مقدمة
تشهد العلاقات السورية-الأميركية عملية إعادة بناء على نحو متسارع منذ تغير المشهد السياسي في سوريا، إثر سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، ووصول المعارضة المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام إلى الحكم، والذي فتح المجال لحصول تغير تاريخي وغير مسبوق في العلاقات بين الطرفين لم تشهده منذ منتصف القرن الماضي؛ إذ تميز العام الأول بعد سقوط النظام بانفتاح أميركي لافت ومتسارع على دمشق، تجلَّى في لقاءات رئاسية وزيارات متبادلة، ورفع تدريجي ثم شامل للعقوبات، بما أعاد رسم العلاقة بين البلدين. إلا أن هذا المسار شهد تباطؤًا نسبيًّا في الآونة الأخيرة، قد يُعزى إلى تطورات إقليمية، في وقت تواجه فيه هذه العلاقة اختبارًا فعليًّا لمدى جديتها واستدامتها.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل العلاقة الناشئة بين سوريا والولايات المتحدة بعد هذا التحول في المشهد السياسي، وتحديد المحددات التي تحكمها من الجانبين، والتحديات التي تواجهها وقد تحُدُّ من تسارعها، فضلًا عن استشراف اتجاهات تأثيرها على سوريا ودورها في المنطقة.
أولًا: العلاقات الثنائية قبل سقوط نظام الأسد
تراوحت السياسة الأميركية تجاه سوريا بين محاولة احتوائها أو مواجهتها وصولًا إلى التواصل معها.
الاحتواء والضغط: قبل سقوط نظام الأسد، انتهجت الولايات المتحدة سياسة قائمة على الاحتواء والضغط تجاه سوريا(1)، تعود جذورها إلى مرحلة وصول حافظ الأسد إلى السلطة، عام 1970؛ حيث سعت واشنطن إلى احتواء دمشق بدلًا من مواجهتها المباشرة نظرًا لموقعها المحوري في معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي وارتباطاتها بالمعسكر السوفيتي آنذاك.
وقد أدَّت الولايات المتحدة دورًا في صياغة اتفاق فَكِّ الاشتباك، 1974، وتغاضت عن دخول الجيش السوري إلى لبنان، عام 1976. غير أن العلاقات تدهورت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، عام 1982، حين دعم نظام الأسد قوى معادية لإسرائيل والولايات المتحدة ما أسفر عن تفجيرات استهدفت قوات أميركية في بيروت. ومع ذلك، أبقى الأسد الأب على نهج براغماتي تجاه العلاقة مع واشنطن، فشاركت سوريا في عملية عاصفة الصحراء، عام 1991، ثم انخرطت إثرها في مؤتمر مدريد للسلام في العام ذاته.
التصعيد والضغط المؤسسي: بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، أظهر الرئيس بشار الأسد رغبة بالتعاون مع الولايات المتحدة، لكن سرعان ما تدهورت العلاقات مجددًا بعد حرب العراق، عام 2003؛ حيث اتهمت واشنطن دمشق بتسهيل عبور المقاتلين إلى العراق، ووضعتها إدارة الرئيس جورج بوش ضمن الدولة الراعية للإرهاب(2)، في إشارة إلى تعاونها مع إيران وحزب الله. وشكَّل إقرار قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان، عام 2004، تحولًا مؤسسيًّا في العلاقة؛ إذ انتقلت من ضغط دبلوماسي قابل للتراجع إلى ضغط قانوني وتشريعي مُلزِم؛ ما حَدَّ من قدرة أي إدارة أميركية على إعادة فتح قنوات التواصل مع دمشق بسهولة.
التدخل المحدود وإدارة الصراع: بعد اندلاع الثورة، عام 2011، تحوَّلت السياسة الأميركية تجاه سوريا من الاحتواء والضغط إلى تدخل محدود وحذر صاغت ملامحه الرئيسية إدارة باراك أوباما (2009-2016)؛ حيث اعتمدت مجددًا على الضغط عبر العقوبات والدبلوماسية، إضافة إلى دعم المعارضة المسلحة بالتنسيق الكامل مع دول الجوار، لاسيما تركيا والأردن، دون أن تنخرط عسكريًّا بشكل مباشر، باستثناء تدخلها المحدود عقب استخدام النظام الأسلحة الكيميائية، عام 2013. كما التزمت بمبدأ مكافحة الإرهاب؛ فقادت تحالفًا دوليًّا أسهم في هزيمة تنظيم الدولة "داعش" وإنهاء سيطرته الإقليمية.
مع قدوم إدارة الرئيس دونالد ترامب (2017–2020)، أصبحت السياسة الأميركية أقل تدخلًا في الشأن السوري؛ واتجهت نحو تقليص الانخراط المباشر دون التخلي عن التزاماتها عبر تعزيز التعاون الإقليمي؛ حيث قررت الانسحاب من مناطق في شمال شرقي سوريا، وأنهت برنامج تدريب وتسليح المعارضة السورية، مع الإبقاء على أولوية "مكافحة الإرهاب" والقضاء على تنظيم داعش. كما شنَّت ضربات محدودة ضد النظام عقب تنفيذه هجمات كيميائية، وجعلت سوريا جزءًا من سياسة الضغط القصوى ضد إيران، فأصدرت سلسلة من الأوامر التنفيذية استهدفت نظام الأسد وإيران بشكل مباشر، وأقرَّت قانون قيصر لحماية المدنيين، إلى جانب قوانين استهدفت شبكات الاتجار بالكبتاغون المرتبطة بالنظام ومصادر تمويله.
أما في عهد إدارة الرئيس جو بايدن (2021-2024)، عادت السياسة الأميركية في سوريا لتصبح أقل تدخلًا مرة أخرى؛ ما أتاح المجال لروسيا وبعض الدول العربية للدفع نحو فك العزلة وإعادة العلاقات مع نظام الأسد، قبل أن يتجه الكونغرس لصياغة مشروع قرار يناهض التطبيع ويقيد قدرة الإدارات الأميركية على المضي فيه، إلا أنه لم يصبح جزءًا من التشريع الرسمي بسبب سقوط نظام الأسد. وبذلك، ظلت السياسة الأميركية تجاه سوريا قبل سقوط نظام الأسد محكومة بسقف التدخل الحذر، وتراوحت بين الاحتواء والضغط بهدف تعديل سلوك النظام لا تغييره، حتى في أشد لحظات التصعيد.
ثانيًا: العلاقات الثنائية بعد سقوط نظام الأسد
شكَّل لقاء الرئيسين، دونالد ترامب وأحمد الشرع، في الرياض، في 14 مايو/أيار 2025، نقطة التحول الرئيسية في مسار العلاقات الناشئة بين سوريا والولايات المتحدة، وكان ذلك على هامش القمة الخليجية-الأميركية، وبحضور ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ومشاركة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عبر الفيديو، وهو اللقاء الأول بين رئيسي البلدين منذ 25 عامًا؛ إذ وصف ترامب الشرع بالمقاتل صاحب الماضي القوي وصاحب الفرصة الحقيقية للحفاظ على تماسك سوريا، وأكد ضرورة منحها "فرصة جديدة". سرعان ما تُرجم هذا التحول في العلاقات إلى أوامر تنفيذية أصدرها ترامب، بدءًا من 23 مايو/أيار؛ حيث رُفعت مجموعة واسعة من العقوبات المالية عن البنوك والشركات السورية، لتنتهي، في 30 يونيو/حزيران رسميًّا، معظم العقوبات الأميركية على سوريا باستثناء تلك المرتبطة بكيانات محددة من روسيا وإيران(4).
غير أن ملامح العلاقة الجديدة بين البلدين بدأت تتشكل منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد؛ حيث نجحت قيادة عملية ردع العدوان في تقديم نفسها بديلًا مسؤولًا لنظام الأسد أمام واشنطن وسائر العواصم الدولية، وقدمت رؤية سياسية متوافقة، بشكل عام، مع المعايير المنصوص عليها في القرار الأممي 2254، 2015، بما في ذلك الحفاظ على مؤسسات الدولة و"حماية الأقليات". وقد حرصت قيادة العمليات العسكرية -قبل تسلم المعارضة الحكم رسميًّا- على إيصال رسائل للولايات المتحدة تأخذ بالاعتبار أولويات السياسة الأميركية لاسيما القضاء على نفوذ إيران في سوريا، ومحاربة تنظيم داعش ومنع عودته، وعدم فتح جبهات قتالية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
أبدت واشنطن استجابة واضحة لتلك الرسائل عبر سلسلة من خطوات بناء الثقة المتدرجة؛ فبدأت بإزالة مكافأة العشرة ملايين دولار التي كانت مرصودة لمعلومات عن أحمد الشرع، ثم أوفدت بعثة دبلوماسية إلى دمشق، في 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، برئاسة باربرا ليف، نائب وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، تبعها تعليق عقوبات قيصر لمدة ستة أشهر، وإرسال وفود دبلوماسية وعسكرية وتجارية. وعلى الصعيد الأمني، نفَّذ الطرفان أكثر من عشر عمليات إنزال ودوريات عسكرية مشتركة لمحاربة داعش حتى قبل انضمام سوريا رسميًّا للتحالف الدولي، إلى جانب تعاون استخباراتي شمل نشاط الميليشيات الإيرانية وتهريب الكبتاغون(3).
واصل الطرفان بناء العلاقة عبر زيارتين قام بهما الرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة، عام 2025: الأولى في 22 سبتمبر/أيلول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهي المرة الأولى التي يُشارك فيها رئيس سوري في هذه الفعالية منذ نحو ستة عقود، والثانية في 10 نوفمبر/تشرين الثاني حين زار العاصمة واشنطن والتقى ترامب في البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن منذ استقلال البلاد عام 1946. وانخرطت الولايات المتحدة بشكل واضح في دعم الحكم السوري الجديد، فدعمت قرار مجلس الأمن الدولي، في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إزالة اسم أحمد الشرع ووزير الداخلية، أنس خطاب، من قوائم العقوبات الدولية، وأزالت واشنطن فورًا تصنيفهما لديها أيضًا، ثم أنهت مسار العقوبات بشكل كامل، في 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، حين أقَرَّ الكونغرس إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين، 2019، بالكامل ضمن "قانون ميزانية الدفاع الوطني لسنة 2026".
بذلك، تكون العلاقات الأميركية-السورية قد قطعت خلال عام واحد مسافة مؤسسية وسياسية استغرق تراكمها عقودًا في الاتجاه المعاكس؛ فما بُني من عقوبات وتصنيفات وقيود تشريعية على مدى أربعة عقود أُزيل في أشهر. غير أن استدامة هذه العلاقة تبدو محكومة بمحددات، ويتوقف مدى نجاحها على قدرتها على تجاوز هذه التحديات.
ثالثًا: المحددات الأميركية لإعادة بناء العلاقات مع سوريا
مثَّلت العلاقة مع إسرائيل وإيران وحزب الله، وملفات "الإرهاب والمخدرات والسلاح الكيميائي"، المحددات الرئيسية التي رسمت سياسة التدخل الأميركي في سوريا طوال العقود الماضية؛ وهي ذاتها المحددات التي يبدو أنها ستُشكِّل الأساس لمسار إعادة بناء العلاقات بين البلدين بعد سقوط نظام الأسد، وإن اختلفت هذه المرة في اتجاهها من الضغط والاحتواء إلى الشراكة والانفتاح.
وضعت إدارة الرئيس دونالد ترامب مع استلامها الحكم مقاربة لإعادة بناء العلاقة الناشئة مع سوريا، تقوم على استمرار الانخراط الأميركي، وتماسك الدعم الإقليمي للحكم الجديد في سوريا، وتمويل إعادة الإعمار، وشمولية العملية السياسية. ويبدو أنها ربطت نجاح هذه المقاربة بمدى قدرة سوريا على تحقيق ستة محددات، معظمها كانت شروطًا وضعتها إدارة الرئيس جو بايدن، في 10 ديسمبر/كانون الأول 2024(5)، مع فارق أن إدارة ترامب لا تريد شروطًا مسبقة في مسار إعادة بناء العلاقات بقدر ما تسعى لتحقيق دمشق معايير محددة على مراحل زمنية متتابعة؛ بحيث تُرفع العقوبات وتُبنى العلاقة بالتوازي(6)، وذلك من خلال:
- الانتقال السياسي: حيث لا تفرض واشنطن شكلًا محددًا لنظام الحكم، في تراجع واضح عن نهج فرض الديمقراطية الذي أخفق في العراق وليبيا وأفغانستان، لكنها تُطالب بحكم يُمثِّل جميع المكونات، وبمسار دستوري يُفضي إلى "انتخابات حرة" بمراقبة دولية مع ضمانات تمنع حكم الحزب الواحد، وإدارة شفافة لعائدات النفط والغاز عبر تدقيق دولي. ويُعد تقديم نموذج سوري ناجح يُثبت إمكانية الانتقال السياسي دون فوضى، محددًا أميركيًّا جديدًا بامتياز؛ إذ تريد إدارة ترامب أن تكون سوريا شاهدًا على صواب رهانها وقدرة مقاربتها على تحقيق استقرار المنطقة وجذب الاستثمارات وفتح بدايات سلام، بما يُناقض الإرث الذي خلَّفته التدخلات الأميركية السابقة.
- "مكافحة الإرهاب" ومنع عودة تنظيم داعش: حيث تتطلع واشنطن لمساعدة الحكومة السورية كي تمتلك قدرات ذاتية في "هذا الملف، بما يغني عن الوجود العسكري الأميركي المباشر، ويؤدي لتحقيق خطة الانسحاب الكامل التي بدأتها إدارة ترامب. وهذا يُفسر أولوية مكافحة الإرهاب في الحسابات الأميركية، والسبب الذي جعل هذا الملف نقطة الدخول الأولى للعلاقة بين الطرفين.
- مكافحة نفوذ إيران، وملاحقة الشبكات المرتبطة بها في سوريا: حيث تريد واشنطن أن تمنع تحول الأراضي السورية إلى ممر تستخدمه تلك الشبكات لتهريب السلاح أو "المخدرات"، مع تعزيز أمن الحدود وإنهاء أي ملاذ آمن يُمكن أن تستخدمه إيران عبر الحدود.
- دمج الفصائل المسلحة: حيث تدعم واشنطن نزع سلاح جميع المجموعات المسلحة ودمجها في جيش وطني موحد، بما يشمل دمج قوات سوريا الديمقراطية والحرس الوطني في السويداء، واستكمال تطبيق اتفاق قسد والحكومة وخارطة طريق السويداء لنقل السيطرة الكاملة إلى الحكومة، وتشترط واشنطن أن يكون ذلك بالتوازي مع ضمان حقوق الأكراد السياسية واعتماد نموذج حكم لا مركزي يُلبِّي مطالب جميع المكونات.
- العلاقة مع إسرائيل: حيث تُطالب واشنطن بتطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب وتجريد المحافظات الجنوبية من السلاح، وهي تسعى لإنجاح المفاوضات بين سوريا وإسرائيل وكانت حاضرة في كل الجولات التي جرت بين الطرفين بعد سقوط نظام الأسد.
- الدور العربي الذي يُشكِّل محددًا مؤثرًا في رسم العلاقة بين واشنطن ودمشق: إذ تعد الرؤية الأميركية تماسك التحالف الإقليمي هو شرط لنجاح المرحلة الانتقالية بأكملها. وقد برزت المملكة العربية السعودية منذ قمة الرياض بدور محوري في تهيئة الظروف السياسية لعودة الحوار السوري-الأميركي، انطلاقًا من قناعة عربية متزايدة بأن عزل سوريا لم يُحقق استقرارًا للمنطقة، وأن الحلول المستدامة تمر عبر الانخراط السياسي لا القطيعة. غير أن هذا الدور لا يقتصر على السعودية وحدها بل هو جزء من جهد عربي أوسع شاركت فيه دول خليجية وعربية عدة، كلٌّ وفق أدواته وعلاقاته الدولية.
تعاملت سوريا مع المحددات الأميركية بوصفها مساحات تقاطع بين المصلحتين، السورية والأميركية؛ أي إنها بَنَتْ مقاربتها على مبدأ الدبلوماسية المتوازنة، القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وجوهر الموقف السوري أن ما تطلبه واشنطن هو، في معظمه، أولويات سورية أصلًا، تؤثر في استقرار البلاد، وأن هذا الاستقرار بحدِّ ذاته يخدم المصلحة الأميركية(7).
ترجمت دمشق موقفها من المحددات الأميركية إلى استجابة متفاوتة؛ ففي الانتقال السياسي بدا أنها تُعوِّل على إظهار الجدية في القضايا الأكثر حساسية والتي يُمكن أن تُؤثر على الاستقرار ونجاح النموذج؛ حيث أكدت حرصها على المساواة بين جميع السوريين أمام القانون، والمحاسبة دون تمييز، كما في أحداث الساحل في مارس/آذار 2025، فحاسبت كلًّا من الفلول الذين "اعتدوا على المدنيين، وعناصر الأمن العام المُثبت ارتكابهم تجاوزات"(8)، في المقابل، اتجهت دمشق إلى التركيز على التسويات السياسية والاقتصادية لتجنب الانخراط في مسار انتقالي شامل، مفضلةً إدارة الملف بشكل تدريجي يراعي محدودية القدرة المؤسسية، وهو ما انسجم مع المقاربة الأميركية التي دعمت هذه التسويات وانخرطت في تسهيلها، كما في حالتي السويداء وقسد.
لقد أظهرت دمشق رغبة في تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025 مع قسد، في وقت كانت الولايات المتحدة تدعم تنفيذه عبر الحوار، نظرًا لارتباطه باستقرار سوريا و"مكافحة الإرهاب". إلا أن الحكومة أعادت صياغة الاتفاق وشروطه في 29 يناير/كانون الثاني 2026، معتبرة ذلك ردًّا على استمرار خروقات قسد للتهدئة في مدينة حلب، وذلك بعد أن كانت قد فرضت سيطرتها على معظم مناطق شمال شرق سوريا. ورغم أن واشنطن لم تكن تؤيد تنفيذ الاتفاق عبر أدوات عسكرية، بدت وكأنها وجدت في الصيغة الجديدة مخرجًا لتقليص أعباء دورها في "مكافحة الإرهاب"؛ إذ نقلت مقاتلي داعش المعتقلين في السجون السورية إلى العراق وفككت بالتعاون مع الحكومة المخيمات التي تؤوي عوائل المقاتلين، مما سرع إعلان انسحابها العسكري الكامل من سوريا، في 16 أبريل/نيسان 2026، دون أن ينعكس ذلك سلبيًّا على قدرات الحكومة السورية في "مكافحة الإرهاب".
في ملف مكافحة الإرهاب، نفَّذت دمشق منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد أكثر من عشر عمليات عسكرية مشتركة مع القوات الأميركية لمحاربة داعش، وتُوِّج هذا التعاون بانضمام سوريا رسميًّا للتحالف الدولي ضد داعش، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. ولم تتأثر الشراكة بالهجوم الذي تعرضت له دورية مشتركة في تدمر، بتاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته؛ حيث أسفر عن مقتل جنديين أميركيين.
كما ركزت دمشق على مكافحة أنشطة إيران منذ الأسابيع الأولى لسقوط نظام الأسد، بوصفه محددًا أميركيًّا لإعادة بناء العلاقات الثنائية، فانخرطت في مسار أمني-استخباراتي مع الولايات المتحدة استهدف تفكيك نفوذ الميليشيات المرتبطة بإيران؛ حيث تبنَّت الحكومة إجراءات أمنية مكثفة لمنع استخدام الأراضي السورية ممرًّا للسلاح و"المخدرات" والتي غالبًا ما تُوجَّه أصابع الاتهام فيها إلى "حزب الله" اللبناني؛ مما أسهم في دعم قنوات التعاون بين الطرفين، وتوسيع نطاق التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب(9).
أما العلاقة مع إسرائيل -وهي المحدِّد الأميركي الأكثر حساسية- فتبدو مرهونة بحسابات معقدة تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن ودمشق(10)؛ حيث انخرطت سوريا، مطلع عام 2026، في مسار تفاوضي غير مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، أسفر عن إنشاء آلية تنسيق أمنية-استخباراتية مشتركة لضبط التصعيد وتبادل المعلومات. غير أن هذا المسار لم يُفضِ إلى تقليص الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، كما لم يُغيِّر من الموقف السوري الذي يربط أي تقدم بوجود جدول زمني واضح لانسحاب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها بعد عام 2024. فيما يبدو أن سوريا تبني مقاربة حذرة تربط مسار السلام بترتيبات أوسع من الحسابات الإقليمية، وبما يُبقي الانخراط في حدوده الأمنية، ويُؤجل الانتقال إلى ملفات إستراتيجية بانتظار تبلور سياق عربي وإقليمي أكثر اتساعًا(11).
ووفق هذه المقاربة، تُؤكد دمشق أن أي تطور في علاقاتها الدولية، لاسيما مع واشنطن، يتم بالتكامل مع عمقها العربي، لا بوصفه بديلًا عنه، خصوصًا أن هذا الدور كان عاملًا أساسيًّا في دعم مسار رفع العقوبات، وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي(12).
في المحصلة، ترى دمشق أن انفتاح واشنطن عليها فرصة تاريخية قد لا تُعوض، لاسيما أن المحددات الأميركية لا تتعارض، في الأساس، مع التوجهات السورية. كما تسعى إلى الانتقال سريعًا من مجرد شريك في الحرب على الإرهاب، ومكافحة أنشطة الشبكات المرتبطة بإيران، وفاعلٍ مساهم في ضبط الأمن والاستقرار في المنطقة، إلى حليف إستراتيجي قادر على الاستفادة من دور الولايات المتحدة في التوسط في العلاقة مع إسرائيل، وفي دعم عملية إعادة الإعمار والاستثمار، لاسيما في قطاع الطاقة.
رابعًا: تحديات تُواجه العلاقة بين سوريا وأميركا
رغم الزخم غير المسبوق الذي شهدته العلاقة بين واشنطن ودمشق خلال العام الأول بعد سقوط نظام الأسد، تواجه هذه العلاقة جملة من التحديات البنيوية التي قد تُحدِّد مداها وسقفها.
في مقدمة هذه التحديات يأتي التحدي الإسرائيلي؛ إذ تسعى إسرائيل إلى تصوير الحكم الجديد في سوريا على أنه امتداد لحماس ومدعوم من تركيا، بهدف تبرير استمرار ضغوطها العسكرية وتحسين شروطها التفاوضية، في وقت تطالب فيه واشنطن دمشق بالتطبيع مع إسرائيل وتجريد المحافظات الجنوبية من السلاح، بينما تحتاج دمشق إلى الوساطة الأميركية ذاتها لوقف الانتهاكات الإسرائيلية والعودة إلى اتفاق فَكِّ الاشتباك لعام 1974، وهو ما يضع العلاقة الثلاثية ضمن معادلة دقيقة تتداخل فيها المسارات، ويصعب الفصل بينها، بما يُهدِّد توازن الاستقرار والانتقال السياسي في سوريا.
كما يرتبط تحدي الانتقال السياسي بحسابات داخلية معقدة، لاسيما فيما يتعلق بتحقيق الاستقرار وإنجاح النموذج، الذي يُعد هدفًا بحد ذاته للإدارة الأميركية، غير أن إسرائيل سعت إلى التأثير في هذا المسار، كما في حالة السويداء، في حين لا يزال ملف دمج قسد ونقل السيطرة في مناطقها إلى الحكومة يسير ببطء وتكتنفه أخطار متعددة.
التحدي الأمني أيضًا لا يزال كبيرًا؛ إذ إن بناء قدرة سورية ذاتية لمكافحة الإرهاب، وهو هدف أميركي محوري، يتطلب وقتًا وموارد تتجاوز ما هو متاح حاليًّا في ظل محدودية الخبرة المؤسسية لدى الحكومة الجديدة. ورغم أن الولايات المتحدة أعادت تنظيم ملف مراكز احتجاز عناصر التنظيم وعوائلهم ونقلت جزءًا منهم خارج سوريا، فإن هذه الإجراءات لم تُنهِ خطر تنظيم داعش بشكل كامل.
ويُعد إنهاء نفوذ إيران تحديًا يتجاوز حدود سوريا، فرغم أن سقوط نظام الأسد أنهى البنية الرئيسية لما يسمى "المحور الإيراني" داخل البلاد، فإن استمرار هذا النفوذ في العراق ولبنان، وهما البلدان الأكثر هشاشة في جوار سوريا المباشر، يجعل أي تصعيد فيهما لا يُهدد الاستقرار السوري فحسب بل يضع دمشق أمام مطالب أميركية محتملة، وربما عربية، بدور يتجاوز حماية حدودها إلى المساهمة في احتواء تداعيات هذا التصعيد ومنع ارتداده إقليميًّا. ويُعقِّد هذا الدور التوازن الذي تسعى إليه دمشق بين مسار علاقتها مع واشنطن ومتطلبات التفاوض مع إسرائيل، إلى جانب الحفاظ على سياسة صفر مشاكل مع الجوار، لاسيما أنها تؤكد أن علاقاتها مع الدول العربية تُدار بوصفها مسارات مستقلة لا امتدادًا لعلاقتها مع أي طرف دولي.
بناء على ما سبق، تقف العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة حاليًا عند مستوى تنسيق مرتفع في الملفات الأمنية، دون أن ترتقي إلى شراكة سياسية مكتملة. كما تبقى هذه العلاقة محكومة بسقف محدد تفرضه تعقيدات التطبيع مع إسرائيل ومسار الانتقال السياسي.
خاتمة
أعادت سوريا والولايات المتحدة خلال عام واحد صياغة علاقة ظلت لعقود محكومة بالاحتواء والعقوبات والضغط التشريعي، لتتحول إلى شراكة أمنية ودبلوماسية غير مسبوقة في تاريخ البلدين. وتُظهر المحددات الأميركية أنها تتعامل مع سوريا من منظور طويل الأمد يمتد حتى عام 2030، في تعاون يشمل "مكافحة الإرهاب" وإنهاء نفوذ إيران والعلاقة مع إسرائيل والاستقرار الداخلي، وأخيرًا، تقديم نموذج ناجح للتدخل الأميركي مختلف عن النماذج السابقة.
رغم ما يبدو من تقاطع بين المحددات الأميركية والأولويات السورية، فقد تتحول هذه المحددات من أرضية تعاون إلى مصادر ضغط مستقبلي، خصوصًا أن الأدوار المطلوبة من دمشق تتسع بوتيرة أسرع من نمو قدراتها المؤسسية والبشرية؛ مما يجعل الفجوة بين سقف التوقعات وأرضية الإمكانات التحدي الأكبر أمام هذه العلاقة الناشئة. كما أن تحول العلاقة من شراكة ظرفية إلى تحالف إستراتيجي مستدام يبقى مرهونًا بشروط، أبرزها: قدرة دمشق على ترجمة التزاماتها إلى إنجازات مؤسسية ملموسة، ونجاح واشنطن في تحويل انخراطها من رهان إدارة ترامب بتقديم نموذج ناجح في السياسة الخارجية إلى سياسة مؤسسية تتجاوز الحسابات الحزبية، فضلًا عن تماسك المنظومة الإقليمية التي بدونها يفقد مسار العلاقات الثنائية بين أميركا وسوريا بأكمله ركيزته الأساسية.
3- مقابلة مع مسؤول رفيع في الخارجية السورية، 22 يناير/كانون الثاني 2026.
4- شفيق شقير، الاعتراف الأميركي بالنظام الجديد في سوريا: السياق والدلالات، مركز الجزيرة للدراسات، 15 مايو/أيار 2025 (تاريخ الدخول: 1 أبريل/ نيسان 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6216
5- بلينكن يعلن شروط الولايات المتحدة للاعتراف بحكومة جديدة في سوريا، CNN بالعربية، 10 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2025)، https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/12/10/blinken-us-recogn…;
6- يعكس ذلك الأداء الأميركي، ولاسيما أداء المبعوث الأميركي، توم باراك، الذي يعمل وفق خارطة طريق بعيدة المدى.
7- مقابلة مع بسام بربندي، دبلوماسي وباحث في مركز الدراسات الدولية في واشنطن، 10 ديسمبر/كانون الأول 2025.
8- مقابلة مع مسؤول رفيع في وزارة الخارجية السورية، مصدر سابق.
9- مقابلة مع بسام برابندي، مصدر سابق.
10- مقابلة مع رئيس منظمة تحالف الأديان، شادي مارتيني، 15 مارس/آذار 2026. مارتيني رجل أعمال أيضًا ومطلع على سير المفاوضات الإسرائيلية-السورية.
11- عبد الوهاب عاصي، التحدي الإسرائيلي: سوريا بين استكمال الرؤية الإستراتيجية وتفادي الصدام، مركز الجزيرة للدراسات، 6 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 24 أبريل/نيسان 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6259
12- مقابلة مع مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، 10 يناير/كانون الثاني 2026.