مضيق هرمز، ولدينا اتفاقيات تجارية وطاقة مع إيران سنحترمها ونفي بها، ونتوقع من الآخرين عدم التدخل في شؤوننا"(17). وعلى صعيد التصعيد الاقتصادي المضاد، حذَّر ترامب من فرض تعريفات جمركية بنسبة 50% على الصين إثر تقارير تشير إلى استعداد بيجين لتزويد إيران بمنظومات دفاع جوي، في إشارة إلى توسُّع نطاق الضغط إلى ما يتجاوز الساحة العسكرية(18 ). أما روسيا، فأرسلت وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، إلى بيجين، في 14 أبريل/نيسان، والذي حظي باستقبال رسمي رفيع المستوى، في مشهد يعكس التنسيق المتصاعد بين موسكو وبيجين في مواجهة الضغط الأميركي. كما أعلن لافروف أن روسيا "تبقى مستعدة للمساعدة في إيجاد حلول تتجاوز تداعيات العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران"(19).

في جبهة حلفاء واشنطن الأوروبيين، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، صراحة أن المملكة المتحدة "لا تدعم الحصار"، مؤكدًا أن جهودها تنصب على "إعادة فتح المضيق في أسرع وقت ممكن" لخفض فواتير الطاقة على المواطنين البريطانيين الذين يدفعون ثمن الحرب. وفي السياق ذاته، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن فرنسا وبريطانيا ستُنظِّمان مؤتمرًا للدول المستعدة للمساهمة في "مهمة متعددة الجنسيات سلمية تهدف إلى استعادة حرية الملاحة"، مشددًا على أن المهمة ستكون "دفاعية بحتة ومنفصلة عن أطراف النزاع"(20). وتكشف هذه المعارضة المتشعبة من موسكو وبيجين إلى لندن وباريس عن حقيقة إستراتيجية واضحة وهي أن الحصار الأميركي لم يُوحِّد العالم خلف واشنطن بل أنتج ما يمكن تسميته "تحالف المعارضين الصامتين"؛ حيث تجمعهم هشاشة أمن الطاقة المشتركة، وتوحدهم الكلفة الاقتصادية المتصاعدة، لا الموقف السياسي الموحد. وهو ما يُقلِّص فاعلية الحصار على إيران ويعزز من الأثر الارتدادي على باقي دول العالم. وهنا يُصبح مسار إستراتيجية الحصار مفتوحًا على عدد من السيناريوهات المحتملة:

السيناريو الأول: الإدارة الإيرانية لمسار التفاوض على قاعدة الصبر الإستراتيجي

يرتكز هذا السيناريو على مفهوم "إدارة التفاوض" من خلال توظيف الحصار ذاته ورقةً مضاعفة في معادلة قوة الإيذاء على قاعدة "دع العالم يصرخ بدلًا منك". أي لا تقوم إيران بالرد العسكري الذي يُضعف موقفها التفاوضي بل بترك الحصار يعمل أثره الارتدادي على الاقتصاد العالمي حتى تصرخ دول العالم بدلًا من إيران، وتتحول تلقائيًّا إلى رافعة ضغط دولية على واشنطن نفسها. حيث يستند هذا السيناريو على فرضية رئيسية وهي أن كلا الطرفين يريد اتفاقًا، ولكن كليهما يُمارسان "الضغط الأقصي" لتحسين شروطهما على طاولة التفاوض عبر ركل الإيرانيين للكرة إلى الأمام لكي يعمل عامل الوقت لصالحهم. ومن أجل ذلك قد تلجأ إيران إلى تكتيكات محورية، أبرزها: المرور الانتقائي المحسوب لقوى دولية وإقليمية كبرى، مثل الصين والهند وباكستان، عبر المضيق وبالتالي تتعارض مصالح هذه الدول مع الولايات المتحدة الأميركية مما يجعلها شريكة في مواجهة الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية. التكتيك الثاني يقوم على تعميق الأثر الارتدادي على الاقتصاد العالمي عبر الدفع باتجاه وصول سعر برميل النفط إلى 150 دولارًا. وبالتالي يصرخ العالم أولًا بدلًا من إيران ومن ثم تضغط على الولايات المتحدة الأميركية. أما التكتيك الثالث، تطوير شبكة الثقوب في الحصار الأميركي لتعزيز التماسك الداخلي عبر تعزيز تجارتها البرية مع دول الجوار والبحرية مع دول بحر البلطيق لتخفيف الأثر الارتدادي للحصار على اقتصادها المحلي وتعزيز شرعية النظام بوصفه يواجه هيمنة أميركية تستهدف الحضارة الإيرانية وليس النظام بحدِّ ذاته. ووفق ذلك، يمر هذا السيناريو عبر مراحل متعددة؛ أولها قبول إيراني بالتفاوض على قاعدة "شراء الوقت" يتخللها "التفاوض على الخيارات المطروحة من الجانب الأميركي"، مثل تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عامًا، ومن ثم تمر إيران للمرحلة الثانية عبر بلوغ الأثر الارتدادي مستويات جديدة تصبح فيها المعادلة أميركيًّا: "استمرار الحصار يكلف أميركا أكثر مما يكلف إيران"، أي إن فاتورة حساب الحصار ترتفع تدريجيًّا على الولايات المتحدة الأميركية سياسيًّا واقتصاديًّا؛ مما يخلق قوة تعديلية لميزان القوة على طاولة التفاوض لصالح إيران، ومن ثم تأتي مرحلة "الرعاية الدولية" (أطراف دولية متضررة من استمرار الحصار) لعقد جولة تفاوض بشروط معدلة وبخيارات متنوعة للقضايا الشائكة؛ مما يمنح طرفي التفاوض "نافذة الفرصة الإستراتيجية" للوصول إلى اتفاق يلبي الحد الأدنى للولايات المتحدة الأميركية وإيران.

السيناريو الثاني: تصعيد عسكري مضاد وانهيار الهدنة

يُجسِّد هذا السيناريو المخاطر الأكثر خطورة؛ إذ يقوم على افتراض أن الحصار البحري الأميركي يدفع إيران إلى الرد العسكري المضاد. ومن ثم اشتعال جولة ثانية من المواجهة المباشرة أشد ضراوةً من الأولى، في ظل هدنة هشة، وقوات عسكرية أميركية تستمر في التحشيد في المنطقة. وفرضية المرور عبر هذا السيناريو ترتكز على معادلة وجودية للنظام الإيراني، وهي عندما يُصبح ثمن الحصار هو "تفكك النظام" والذهاب إلى الفوضى الشاملة وتقسيم الجغرافيا الإيرانية. ومسار التصعيد في هذا السيناريو ينطلق من حوادث اعتراضية للناقلات أو القطع العسكرية من أحد الطرفين تؤدي إلى أن يُصبح "التوتر المُدار حربًا مفتوحة". وتبدأ مراحل السيناريو من شرارة "الاعتراض" عندما يرى فيها أحد الطرفين تجاوزًا وإهانة من الآخر، ومن ثم يتفاقم الوضع إلى الرد والرد المضاد وصولًا إلى انهيار الهدنة واشتعال الحرب بصورة أكثر تدميرًا وأكثر خطورة على الاستقرار الإقليمي والعالمي. ما يميز هذا السيناريو عن غيره هو حجم الكارثة الاقتصادية المترتبة على الأثر الارتدادي لعودة اشتعال الحرب من جديد.

السيناريو الأكثر خطورة وهو مواجهة أميركية-صينية بالوكالة في المضيق

هذا السيناريو هو الأكثر خطورةً وتعقيدًا في منظومة الصراع الدائر، لأنه يتجاوز حدود المواجهة الأميركية/الإسرائيلية-الإيرانية الثنائية ليرتقي إلى مستوى الصدام بين القوى الكبرى في أحد أشد بقاع العالم حساسيةً جيوسياسيًّا واقتصاديًّا. ففي هذا السيناريو لا تُخاض الحرب بين واشنطن وبيجين بشكل مباشر بل تتقاطع مصالحها وتتصادم على جبهات متعددة بالوكالة عبر مضيق هرمز. تُشير أكسيوس إلى أن "السفن الصينية والهندية والباكستانية كانت من بين القليلة التي عبرت المضيق بموجب صفقات مع طهران؛ مما يعني أن أمر الاعتراض الأميركي قد يضع الولايات المتحدة في مسار تصادمي مع دول تعتمد على إيران في استيراد النفط". فعندما تصل الصين إلى نتيجة محققة بأن حصار مضيق هرمز يهدد أمنها الطاقي ويخنق نموها الاقتصادي ويُضعف تنافسيتها الدولية في السوق العالمية، ستتجه نحو "حرب بالوكالة" في أحسن الخيارات. وقد برزت بوادر هذا السيناريو عندما هدَّد ترامب بفرض تعريفات جمركية بنسبة 50% على الصين على إثر تقارير تشير إلى استعداد بيجين لتزويد إيران بمنظومات دفاع جوي؛ مما يدفع باتجاه حرب بالوكالة على غرار الحرب الروسية-الأوكرانية.

السيناريو الهجين: الحصار والتصعيد المُدار دون الوصول إلى مستويات جولة الحرب السابقة

يقع هذا السيناريو في المنطقة الرمادية بين السيناريوهات السابقة من خلال حالة تصعيد محسوبة ومُدارة. يستخدم فيها كل طرف منهما أدوات الضغط العسكري والاقتصادي بجرعات متعمدة لا تبلغ عتبة الحرب الشاملة. يرتكز هذا السيناريو على معطى جوهري كشفته مفاوضات إسلام آباد وما تلاها: كلا الطرفين يريد الاتفاق لكن لا أحد منهما مستعد لدفع الثمن المعروض حاليًّا. فواشنطن لا تريد حربًا شاملة جديدة تحت وطأة اقتصاد متضرر وحلفاء منشقين، وطهران لا تريد استئناف الضربات الأميركية على بنيتها التحتية المنهكة. والفضاء الوحيد المتاح بين هذين المحظورَين هو فضاء التصعيد المُدار: كل طرف يرفع سقف ضغطه تكتيكيًّا بما يكفي لتحسين موقفه التفاوضي، لكن يضبط نفسه بما يكفي لعدم إشعال الجولة الثانية من الحرب الكاملة. وهو من أكثر السيناريوهات ترجيحًا نظرًا لأربع قرائن متقاطعة، وهي: ارادة مشتركة لكلا الطرفين بالوصول إلى اتفاق، وكلفة اقتصادية متعاظمة وغير قابلة للتحمل على المدى الطويل لكلا الطرفين، والوساطات الدولية النشطة نظرًا لارتفاع تكلفة الأثر الارتدادي على الاقتصاد العالمي، والسوابق التاريخية على مدار الصراع من عام 1979 وحتى الآن والذي تميز بتسويات هجينة آخرها اتفاق 2015.

خلاصة:

يكشف المشهد المعقد والمتشابك لإستراتيجية الحصار الأميركية عن بيئة إقليمية ودولية تتداخل وتتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية مما يُفضي إلى تآكل تدريجي في فاعلية الحصار؛ إذ يصطدم بحسابات إستراتيجية يحكمها منطق "الأمن القومي". فمن بيجين شرقًا التي تنظر إليه بوصفه تهديدًا إستراتيجيًّا لأمنها الطاقي ونموها الاقتصادي وقدرتها التنافسية في الأسواق الدولية، وموسكو التي تجني من استمرار الحصار أكثر مما تجنيه من الوصول إلى اتفاق، مرورًا بلندن وباريس والدول الأوروبية التي ترى فيه تهديدًا لأمنها الطاقي ومصدرًا لأزمات اقتصادية بفعل أثره الارتدادي على الاقتصاد العالمي، وصولًا إلى أثره على المواطن الأميركي والذي باتت أغلبيته معارضة لاستمرار الحرب، بحسب ما قاله ترامب نفسه. وعليه، فإن المآل الأرجح لهذه المعادلة لن يكون انتصارًا ساحقًا لأي طرف، بل تسوية هجينة تنبثق من إرادة مشتركة تتعاظم تدريجيًّا لدى مختلف الأطراف في الوصول إلى اتفاق.

References
  1. Schelling,  Arms and influence. (Yale University, (2008), p2-3.   Tomas
  2. Ibid, p2.
  3. الجزيرة نت، "شركات النفط العملاقة تحقق مكاسب غير متوقعة مع ارتفاع أسعاره"، الجزيرة نت، 16 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2026)، https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/3/16
  4. Ravid, Barak. "Trump announces naval blockade on Iran after peace talks collapse,"

12 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2026)، https://www.axios.com/2026/04/12/trump-naval-blockade-iran-strait-hormu…

  1. CNBC. Trump says U.S. will blockade Strait of Hormuz after Iran peace talks fail, (acceded 12 April 2026)   https://www.cnbc.com/2026/04/12/trump-iran-war-strait-of-hormuz.html   
  2. CNN. Day 45 of Middle East conflict — US Navy starts blockade on Iranian ports, (acceded 12 April 2026)  https://edition.cnn.com/2026/04/13/world/live-news/iran-us-war-trump-hormuz
  3. Axios.. Trump announces naval blockade on Iran after peace talks collapse (2026, April 12), (acceded 15 April 2026)  https://www.axios.com/2026/04/12/trump-naval-blockade-iran-strait-hormuz-peace-talks
  4.  Al Jazeera. (2026, April 14). How many ships have passed the Strait of Hormuz and how many were attacked? (acceded 15 April 2026)  https://www.aljazeera.com/news/2026/4/14/how-many-ships-have-passed-the-strait-of-hormuz-and-how-many-were-attacked
  5. Axios.. Trump announces naval blockade on Iran after peace talks collapse (2026, April 12), (acceded 15 April 2026)  https://www.axios.com/2026/04/12/trump-naval-blockade-iran-strait-hormuz-peace-talks
  6. Al Jazeera. (2026, April 14). How many ships have passed the Strait of Hormuz and how many were attacked? (acceded 15 April 2026)  https://www.aljazeera.com/news/2026/4/14/how-many-ships-have-passed-the-strait-of-hormuz-and-how-many-were-attacked
  7. Ibid
  8. Pape, Robert A. "Why Economic Sanctions Do Not Work." International Security 22, no. 2 (1997): 90–136.
  9. Hufbauer, Gary Clyde, Jeffrey J. Schott, Kimberly Ann Elliott, and Barbara Oegg. Economic Sanctions Reconsidered. 3rd ed. Washington D.C.: Peterson Institute for International Economics, 2007.
  10. Ibid
  11. برونستورم، داغ، "الصين وروسيا تستخدمان الفيتو ضد مشروع قرار بشأن مضيق هرمز"، رويترز، 8 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2026)، https://www.reuters.com/ar/world/VHJYTGQWSJIJXMSJ6P42QEOMVA-2026-04-07/
  12. روسيا اليوم، "بيجين: الحصار الأميركي لمضيق هرمز عمل خطير وغير مسؤول"، RT  عربي، 14 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2026)،  https://arabic.rt.com/world/1778306
  13.  Mollman, Steve. "China Reacts to Trump's Blockade of Iranian Ports as Tensions Escalate," Newsweek، 13 أبريل 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل 2026)، https://www.newsweek.com/china-warns-trump-iran-port-blockade-hormuz-11823406
  14.     Pao, Jeff. "US Hormuz blockade, tariffs jolt China," Asia Times، 14 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2026)، https://asiatimes.com/2026/04/us-hormuz-blockade-tariffs-jolt-china /
  15. العربي الجديد، "لافروف في الصين لإجراء محادثات بشأن أوكرانيا وإيران"، العربي الجديد، 14 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2026)، https://www.alaraby.co.uk/politics
  16. العربية، "ستارمر: بريطانيا لن تدعم السيطرة على مضيق هرمز"، العربية، 13 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 14 أبريل/نيسان 2026)، https://www.alarabiya.net/aswaq/economy/2026/04/13