تحولات الأزمة الأميركية-الإيرانية بين انسداد أفق الدبلوماسية وهيمنة منطق القوة

تحلِّل هذه الورقة أزمة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها أزمة بنيوية وليست أزمة عارضة أو تعثرًا طارئًا لأسباب تقنية. ويعود عمق الخلاف بين الطرفين لاختلافات جوهرية تمس مفاهيم الأمن والسلام والتوازنات الإقليمية والدولية، إلى جانب انعدام الثقة المتراكم، الذي خلَّفته تجارب الفشل والانهيار في المفاوضات السابقة.
(شترستوك)

مقدمة

لا يمكن فهم فشل الجولة التفاوضية التي انعقدت في إسلام آباد بمعزل عن السياق البنيوي الذي يحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة الإيرانية، 1979؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بتعثر تقني في التفاوض بل بانسداد هيكلي في إدراك كل طرف لتهديدات الآخر، وما يرتبط بذلك من تباين في تعريف الأمن ذاته. لقد شكَّلت هذه الجولة، التي وُصفت بأنها الأعلى مستوى منذ أربعة عقود، لحظة اختبار حقيقية لإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى تسويته غير أنها انتهت إلى إعادة إنتاج منطق الأزمة بدل تفكيكه.

من حيث الشكل، اتسمت المفاوضات بكثافة زمنية واستثنائية في التمثيل السياسي؛ حيث قاد الوفد الأميركي جي دي فانس، إلى جانب شخصيات نافذة في بنية القرار الأميركي، في مقابل تمثيل إيراني يعكس ثقل المؤسسة السياسية والأمنية، بمن في ذلك محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي. غير أن هذه الكثافة لم تنعكس على مستوى النتائج؛ ما يشير إلى أن المشكلة لم تكن في مستوى التمثيل بل في طبيعة الملفات المطروحة وحدود التنازل الممكن.

يمكن القول: إن هذه الجولة التفاوضية كشفت عن ثلاثة مستويات من الانسداد؛ أولها: الانسداد المفاهيمي. فواشنطن وطهران تختلفان في تعريف مفهوم "السلام"؛ فبينما تنظر الولايات المتحدة إلى السلام بوصفه حالة من الضبط الكامل للسلوك الإيراني، خصوصًا في المجال النووي والإقليمي، ترى إيران أن السلام ينبغي أن يقوم على الاعتراف بدورها قوة إقليمية ذات سيادة وليست فاعلًا يجب احتواؤه أو تقويضه. هذا التباين يعكس صراعًا بين نموذجين: نموذج الهيمنة الأمنية الأميركية، ونموذج الاستقلال الإستراتيجي الإيراني.

ثانيها: الانسداد البنيوي المرتبط بانعدام الثقة، وهو نتاج تراكم تاريخي من الاتفاقات المنهارة والتجارب الفاشلة، على رأسها تداعيات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال إدارة دونالد ترامب. فقد عزَّز هذا الانسحاب قناعة لدى النخبة الإيرانية بأن أي اتفاق مع واشنطن يظل هشًّا وقابلًا للانهيار مع تغير الإدارات، وهو ما يجعل تقديم تنازلات إستراتيجية أمرًا عالي الكلفة سياسيًّا.

ثالثها: الانسداد المرتبط بتضارب دوائر النفوذ الإقليمي؛ حيث لا يمكن فصل الملف النووي عن شبكة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، والتي تشمل فاعلين غير دولتيين تعدهم واشنطن أدوات لزعزعة الاستقرار، بينما تراهم طهران حلفاء وامتدادًا لعقيدتها الدفاعية القائمة على الردع غير المتماثل. هذا التداخل بين النووي والإقليمي جعل أي تسوية جزئية غير ممكنة، لأن كل ملف بات مشروطًا بالآخر.

ضمن هذا السياق، تبدو تصريحات جي دي فانس بعد انتهاء المحادثات دالَّة على طبيعة الفشل؛ إذ لم يُقدَّم الإخفاق بوصفه تعثرًا مشتركًا، بل كخسارة إيرانية بالدرجة الأولى، وهو خطاب يعكس استمرار المقاربة الصفرية في إدارة التفاوض؛ حيث يُنظر إلى المكاسب بوصفها أحادية لا تراكمية. هذا النمط من الخطاب يعمِّق فجوة الثقة ويجعل من الصعب الانتقال إلى مرحلة بناء التزامات متبادلة.

من جهة أخرى، لا يخلو اختيار باكستان وسيطًا من دلالات جيوسياسية. فإسلام آباد تحاول إعادة تموضعها فاعلًا دبلوماسيًّا في لحظة دولية تتسم بتعدد الوسطاء وتراجع الاحتكار الغربي لمسارات التفاوض. غير أن محدودية أدوات الضغط الباكستانية، مقارنة بقوى أخرى كالاتحاد الأوروبي أو الصين، جعلت الوساطة أقرب إلى توفير منصة حوار منها إلى فرض تسوية. وعلى مستوى أعمق، يمكن قراءة فشل محادثات إسلام آباد كجزء من تحول أوسع في طبيعة النظام الدولي؛ حيث يتراجع منطق التسويات متعددة الأطراف لصالح منطق الصفقات القسرية أو الضغوط القصوى. ففي ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى لم يعد هناك حافز كافٍ لفرض تسويات مستقرة بل باتت الأزمات تُدار بما يخدم إعادة توزيع النفوذ.

ما كشفته هذه الجولة التفاوضية، في جوهره، هو أن الأزمة الأميركية-الإيرانية لم تعد أزمة قابلة للحل عبر أدوات الدبلوماسية التقليدية وحدها بل أصبحت تعبيرًا عن صراع بنيوي أعمق يتعلق بإعادة تعريف التوازنات الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن تعثر مفاوضات إسلام آباد، أو فشلها، لا يمثل نهاية مسار تفاوضي فحسب بل يعكس حدود النظام الدولي الحالي في إنتاج تسويات مستقرة في مناطق التوتر.

1. الملفات الستة العالقة: تفكيك جوهر التباين الإستراتيجي بين واشنطن وطهران

إذا كان فشل محادثات إسلام آباد يعكس انسدادًا دبلوماسيًّا على مستوى الشكل فإن جوهر هذا الانسداد يتجسد في طبيعة الملفات الستة التي طرحتها الولايات المتحدة بوصفها شروطًا غير قابلة للتفاوض. هذه الملفات لا تمثل مجرد نقاط خلاف تقنية بل تعبِّر عن تصور شامل لإعادة هندسة السلوك الإستراتيجي لإيران، وهو ما يفسر رفض طهران التعامل معها كحزمة واحدة. ويكشف تحليل هذه الملفات عن بنية عميقة من التباين يمكن فهمها عبر ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى الأمن النووي، ومستوى التوازن الإقليمي، ومستوى التحكم الإستراتيجي في الجغرافيا السياسية.

في المستوى الأول، المتعلق بالبرنامج النووي، يتمحور الخلاف حول مطلب "التصفير الكامل" الذي تطرحه واشنطن، أي إنهاء تخصيب اليورانيوم وتفكيك البنية التحتية المرتبطة به. من منظور أميركي، يمثِّل هذا الشرط الضمان الوحيد لمنع تحول إيران إلى دولة عتبة نووية. وهو تصور يستند إلى مقاربة الردع الوقائي، التي ترى أن مجرد امتلاك القدرة التقنية يشكل تهديدًا إستراتيجيًّا(1). غير أن هذا الطرح يتجاهل البعد السيادي الذي تتمسك به إيران؛ حيث تعتبر أن حقها في تخصيب اليورانيوم جزء من حقوقها كدولة موقِّعة على معاهدة عدم الانتشار النووي، وأن التخلي الكامل عنه يعني القبول بوضعية دونية داخل النظام الدولي(2).

أما المطلب المتعلق بتفكيك المنشآت النووية، فهو يتجاوز مسألة الحد من التخصيب إلى إعادة تشكيل القدرات العلمية والتكنولوجية للدولة الإيرانية. فالأمر لا يتعلق فقط بإزالة أجهزة الطرد المركزي بل بتفكيك منظومة معرفية متراكمة، وهو ما يجعل هذا الشرط، في نظر طهران، مساسًا بجوهر مشروعها الوطني(3). من هنا، يمكن فهم الرفض الإيراني ليس فقط بوصفه موقفًا سياسيًّا بل كاستجابة لبنية عميقة من القلق الوجودي المرتبط بفقدان أدوات القوة الذاتية.   

في المستوى الثاني، المرتبط بالتوازن الإقليمي، تتجلى الفجوة بشكل أوضح في ملف "إنهاء تمويل الوكلاء". فبينما ترى واشنطن أن الشبكات المرتبطة بإيران، مثل حزب الله، تمثل أدوات لزعزعة الاستقرار الإقليمي، تنظر طهران إلى هذه الشبكات كجزء من عقيدة دفاعية تقوم على الردع غير المتماثل. نشأت هذه العقيدة في سياق إدراك إيراني لعدم تكافؤ القوة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وبالتالي فإن التخلي عنها يعني، من منظور إيراني، فقدان خط الدفاع الأول خارج الحدود(4).

يزداد هذا التباين حدة عند النظر إلى مطلب "القبول بسلام إقليمي أوسع"، الذي يبدو في ظاهره دعوة للاستقرار، لكنه في مضمونه يعكس محاولة لإدماج إيران في نظام أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة. يقوم هذا النظام على مبدأ الترتيبات الأمنية الجماعية التي تحد من استقلالية الفاعلين الإقليميين، وهو ما يتعارض مع الرؤية الإيرانية القائمة على تعددية مراكز القوة ورفض الهيمنة الأحادية(5).

في المستوى الثالث، المرتبط بالجغرافيا السياسية، يظهر ملف "تحرير الملاحة في مضيق هرمز" كأحد أكثر النقاط حساسية. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي بل يمثِّل ورقة ضغط مركزية في الإستراتيجية الإيرانية؛ حيث يُستخدم أداة ردع اقتصادية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. وبالتالي، فإن التخلي عن هذه الورقة يعني فقدان أحد أهم عناصر القوة التفاوضية(6).

أما مطلب استعادة مخزونات اليورانيوم، فهو يعكس رغبة أميركية في إزالة أي إمكانية لإعادة بناء البرنامج النووي بسرعة، وهو ما يُعرف في أدبيات الأمن الإستراتيجي بمفهوم "زمن الاختراق". غير أن هذا المطلب، مثل غيره، يُنظر إليه في طهران كجزء من إستراتيجية احتواء شاملة تهدف إلى تجريدها من أدوات الردع على المدى الطويل.

ما يجمع هذه الملفات الستة هو أنها لا تتعامل مع السلوك الإيراني كظاهرة قابلة للتعديل بل كمنظومة يجب إعادة بنائها من الأساس. وهذا ما يجعلها، من منظور نظريات العلاقات الدولية، أقرب إلى شروط "استسلام تفاوضي" منها إلى تسوية متبادلة(7). في هذا السياق، يصبح الفشل في التوصل إلى اتفاق نتيجة منطقية، وليس مفاجأة.

على مستوى أعمق، يمكن قراءة هذه المطالب الأميركية كجزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بحيث يتم تقليص دور القوى غير المتحالفة مع واشنطن، وفي مقدمتها إيران. غير أن هذه الإستراتيجية تصطدم بحقيقة أن إيران، رغم الضغوط، نجحت في بناء شبكة نفوذ معقدة تجعل من الصعب عزلها أو احتواؤها بالكامل. من هنا، فإن التباين بين الطرفين لا يتعلق فقط بمضمون الملفات بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي يسعى كل طرف إلى تكريسه. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى نظام قائم على الضبط والاحتواء تسعى إيران إلى نظام يقوم على التوازن والتعددية، وهو تناقض يصعب حلُّه عبر أدوات التفاوض التقليدية.

2. مضيق هرمز ومنطق حافة الهاوية

يمثل التصعيد الذي أعقب فشل محادثات إسلام آباد انتقالًا نوعيًّا في إدارة الأزمة الأميركية-الإيرانية، من مستوى الضغط الدبلوماسي إلى مستوى إعادة تشكيل الوقائع الميدانية، وبشكل خاص في مضيق هرمز. فهذا الممر المائي، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، لا يُعد مجرد نقطة جغرافية بل يمثل عقدة إستراتيجية تختزل التداخل بين الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي؛ ما يجعله مركزًا مثاليًّا لتطبيق إستراتيجيات الردع والتصعيد في آن واحد.

إن قرار دونالد ترامب فرض حصار عسكري على المضيق لا يمكن فهمه بوصفه إجراءً تكتيكيًّا معزولًا بل هو تعبير عن تبنِّي مقاربة "الإكراه بالقوة"، وهي مقاربة تستند إلى فرض كلفة مباشرة على الخصم لإجباره على تعديل سلوكه(8). في هذا الإطار، يصبح المضيق أداة ضغط اقتصادية بقدر ما هو ساحة عمليات عسكرية؛ حيث تسعى واشنطن إلى خنق صادرات النفط الإيرانية، وبالتالي تقويض أحد أهم مصادر القوة المالية للدولة.

غير أن هذا الخيار يفتح المجال أمام ديناميات تصعيد معقدة، يمكن تحليلها من خلال مفهوم "حافة الهاوية"، الذي طوَّره توماس شيلينغ، والذي يقوم على دفع الأزمة إلى حافة الانفجار دون الانزلاق الكامل إلى الحرب، بهدف انتزاع تنازلات من الطرف الآخر(9). في هذا السياق، فإن التحركات العسكرية الأميركية، بما في ذلك دخول السفن الحربية لتطهير الألغام البحرية، لا تهدف بالضرورة إلى بدء حرب شاملة بل إلى خلق بيئة ضغط قصوى تدفع إيران إلى إعادة حساباتها.

إلا أن المشكلة البنيوية في هذا النوع من الإستراتيجيات تكمن في أنها تعتمد على افتراض عقلانية متبادلة وقدرة دقيقة على التحكم في مستويات التصعيد، وهو افتراض غالبًا ما تثبت هشاشته في البيئات عالية التوتر. فإيران، التي طورت على مدى عقود، عقيدة دفاعية قائمة على الردع غير المتماثل، تملك بدورها أدوات للرد يمكن أن تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، بما في ذلك استهداف الملاحة أو توسيع نطاق الاشتباك عبر وكلائها الإقليميين(10).

في هذا الإطار، لا يمكن فصل التصعيد في مضيق هرمز عن بنية العقيدة العسكرية الإيرانية، التي تقوم على مبدأ "الحرمان من الوصول"، أي جعل تكلفة العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة مرتفعة إلى حدٍّ يحدُّ من فاعليتها. هذه العقيدة تعتمد على مزيج من القدرات التقليدية وغير التقليدية، بما في ذلك الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، ما يجعل أي محاولة للسيطرة الكاملة على المضيق محفوفة بالمخاطر(11).

من جهة أخرى، تعكس تصريحات دونالد ترامب، لاسيما قوله: "سنكسب في كل الأحوال"، تحولًا في الخطاب السياسي من منطق إدارة المخاطر إلى منطق الحسم المطلق. هذا النوع من الخطاب، الذي يمكن وصفه بـ"عقيدة الفوز الحتمي"، يعكس تبسيطًا مفرطًا لتعقيدات الصراع؛ حيث يتم اختزال النتائج في ثنائية الفوز/الخسارة، دون اعتبار للتكاليف طويلة المدى أو للتداعيات غير المباشرة(12). وفي الأدبيات الإستراتيجية، يُنظر إلى هذا النمط من التفكير بوصفه محفزًا للتصعيد لأنه يقلِّل من حساسية صانع القرار تجاه المخاطر.

على المستوى العملياتي، يضع دخول القوات الأميركية إلى المضيق الطرفين في حالة "اشتباك غير معلن"؛ حيث يصبح أي حادث عرضي، مثل استهداف سفينة أو اشتباك محدود، قابلًا للتحول إلى مواجهة أوسع، وفق أدبيات "سلم التصعيد"، التي توضح كيف يمكن أن تتدرج النزاعات من مستويات منخفضة إلى مستويات عالية من العنف عبر سلسلة من التفاعلات غير المقصودة(13). كما أن اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار يضيف بُعدًا زمنيًّا للتصعيد، حيث يتحول الزمن نفسه إلى عامل ضغط يدفع الأطراف نحو اتخاذ قرارات سريعة قد تفتقر إلى الحسابات الدقيقة. في مثل هذه الظروف، يصبح احتمال "سوء التقدير الإستراتيجي" مرتفعًا، وهو أحد أهم أسباب اندلاع الحروب في التاريخ الحديث.

من زاوية أوسع، يمكن قراءة التصعيد في مضيق هرمز كجزء من تحول في طبيعة الصراعات الدولية. فالمواجهات لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية بل أصبحت تشمل أدوات اقتصادية وجيوسياسية معقدة. والمضيق هنا، لا يمثل ساحة عسكرية وحسب، بل أيضًا نقطة ارتكاز في صراع أوسع حول التحكم في تدفقات الطاقة العالمية، وهو ما يربط الأزمة مباشرة ببنية الاقتصاد العالمي.

إن ما يجعل هذا التصعيد بالغ الخطورة هو تداخله مع مصالح قوى دولية أخرى تعتمد على استقرار تدفقات النفط، ما يفتح الباب أمام تدويل الأزمة بشكل أوسع. في هذا السياق، قد يتحول أي تصعيد محلي إلى أزمة عالمية، خصوصًا في ظل هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده الكبير على استقرار أسواق الطاقة.

في المحصلة، لا يمكن فهم التصعيد في مضيق هرمز بوصفه مجرد رد فعل على فشل التفاوض بل يجب النظر إليه كمرحلة جديدة في إدارة الصراع، تتسم بتراجع أدوات الدبلوماسية لصالح منطق القوة، وبتزايد الاعتماد على إستراتيجيات الضغط القصوى التي تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

3. التداعيات الاقتصادية للأزمة: من صدمة الطاقة إلى التضخم البنيوي وإعادة تشكيل المزاج الاجتماعي الأميركي

إذا كان التصعيد في مضيق هرمز يمثل الوجه العسكري للأزمة الأميركية-الإيرانية، فإن انعكاسه الاقتصادي يمثِّل الوجه الأكثر اتساعًا وتأثيرًا، لا لأن الاقتصاد يأتي بعد الأمن في ترتيب الأولويات وحسب بل لأن الحروب المعاصرة لم تعد تُقاس فقط بنتائجها الميدانية، وإنما أيضًا بقدرتها على إعادة توزيع الكلفة داخل المجتمعات، وتوليد ضغوط اجتماعية وسياسية قد يفوق أثرها أثر الاشتباكات العسكرية المباشرة. بهذا المعنى، لا ينبغي التعامل مع الارتفاع الحاد في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة بوصفه مجرد أثر سوقي عابر، بل بوصفه مؤشرًا على هشاشة البنية الاقتصادية الداخلية أمام صدمات الطاقة الخارجية، وعلى عمق الترابط بين الجغرافيا الإستراتيجية للشرق الأوسط والاستقرار الاجتماعي الأميركي(14).

إن أي اضطراب في مضيق هرمز لا يظل محصورًا ضمن نطاقه البحري الضيق، لأن هذا الممر يشكِّل إحدى العقد المركزية في نظام الطاقة العالمي، ومن ثم فإن تعطل الملاحة أو ارتفاع مستوى المخاطر فيه يرفع كلفة التأمين والشحن والتوريد في آن واحد، وهو ما ينعكس سريعًا على أسعار النفط الخام، ثم على المشتقات، ثم على مجمل مستويات الأسعار في الاقتصادات الصناعية والنامية على حدٍّ سواء(15). وهذا ما يفسر انتقال الأزمة من مشهد عسكري-دبلوماسي إقليمي إلى موجة ضغط معيشية محسوسة داخل السوق الأميركية، حيث تتحول أسعار الوقود إلى المؤشر الأكثر مباشرة في وعي المواطن العادي، وإلى المقياس الذي تُختبر من خلاله كفاءة الإدارة السياسية.

وفي حالة الولايات المتحدة، تكتسب هذه المسألة حساسية خاصة، لأن الوقود ليس مجرد سلعة استهلاكية بل عنصرًا تأسيسيًّا في البنية الاجتماعية للمجتمع الأميركي. فالحياة اليومية والتنقل وسلاسل التوريد وأسعار الغذاء وكلفة الخدمات ترتبط جميعها، بدرجات متفاوتة، بسعر الطاقة. لذلك، فإن أي زيادة حادة في أسعار البنزين لا تُقرأ اجتماعيًّا بوصفها ظاهرة اقتصادية مجردة بل كتهديد مباشر لمستوى المعيشة، لاسيما لدى الطبقات الوسطى والدنيا، التي تعتمد على المركبات الخاصة بشكل شبه كامل في التنقل والعمل(16).

ضمن هذا الإطار، يصبح الارتفاع الكبير في أسعار الوقود نتيجة مباشرة لصدمة جيوسياسية تحولت إلى تضخم معيشـي. والمقصود هنا ليس فقط الزيادة الرقمية في سعر الجالون وإنما ما تولده هذه الزيادة من إحساس عام بفقدان السيطرة. وهو إحساس يضرب الثقة بالحكومة وبجدوى خياراتها الخارجية. فالاقتصاد السياسي للأزمة لا يقوم فقط على علاقة العرض والطلب وإنما أيضًا على العلاقة بين القرار العسكري وإدراك المجتمع لكلفته(17). وكلما شعر المواطن بأن الحرب تُدار دون أفق واضح، وبأن أعباءها تنتقل مباشرة إلى جيبه، ازدادت قابلية الأزمة للتحول من ملف خارجي إلى أزمة شرعية داخلية.

من المهم هنا التمييز بين التضخم الدوري والتضخم البنيوي؛ فالتضخم الدوري قد ينشأ عن صدمة مؤقتة في الأسعار ثم يتراجع مع استقرار الأسواق، أما التضخم البنيوي فهو ذلك الذي يبدأ في التسلل إلى قطاعات متعددة ويعيد تشكيل منظومة الأسعار العامة بطريقة أكثر عمقًا واستدامة. وفي حالة الأزمات النفطية، كثيرًا ما يتحول الارتفاع الأولي في أسعار الطاقة إلى محرِّك لسلسلة أوسع من الزيادات تشمل النقل والإنتاج والتخزين والغذاء والخدمات، بما يجعل الطاقة بمنزلة "مضاعِف تضخمي" لا مجرد بند من بنود الإنفاق(18).

ولعل أحد أهم أبعاد هذه الأزمة أنها تكشف من جديد أن الولايات المتحدة، رغم تحولاتها في إنتاج الطاقة خلال العقدين الأخيرين، لم تتحرر تمامًا من تأثيرات السوق العالمية. فالاستقلال النسبي في الإنتاج لا يلغي أن أسعار الطاقة تُحدَّد داخل شبكة عالمية مترابطة، وأن مجرد تعطل الإمدادات أو ارتفاع علاوات المخاطر في نقطة إستراتيجية مثل هرمز، كفيل بإعادة تسعير السوق الأميركية نفسها(19). وهكذا، يتبدد الوهم القائل: إن القوة العظمى قادرة على عزل اقتصادها الداخلي عن التداعيات الخارجية لخياراتها الجيوسياسية.

وتتعمق المشكلة حين نضع هذه التطورات في سياق اجتماعي أوسع؛ حيث لا تُقاس آثار ارتفاع أسعار الوقود بحجم الاستهلاك فقط بل بما تتركه من أثر نفسي وسلوكي. فحين يبدأ المواطنون في وصف تكاليف الطاقة بأنها "عبء مالي"، فذلك لا يشير إلى ارتفاع الأسعار فحسب بل إلى تحول اقتصادي في إدراك الأمن الشخصي. بعبارة أخرى، تصبح الطاقة جزءًا من أمن الأسرة لا مجرد جزء من دورة السوق. وهذا التحول في الإدراك بالغ الأهمية، لأنه يربط السياسة الخارجية مباشرة بمخاوف الحياة اليومية، ويحوِّل الحرب البعيدة إلى أزمة محلية محسوسة في محطات الوقود، وفواتير النقل، وأسعار السلع الأساسية(20).

ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على صانع السياسة النقدية والمالية معًا. فمن جهة، يؤدي التضخم المدفوع بالطاقة إلى تقليص القدرة الشرائية وزيادة التوترات الاجتماعية. ومن جهة ثانية، قد يدفع السلطات النقدية إلى الإبقاء على سياسات مشددة أو أكثر حذرًا؛ الأمر الذي ينعكس سلبيًّا على النمو والاستثمار وسوق العمل. وهكذا، تتولد معضلة كلاسيكية في الاقتصاد السياسي للحرب تتعلق بكيفية تمويل الدولة انخراطًا خارجيًّا مرتفع الكلفة، بينما تواجه في الداخل ضغوطًا اجتماعية تطالب بتخفيف الأعباء المعيشية؟(21).

في هذا السياق، لا يكون التضخم مجرد متغير اقتصادي بل يصبح مؤشرًا على حدود القوة. فالدولة التي تملك فائضًا عسكريًّا هائلًا قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع كلفة سياسية باهظة إذا عجزت عن حماية المستوى المعيشي لمواطنيها. من هنا، فإن أزمات الطاقة، بخلاف كثير من الأزمات الأخرى، تكشف بسرعة العلاقة الملتبسة بين القوة الخارجية والاستقرار الداخلي. فكلما ارتفعت كلفة فرض الإرادة الجيوسياسية في الخارج تراجع الرصيد الاجتماعي الذي يسمح للنظام السياسي بتحمل هذه الكلفة في الداخل.

وإذا عدنا إلى البعد التاريخي، نجد أن الأزمات النفطية السابقة كثيرًا ما تركت آثارًا سياسية عميقة في الولايات المتحدة والغرب عمومًا. فصدمة النفط في السبعينات لم تكن مجرد أزمة سوق بل مثَّلت لحظة أعادت تعريف العلاقة بين الأمن القومي والطاقة، ودفعت إلى مراجعات إستراتيجية واسعة في مفاهيم الاعتماد والاحتياطيات والسياسات الخارجية. واليوم، على الرغم من اختلاف السياق الدولي، فإن الأزمة الراهنة تعيد إنتاج جزء من هذه المعضلة: كيف يمكن إدارة صراع في منطقة مركزية للطاقة دون دفع أثمان تضخمية وسياسية مرتفعة؟

إن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن المجتمع الأميركي أكثر استقطابًا وأكثر حساسية تجاه الأسعار وأقل استعدادًا لتقبل التضحيات الطويلة غير الواضحة الغاية. لذلك، فإن أي ارتفاع مستمر في أسعار الوقود لا يُترجم فقط إلى ضغط اقتصادي بل إلى تفكيك تدريجي للسردية الرسمية التي تبرِّر التصعيد الخارجي. فحين تصبح الحرب مرادفة لارتفاع أسعار البنزين، ومرادفة لغلاء الغذاء والنقل، فإن الخطاب الأخلاقي أو الأمني يفقد جزءًا كبيرًا من فاعليته أمام منطق الحياة اليومية.

وهنا يظهر بوضوح البعد البنيوي للأزمة: فليست المشكلة أن أسعار الوقود ارتفعت وحسب بل أن هذه الزيادة تأتي في بيئة اقتصادية مثقلة أصلًا بحساسيات التضخم والديون والاستقطاب الحزبي وعدم اليقين بشأن الأولويات الوطنية. وهذا ما يجعل صدمة الطاقة الحالية أكثر من مجرد حلقة عابرة. إنها قد تتحول إلى آلية لإعادة ترتيب المجال السياسي الأميركي نفسه، من خلال تعزيز المطالبات بكبح الانخراط الخارجي أو مراجعة الإستراتيجية تجاه الشرق الأوسط أو حتى إعادة تعريف معنى الأمن القومي بحيث لا يكون منفصلًا عن أمن المعيشة.

يكشف هذا التطور عن معضلة أوسع تتجاوز الولايات المتحدة إلى الاقتصاد العالمي. فكل ارتفاع حاد في أسعار النفط يعيد توزيع الأرباح والخسائر بين الدول المصدِّرة والمستوردة، ويؤثر في معدلات النمو، ويضغط على العملات، ويعمِّق هشاشة الدول الفقيرة المستوردة للطاقة. وبذلك، فإن التصعيد في مضيق هرمز لا يمثل فقط خطرًا على التضخم الأميركي بل على استقرار اقتصادي عالمي أوسع، خصوصًا في الدول التي لا تملك هوامش مالية كافية لامتصاص صدمات أسعار الطاقة(22).

في ضوء ذلك، يمكن القول: إن الأزمة الأميركية-الإيرانية دخلت، عبر بوابة الطاقة، مرحلة لم يعد فيها الاقتصاد مجرد ساحة انعكاس للحرب بل أحد محددات استمرارها أو تقييدها. فكلما ازدادت كلفة الطاقة تضاعف الضغط على صانع القرار، واتسعت الفجوة بين منطق القوة في الخارج ومنطق المعيشة في الداخل. ومن ثم فإن السؤال الاقتصادي لا يقل أهمية عن السؤال العسكري: ليس فقط هل تستطيع واشنطن التصعيد، بل هل تستطيع تحمُّل نتائجه الاجتماعية والسياسية إذا طال أمده؟

هذا البعد بالذات، هو ما يجعل صدمة الوقود أكثر من مجرد خبر اقتصادي، فهي تعبير عن حدود القدرة الإمبراطورية في عصر الترابط العالمي. فالقوة العسكرية تستطيع تعطيل الممرات وفرض الحصار لكنها لا تستطيع بسهولة التحكم في النتائج المتسلسلة التي تطلقها في الأسواق، ولا في طريقة استقبال المجتمعات لهذه النتائج. وعليه، فإن أحد أخطر أوجه الأزمة الراهنة يكمن في أنها تضع الدولة الأقوى في العالم أمام اختبار داخلي صامت، اختبار القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار اقتصادي واجتماعي. وهو اختبار لا تحسمه حاملات الطائرات وحدها بل أيضًا محطات الوقود، ومؤشرات الأسعار، وقدرة المجتمع على احتمال الكلفة.

4. المشهد السياسي الداخلي الأميركي: انقسام الرأي العام وأزمة الشرعية في إدارة الصراع

إذا كانت التداعيات الاقتصادية للتصعيد في مضيق هرمز قد كشفت عن هشاشة البنية المعيشية أمام صدمات الطاقة فإن انعكاساتها السياسية داخل الولايات المتحدة تمثل مستوى أكثر عمقًا من الأزمة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع محددات الشرعية الديمقراطية. فالحروب الحديثة، بخلاف الحروب التقليدية، لا تُخاض فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في المجال العام؛ حيث يصبح الرأي العام عاملًا حاسمًا في تحديد مدى استدامة أي انخراط خارجي.

في هذا السياق، تكشف مؤشرات الرأي العام عن تآكل ملحوظ في الثقة بإدارة الأزمة، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يبرر التصعيد على أساس الضرورات الأمنية، والإدراك الشعبي الذي يقيس كلفة هذا التصعيد من خلال انعكاساته المباشرة على الحياة اليومية، لاسيما أسعار الوقود والتضخم. هذه الفجوة ليست جديدة في التاريخ الأميركي، لكنها تتخذ في الحالة الراهنة طابعًا أكثر حدة بسبب التداخل المباشر بين الحرب والاقتصاد؛ حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين السياسة الخارجية والوضع المعيشي الداخلي.

إن أحد أهم مفاتيح فهم هذا التحول يكمن في مفهوم "إجهاد الحرب"، الذي يشير إلى تراجع استعداد المجتمعات لدعم الانخراط العسكري طويل الأمد، خصوصًا عندما تكون أهدافه غير واضحة أو نتائجه غير ملموسة. وقد تَعَزَّز هذا الاتجاه في الولايات المتحدة بعد تجارب ممتدة في العراق وأفغانستان؛ حيث تركت تلك الحروب إرثًا من الشكوك تجاه جدوى التدخلات الخارجية، وهو إرث لا يزال يؤثر في كيفية استقبال أي تصعيد جديد(23).

في هذا الإطار، يصبح التراجع في نسب التأييد الشعبي لإدارة دونالد ترامب للأزمة مؤشرًا على أزمة أعمق تتعلق بقدرة القيادة السياسية على صياغة سردية مقنعة للصراع. فالدعم الشعبي لا يتشكل فقط بناءً على النتائج بل على وضوح الأهداف وإدراك الجمهور لمبرراتها. وعندما يغيب هذا الوضوح، أو يُنظر إلى الأهداف بوصفها متناقضة أو غير متماسكة، فإن الشرعية السياسية تبدأ في التآكل تدريجيًّا.

يزداد هذا التحدي تعقيدًا في ظل الانقسام الحزبي الحاد الذي يميز الحياة السياسية الأميركية في السنوات الأخيرة. ففي حين يميل الديمقراطيون إلى تحميل الإدارة مسؤولية التداعيات الاقتصادية، خصوصًا ارتفاع أسعار الطاقة، يركز الجمهوريون على البُعد الأمني للصراع، معتبرين أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل أولوية تتقدم على الاعتبارات الاقتصادية قصيرة المدى. هذا الانقسام لا يعكس مجرد اختلاف في التقييم بل يكشف عن رؤيتين متباينتين لدور الولايات المتحدة في العالم: رؤية تميل إلى الانخراط الحذر، وأخرى تميل إلى الحسم الإستراتيجي.

لكن هذا الاستقطاب لا يبقى محصورًا داخل النخب السياسية بل يمتد إلى المجتمع ويعاد إنتاجه عبر وسائل الإعلام والخطابات العامة؛ ما يؤدي إلى تآكل "الإجماع الإستراتيجي"، الذي كان يميز السياسة الخارجية الأميركية في مراحل سابقة، لاسيما خلال الحرب الباردة. ومع غياب هذا الإجماع، تصبح كل خطوة في السياسة الخارجية موضع جدل داخلي، وهو ما يحد من قدرة الدولة على التحرك بثبات في الأزمات الممتدة(24).

على المستوى المؤسسي، يتجلَّى هذا التوتر في العلاقة بين السلطة التنفيذية والكونغرس، خصوصًا فيما يتعلق بتمويل العمليات العسكرية. فطلب "ملحق الميزانية" لتمويل التصعيد يضع المشرِّعين أمام معادلة معقدة. فمن جهة، هناك ضغط لدعم القوات المسلحة وعدم الظهور بمظهر المعرقل للأمن القومي، ومن جهة أخرى، هناك ضغوط انتخابية وشعبية للحدِّ من الإنفاق العسكري في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية. تعكس هذه المعضلة ما يسميه بعض الباحثين "مفارقة القوة الديمقراطية"؛ حيث تقيِّد المؤسسات التمثيلية قدرة الدولة على استخدام قوتها الخارجية بشكل مطلق. كما أن ارتفاع حجم الإنفاق الدفاعي، الذي يقترب من مستويات تاريخية، يثير تساؤلات أوسع حول أولويات السياسة العامة. ففي بيئة تتسم بتحديات داخلية متزايدة، من التضخم إلى البنية التحتية والرعاية الصحية، يصبح تخصيص موارد إضافية للعمليات العسكرية قرارًا سياسيًّا حساسًا، يمكن أن يؤثر في التوازنات الانتخابية وفي صورة الإدارة لدى الناخبين.

من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذه التطورات في إطار ما يُعرف بـ"أزمة الشرعية الإستراتيجية"، وهي الحالة التي تفقد فيها الدولة قدرتها على إقناع جمهورها بجدوى خياراتها الخارجية، حتى وإن كانت تمتلك الوسائل العسكرية لتنفيذها. ففي الأنظمة الديمقراطية، لا يكفي امتلاك القوة، بل يجب أيضًا تبرير استخدامها بطريقة مقبولة اجتماعيًّا. وعندما تتآكل هذه القدرة، يصبح استمرار الصراع أكثر كلفة سياسيًّا، حتى لو ظل ممكنًا عسكريًّا(25). ويزداد هذا التحدي في ظل البيئة الإعلامية المعاصرة، حيث تتدفق المعلومات بشكل سريع ومتعدد المصادر؛ ما يجعل من الصعب على أي إدارة احتكار السردية أو التحكم الكامل في تفسير الأحداث. فكل تطور في الأزمة، سواء كان عسكريًّا أو اقتصاديًّا، يخضع لتحليل فوري ونقاش عام، وهو ما يعزز من حساسية الرأي العام ويزيد من تقلباته.

كما أن الربط المباشر بين التصعيد الخارجي وارتفاع تكاليف المعيشة يخلق دينامية سياسية خاصة؛ حيث تتحول القضايا الدولية إلى قضايا انتخابية داخلية. ففي مثل هذه الحالات، لا يُقيَّم الأداء الحكومي فقط بناءً على تحقيق الأهداف الإستراتيجية بل أيضًا على قدرته على حماية المستوى المعيشي للمواطنين. وهذا ما يجعل من الصعب الفصل بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، ويحوِّل كل قرار خارجي إلى قرار له انعكاسات انتخابية مباشرة.

في المحصلة، يكشف المشهد السياسي الداخلي الأميركي عن أن الأزمة مع إيران لم تعد مجرد اختبار للقدرة العسكرية أو الدبلوماسية بل أصبحت اختبارًا لقدرة النظام السياسي نفسه على إدارة التوتر بين متطلبات الأمن الخارجي وضغوط الشرعية الداخلية. فكلما طال أمد الأزمة، وكلما ارتفعت كلفتها الاقتصادية، ازداد الضغط على صانع القرار لإعادة تقييم إستراتيجيته، ليس فقط في ضوء توازن القوى الدولية بل أيضًا في ضوء توازنات الرأي العام الداخلي.

تعيد هذه المعادلة طرح سؤال كلاسيكي في العلاقات الدولية عن المدى الذي يمكن أن تبلغه الديمقراطيات في خوض صراعات طويلة دون أن تفقد دعم مجتمعاتها. وفي الحالة الراهنة، يمكن للإجابة على هذا السؤال أن تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مسار الأزمة الأميركية-الإيرانية، وربما في إعادة تشكيل دور الولايات المتحدة في النظام الدولي ككل.

5. نحو فهم تركيبي للأزمة بين حدود القوة وتحولات النظام الدولي

تكشف الأزمة الأميركية-الإيرانية، في صورتها الراهنة، عن كونها تتجاوز إطارها الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران، لتتحول إلى نموذج مكثف لتحولات أعمق تمس طبيعة النظام الدولي ذاته، وحدود استخدام القوة، والعلاقة المركبة بين الداخل والخارج في صناعة القرار الإستراتيجي. فمن خلال تتبع مسار الأحداث، بدءًا من تعثر المسار التفاوضي في إسلام آباد، مرورًا بتصاعد التوتر في مضيق هرمز، وصولًا إلى تداعياته الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة، يتضح أن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة أو نزاعًا قابلًا للاحتواء السريع، بل حالة اختبار معقدة لفاعلية أدوات القوة التقليدية في بيئة دولية تتسم بتراجع اليقين، وتعدد مراكز الفعل، وتزايد التشابك بين المستويات المختلفة للصراع. فالدبلوماسية، رغم استمرار حضورها أداةً رسمية، لم تعد قادرة بمفردها على إنتاج تسويات مستقرة عندما يكون التباين بين الأطراف تباينًا بنيويًّا لا إجرائيًّا؛ إذ لا يتعلق الخلاف بتفاصيل تقنية يمكن تعديلها بل بتصورات متناقضة حول الأمن والسيادة والدور الإقليمي. وهذه المسائل لا تُحل عبر التفاوض التقليدي بل تتطلب إعادة تعريف أوسع لقواعد التفاعل وهو ما لم يكن متاحًا في ظل بيئة يغلب عليها انعدام الثقة وتراكم الخبرات السلبية.

في مقابل هذا العجز النسبي للأداة الدبلوماسية، برز التصعيد العسكري -لاسيما في مضيق هرمز- بديلًا يسعى إلى فرض الوقائع من خلال منطق القوة. غير أن هذا التحول لا يعكس انتقالًا نحو الحسم بقدر ما يعكس انتقالًا نحو تعقيد أكبر في إدارة الصراع. فاستخدام القوة في بيئة مشبعة بالهشاشة الإستراتيجية لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق نتائج نهائية بل قد يفتح المجال أمام تفاعلات غير متوقعة تتجاوز حسابات الأطراف الأصلية. فالقوة العسكرية، رغم قدرتها على فرض ضغوط مباشرة وسريعة، لا تضمن التحكم في مسار التصعيد، خاصة عندما يكون الطرف المقابل قد بنى عقيدته الدفاعية على امتصاص الضغوط وإعادة توزيعها عبر أدوات غير تقليدية، وهو ما يجعل أي محاولة للحسم العسكري الكامل رهينة احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع، أو إلى حالة استنزاف متبادل منخفض الحسم.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد أظهرت الأزمة بوضوح أن الترابط العالمي لم يعد يسمح بفصل المجال الجيوسياسي عن المجال المعيشي. فقد تحولت صدمة الطاقة الناتجة عن التوتر في مضيق هرمز إلى ضغط مباشر داخل الاقتصاد الأميركي، ليس فقط من خلال ارتفاع الأسعار بل من خلال ما ولَّدته هذه الزيادة من إحساس عام بفقدان السيطرة على المسار الاقتصادي. فالتضخم هنا لم يكن مجرد ظاهرة دورية بل أصبح تعبيرًا عن انتقال كلفة الصراع الخارجي إلى الداخل، وهو ما يعيد طرح السؤال حول حدود القدرة على ممارسة القوة في عالم مترابط، حيث لا يمكن فرض الضغوط على الخارج دون تحمل ارتداداتها في الداخل. في هذا السياق، تتجلى إحدى أهم مفارقات القوة الحديثة، حيث تتحول أدوات النفوذ نفسها إلى مصادر ضغط داخلي، بما يفرض على صانع القرار إعادة حساب الكلفة، ليس فقط من منظور إستراتيجي بل أيضًا من منظور اجتماعي وسياسي.

يتعمق هذا التحدي عند النظر إلى المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة؛ حيث تحولت الأزمة من ملف خارجي إلى عامل مؤثر في بنية التوازنات الداخلية، مع تصاعد حساسية الرأي العام تجاه الكلفة الاقتصادية وتزايد الاستقطاب الحزبي حول تفسير الأزمة وإدارتها. ففي ظل غياب إجماع إستراتيجي واسع، تصبح كل خطوة في السياسة الخارجية موضع جدل داخلي؛ ما يحد من قدرة الدولة على تبني مسارات طويلة الأمد تتطلب قدرًا من الاستقرار في صناعة القرار. كما أن تآكل الثقة في الخطاب الرسمي، نتيجة التباين بين الأهداف المعلنة والنتائج الملموسة، يعزز من أزمة الشرعية التي تواجهها الإدارة في تبرير استمرار التصعيد، وهو ما يجعل من إدارة الصراع عملية لا تقتصر على موازنة القوى في الخارج بل تمتد لتشمل موازنة دقيقة مع متطلبات الاستقرار الداخلي.

على مستوى أوسع، تعكس هذه الأزمة تحولًا في طبيعة النظام الدولي من نموذج يسمح بإنتاج حسم واضح إلى نموذج يتسم بالتعقيد والتداخل؛ حيث تتراجع القدرة على فرض نتائج نهائية، وتزداد أهمية إدارة التوترات ضمن حدود قابلة للتحمل. فالصراعات لم تعد تدور في مساحات منفصلة يمكن احتواؤها بسهولة بل أصبحت مترابطة اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، بحيث يؤدي أي تصعيد في نقطة معينة إلى سلسلة من التفاعلات الممتدة عبر النظام الدولي. في هذا السياق، يصبح مفهوم "النصر" ذاته موضع إعادة تعريف؛ إذ لم يعد يُقاس بالقدرة على إخضاع الخصم بل بمدى القدرة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى كلفة غير محتملة، وهو تحول يعكس حدود القوة في عالم متعدد الفاعلين ومتشابك المصالح.

في المحصلة، تبرز الأزمة الأميركية-الإيرانية بوصفها حالة كاشفة لمرحلة انتقالية في النظام الدولي؛ حيث تتآكل فاعلية الأدوات التقليدية، وتتزايد أهمية العوامل المركبة التي تربط بين الأمن والاقتصاد والسياسة الداخلية. ومن ثم، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه هذه الأزمة لا يتعلق فقط بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران بل بطبيعة القدرة على إدارة الصراعات في بيئة دولية لم يعد فيها الحسم خيارًا سهلًا، ولا الانكفاء خيارًا متاحًا بالكامل. بين هذين الحدَّين، تتحرك الدول في مساحة رمادية تفرض عليها التكيف المستمر، والموازنة الدقيقة بين القوة والكلفة، وبين الطموح الإستراتيجي وحدود الواقع.

ABOUT THE AUTHOR

References

(1) Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading: Addison-Wesley, 1979).

(2) Trita Parsi, Losing an Enemy: Obama, Iran, and the Triumph of Diplomacy (New Haven: Yale University Press, 2017).

(3) Ray Takeyh, Guardians of the Revolution (Oxford: Oxford University Press, 2009).

(4) Mohsen Milani, “Iran’s Regional Policy,” The Washington Quarterly, 2022.

(5) Stephen M. Walt, The Origins of Alliances (Ithaca: Cornell University Press, 1987).

(6) Daniel Yergin, The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations (New York: Penguin Press, 2020).

(7) Joseph S. Nye, Understanding International Conflicts (New York: Pearson, 2020).

(8) Alexander L. George, Forceful Persuasion: Coercive Diplomacy as an Alternative to War (Washington: United States Institute of Peace Press, 1991).

(9) Thomas C. Schelling, The Strategy of Conflict (Cambridge: Harvard University Press, 1960).

(10) Kenneth Katzman, Iran’s Foreign and Defense Policies (Congressional Research Service, 2023).

(11) Anthony H. Cordesman, Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities (CSIS, 2021).

(12) Richard Ned Lebow, Between Peace and War (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1981).

(13) Herman Kahn, On Escalation: Metaphors and Scenarios (New York: Praeger, 1965).

(14) Daniel Yergin, The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations (New York: Penguin Press, 2020).

(15) Bassam Fattouh and Andreas Economou, “Oil Supply Disruptions and the Global Economy,” Oxford Institute for Energy Studies, 2021.

(16) Meghan L. O’Sullivan, Windfall: How the New Energy Abundance Upends Global Politics and Strengthens America’s Power (New York: Simon & Schuster, 2017).

(17) Jeff D. Colgan, Petro-Aggression: When Oil Causes War (Cambridge: Cambridge University Press, 2013).

(18) Ben S. Bernanke, “Irreversibility, Uncertainty, and Cyclical Investment,” The Quarterly Journal of Economics 98, no. 1 (1983).

(19) Jason Bordoff and Meghan L. O’Sullivan, “The Age of Energy Insecurity,” Foreign Affairs 101, no. 3 (2022).

(20) Mark Blyth, Austerity: The History of a Dangerous Idea (New York: Oxford University Press, 2013).

(21) Joseph E. Stiglitz and Linda J. Bilmes, The Three Trillion Dollar War (New York: W. W. Norton, 2008).

(22) International Energy Agency, World Energy Outlook 2024 (Paris: IEA, 2024).

(23) Andrew J. Bacevich, The New American Militarism (Oxford: Oxford University Press, 2013).

(24) Melvyn P. Leffler, For the Soul of Mankind (New York: Hill and Wang, 2007).

(25) David A. Lake, “Legitimacy in International Relations,” International Organization, 2010.