اختتم "منتدى تفكيك الاستعمار العالمي" أعماله في مدينة إسطنبول، بعد يومين من النقاشات الفكرية والأكاديمية التي تناولت إشكاليات الهيمنة المعرفية الغربية، وآليات إنتاج المعرفة وتداولها في النظام الدولي المعاصر، بمشاركة أكاديميين وباحثين من نحو 40 دولة.
أقيم المنتدى يومي 11 و12 مايو/أيار 2026 في مركز أتاتورك الثقافي تحت عنوان "تفكيك الاستعمار المعرفي: تحرير إنتاج المعرفة وتداولها"، ونظمه "معهد سوشيال" (Institute Social)، بالتعاون مع مركز الجزيرة للدراسات ومؤسسة "نُون" للتربية والثقافة، وبمشاركة مؤسسات أكاديمية وبحثية دولية من بينها مركز الأبحاث الإسلامية "إيسام"، وجامعات فودان وليدز وشنغهاي والجامعة الإسلامية الدولية في ماليزيا.
انطلقت أعمال المنتدى من فرضية فكرية مفادها أن الاستعمار لم ينته بخروج القوى الاستعمارية التقليدية من مستعمراتها، بل استمرت بنيته داخل أنظمة التعليم والاقتصاد والإعلام والقانون والجامعة والتقنية، عبر تكريس نماذج معرفية غربية تُقدَّم بوصفها معايير عالمية وحيدة لإنتاج المعرفة وتقييمها. وفي هذا السياق، ناقش المشاركون كيف أسهمت المركزية الأوروبية في تحديد ما يُعد "معرفة شرعية"، وفي تهميش الخبرات الفكرية والتاريخية القادمة من مجتمعات الجنوب العالمي.
أكدت الدكتورة إسراء البيرق، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة "نُون" وعضو اللجنة العلمية للمنتدى، أن قضية إنهاء الاستعمار تتطلب مراجعة البنى الإبستمولوجية والمؤسساتية التي تشكَّلت تاريخيًّا في ظل الهيمنة الغربية، موضحة أن كتابة التاريخ والمعرفة جرت -في كثير من الحالات- من منظور القوى المهيمنة، بما انعكس على فهم العالم وصياغة مفاهيمه السياسية والثقافية. كما رأت أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية تعيد إنتاج هذا الاختلال؛ لاعتمادها بصورة شبه كاملة على مصادر ومعايير غربية في التدريب والمعالجة.
من جانبه أكد الدكتور عرفات شكري، ممثل مركز الجزيرة للدراسات خلال كلمته، أن قضية تفكيك الاستعمار لم تعد تقتصر على البعد السياسي أو التاريخي، بل أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بالبنى المعرفية التي تتحكم في إنتاج المعرفة ومنحها الشرعية وتداولها عالميًّا.
وأوضح أن المنظومات المعرفية والإعلامية السائدة ما تزال تعكس اختلالات بنيوية تمنح الأفضلية لمؤسسات ولغات وجغرافيات معينة، في مقابل تهميش رؤى وخبرات أخرى، مشيرًا إلى أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحول إلى جزء من البنية التي تُشكَّل من خلالها تصورات الواقع والسرديات العالمية.
وأشار إلى أن شبكة الجزيرة الإعلامية سعت، ضمن نهجها المؤسسي، إلى معالجة هذا الاختلال عبر إتاحة مساحة أوسع للأصوات الأقل تمثيلًا، والإسهام في بناء خطاب عالمي أكثر تعددية وتنوعًا.
كما حذّر من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، رغم اتساع دورها في عمليات إنتاج المعرفة وفرزها وتداولها، ليست أنظمة محايدة؛ لأنها تتشكل وفق البيانات واللغات والأطر الفكرية التي تم التدريب عليها، بما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التراتبيات المعرفية القائمة وترسيخ الهيمنة على مستوى السرديات والمصادر.
وفي المقابل، أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا لتوسيع الوصول إلى المعرفة وإبراز الأصوات المهمشة وتعزيز التدفقات المعرفية متعددة الاتجاهات، معتبرًا أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بوجود هذه التقنيات، بل بطريقة توظيفها: هل ستُستخدم لإعادة إنتاج الاختلالات التاريخية، أم للإسهام في بناء نظام معرفي عالمي أكثر عدالة وتعددية؟.
وشدد عرفات على أن معالجة اللامساواة المعرفية تتطلب إعادة النظر في الجهات التي تحدد أجندات البحث العلمي، وآليات منح المعرفة شرعيتها، وكيفية انتقالها عبر الحدود اللغوية والثقافية والمؤسساتية، داعيًا إلى بناء شبكات تعاون ومنصات مشتركة للبحث والنشر والتداول تسهم في تحقيق توازن معرفي عالمي أكثر استدامة.
وركزت الجلسات الرئيسة على العلاقة بين المعرفة والسلطة؛ حيث ناقش مفكرون وباحثون استمرار الهيمنة الغربية داخل الجامعات العالمية، وهيمنة اللغة الإنجليزية وأنظمة النشر والتصنيف الأكاديمي على إنتاج المعرفة وتداولها. وعَدَّ سلمان سيد، أستاذ النظرية الاجتماعية بجامعة ليدز، أن آلاف الجامعات في العالم تعمل ضمن نماذج معرفية وخطابية غربية، داعيًا إلى إعادة النظر في وظيفة الجامعة الحديثة بحيث تصبح فضاءً لإنتاج المعرفة العامة، لا مجرد مؤسسة لإنتاج الشهادات وربط المعرفة بمنطق السوق.
وفي سياق متصل، ناقش المنتدى مفهوم "استعمار البيانات" و"الاستعمار التقني"؛ حيث تناول المشاركون الكيفية التي تعيد بها الخوارزميات والشركات الرقمية الكبرى إنتاج علاقات الهيمنة القديمة بصيغ تقنية جديدة، عبر التحكم في البيانات والبنى الرقمية العالمية ومسارات تدفق المعرفة. كما طُرحت تساؤلات حول تأثير الذكاء الاصطناعي في تكريس اختلالات القوة بين الشمال والجنوب العالميين.
وشهد المنتدى نقاشات موسعة حول الترجمة والأدب والطب النفسي والإعلام؛ حيث انتقد أكاديميون ومترجمون استمرار هيمنة الإنتاج الثقافي والمعرفي القادم من دول الشمال العالمي، مقابل تهميش اللغات والخبرات الفكرية في المجتمعات غير الغربية. كما ناقشت جلسات متخصصة أثر النماذج الغربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وما وصفه بعض المشاركين بـ"العنف المعرفي" الناتج عن فرض مقاربات ثقافية ونفسية غربية على مجتمعات تختلف في بنيتها التاريخية والقيمية.
وحضر الملف الفلسطيني بقوة في أعمال المنتدى، من خلال جلسات تناولت الاستعمار الاستيطاني والرواية الإعلامية الدولية، حيث ناقش مشاركون كيفية توظيف القانون والإعلام والخطاب السياسي في إعادة إنتاج علاقات الهيمنة، مع التأكيد على أن فلسطين أصبحت إحدى الساحات المركزية للنقاش العالمي حول الاستعمار والعدالة المعرفية.

وشارك في أعمال المنتدى عدد من المفكرين والأكاديميين والفاعلين الثقافيين، من بينهم والتر مينيولو، وجوزيف مسعد، وميرييل فانون، وآن نورتون، ويوسف إسلام، والمخرج الإيراني، مجيد مجيدي، ولاعب المنتخب الفرنسي السابق، ليليان تورام. كما توزعت أعمال المنتدى على جلسات عامة وطاولات مستديرة وأكثر من 100 ورقة بحثية تناولت قضايا الاقتصاد والإعلام والتعليم والقانون والبيئة والأنظمة المعرفية الإسلامية.
وخلص المنتدى في ختام أعماله إلى إطلاق مسار فكري ومؤسسي يمتد حتى عام 2030، يتضمن ثلاث مراحل متتالية تبدأ بمناقشة قضايا إنتاج المعرفة وتداولها، ثم تنتقل إلى بحث "تفكيك الاستعمار" داخل المؤسسات والمنظمات في عام 2028، وصولًا إلى مرحلة التطبيقات العملية والمجتمعية في عام 2030. وأكد المشاركون أن النقاش حول إنهاء الاستعمار لم يعد مقتصرًا على مراجعة الماضي، بل بات يرتبط بإعادة تشكيل البنى الفكرية والمؤسساتية التي تحكم النظام الدولي المعاصر.