طرح العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران، نهاية فبراير/شباط 2026، وردُّ الأخيرة باستهداف العمق الإسرائيلي، فضلًا عن المصالح الأميركية في دول الخليج، تساؤلات عدة عن مدى تأثر القارة الإفريقية بذلك، وهل هي فعلًا بمنأى عن الصراع "بسبب البُعد الجغرافي"، أم أن بعض الأقاليم والدول قد تتأثر به بسبب هذا العامل الجيوسياسي، مثل دول القرن الإفريقي بحكم القرب من باب المندب، ومصر تحديدًا بحكم قربها من إسرائيل، فضلًا عن وجود قناة السويس، أحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد المصري.
وإذا كان الأمر كذلك، وأن القارة تتأثر بصورة أو بأخرى بهذا الصراع، فما ردُّ فعلها؟ وما التأثيرات "التداعيات" المختلفة عليها؟
أولًا: المحددات الرئيسية للموقف الإفريقي تجاه العدوان على إيران
يُعد الصراع الأميركي/الإسرائيلي مع إيران من أبرز التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجه القارة الإفريقية، وينطلق موقف الاتحاد الإفريقي والدول الأعضاء من عدة محددات:
المحدِّد الاقتصادي، وهو ينقسم بدوره إلى محدِّدَيْن فرعيين:
الأول "أمن الطاقة": إذ يعتمد العديد من دول القارة، خاصة في شرقها، على إمدادات الطاقة "النفط والغاز" القادمة من الخليج، سواء في صورتها الخام أو المكررة؛ حيث تستورد القارة أكثر من 120 مليار دولار من المنتجات البترولية المكررة سنويًّا. وبالتالي فإن أي اضطراب في مضيق هرمز يعني ارتفاعًا في أسعار النفط والغاز، وإن كان بتأثيرات متفاوتة بين المناطق والدول الإفريقية.
وتعد إفريقيا جنوب الصحراء مستوردًا أساسيًّا للمنتجات النفطية المكررة، على الرغم من إنتاجها للنفط الخام في عدة دول، وهناك دول، من بينها السنغال وبنين وإريتريا وبوركينا فاسو وزامبيا، عرضة بشكل خاص لتقلبات الأسعار، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الوقود ومحدودية احتياطياتها من العملات الأجنبية، وحتى الدول المنتجة للنفط، مثل نيجيريا، تستورد كميات كبيرة من المنتجات البترولية المكررة؛ مما يزيد من تعرضها لمخاطر إغلاق مضيق هرمز(1).
وتشير التقديرات العالمية والإفريقية إلى أن أي انخفاض بنسبة 1% في عرض النفط يترتب عليه ارتفاع السعر بنسبة 4%. ومع بداية الحرب ارتفع سعر خام غرب تكساس بأكثر من 68.1%؛ حيث قفز سعر البرميل من 66.89 دولارًا إلى 112.4 دولارًا، بين 27 فبراير/شباط 2026 "قبل بدء الحرب بيوم" و6 أبريل/نيسان 2026. وخلال الفترة نفسها ارتفع سعر خام برنت بنحو 51.8%، من 72.87 دولارًا إلى 109.77 دولارات للبرميل، وفي حال استمرار الصراع قد يصل إلى 150 دولارًا للبرميل أو أكثر(2).
الثاني "الأمن الغذائي": تعد القارة مستوردًا أساسيًّا للغذاء، ووفق بعض التقارير الدولية تستورد إفريقيا ما بين 70 و100 مليار دولار من الغذاء سنويًّا، وأكثر من 6 ملايين طن من الأسمدة(3)، وتعتمد الأسمدة النيتروجينية "التي تعد عنصرًا أساسيًّا لنمو النبات وزيادة إنتاجه" على الغاز الطبيعي مادةً أساسيةً؛ ما يجعلها تتأثر بشدة بأسعار الطاقة، وبروز ما أطلق عليه بعض الباحثين مشكلة "الهشاشة الزراعية الهيكلية"؛ حيث يصبح الإنتاج الغذائي المحلي مرتبطًا بعوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها(4).
المحدد الأمني "أمن الملاحة"
يعد البحر الأحمر، "الذي يمر عبره أكثر من 23% من إجمالي حجم التجارة العالمية"، بمنزلة شريان الحياة للاقتصاد الإفريقي، وبالتالي تسهم التوترات الإقليمية في المناطق المجاورة له، أو الواقعة فيه، في رفع تكاليف التأمين البحري، خاصة بالنسبة للسفن التي تمر عبر مدخله الجنوبي "باب المندب"، الذي يقع في مرمى الحوثيين، في طريقها إلى قناة السويس "شريان التجارة بين إفريقيا وأوروبا"، وهو ما يُعد عائقًا مباشرًا أمام التبادل التجاري الإفريقي الدولي.
ومعنى هذا أن القرن الإفريقي قد يكون من أكثر المناطق تضررًا من الحرب ضد إيران، خاصة إذا ما تم استخدام ورقة الحوثي، وإمكانية غلق الملاحة في مضيق باب المندب، ناهيك عن إمكانية استهداف المصالح والقواعد الأميركية، خاصة في جيبوتي.
المحدِّد السياسي "استقلالية القرار الإفريقي"
يحرص الاتحاد الإفريقي في الأغلب الأعم على تفادي حدوث تصادم بين دوله، خاصة في ظل وجود تباينات بينها بخصوص بعض القضايا التي يتم فيها تغليب المصلحة الذاتية على المصلحة القارية، وبالتالي قد يضطر الاتحاد إما إلى تجاهل الأمر، أو التعامل معه بدبلوماسية؛ ما قد يجعله مفعولًا به وليس فاعلًا، وهو ما يُضعفه بوصفه مؤسسة قارية مهمتها الاشتباك مع القضايا الإقليمية والدولية ذات التأثيرات المباشرة على القارة.
ثانيًا: الموقف الدبلوماسي للاتحاد الإفريقي بين الحذر والحياد
يمكن التمييز بين مستويين للتحليل، هما: المستوى الجماعي "الاتحاد الإفريقي"، والمستوى الفردي "الدول".
أولًا: المستوى الجماعي
لا يقتصر دور الاتحاد الإفريقي، وفق ميثاقه التأسيسي، على مراقبة الأحداث والصراعات والأزمات العالمية فحسب، بل يتعداه "لتعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة"، و"الدفاع عن المواقف الإفريقية المشتركة بشأن هذه القضايا ذات الاهتمام المشترك"، و"تهيئة الظروف اللازمة التي تمكِّن القارة من أداء دورها المناسب" في الشؤون العالمية. ومن ثم فإن التعامل مع هذه الصراعات يتطلب تفعيل دوره وفق ما جاء في بيانه التأسيسي بشأن السياسة الأمنية والدفاعية الإفريقية المشتركة، التي تهتم بـ"النزاعات والأزمات الدولية ذات الآثار السلبية على الأمن الإقليمي الإفريقي".
وفي هذا الإطار يبرز دور كل من قمة رؤساء الدول والحكومات، ومجلس السلم والأمن، في التعاطي مع هذه القضايا، بوصف القمة تمثل أعلى هيكل مؤسسي في الاتحاد، والمجلس هو الجهة المنوط بها النظر في قضايا السلم والأمن. ورغم أن المادة الرابعة من الميثاق التأسيسي تؤكد على "المساواة في السيادة"، و"احترام الحدود"، و"حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها بين الدول الأعضاء"، فإن هاتين المؤسستين لم يصدر عنهما شيء يُذكر بشأن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران؛ ما يعد تناقضًا مع ما جاء في هذه المادة(5).
كما لم تتم الدعوة لعقد اجتماع طارئ لأي منهما للتباحث حول تداعيات هذه الحرب على القارة، وهو ما قد يُفسَّر بأحد أمرين: إما عدم إدراك المخاطر المترتبة على ذلك، أو الرغبة في النأي بالنفس عن تناول القضايا التي قد تؤدي إلى تعميق الخلافات بين الدول الإفريقية، حتى وإن كانت تشكِّل تهديدًا مباشرًا لبعض هذه الدول وأقاليم القارة.
لذا تم الاكتفاء بتعاطي المفوضية مع هذا العدوان، وهو أمر ليس بالجديد عليها؛ إذ سبق وأن تعاطت مع أزمات وصراعات دولية لها ارتداداتها السلبية على القارة، مثل الحرب الروسية-الأوكرانية، عام 2022. ورغم أن بيانات المفوضية تقدم منظورًا إفريقيًّا شاملًا حول القضايا العالمية، إلا أنها غير ملزمة للدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي، ولا يتم اعتمادها رسميًّا على مستوى الدول الأعضاء، كما أنها غير مُلزِمة للأعضاء أنفسهم، وهذا هو مكمن الخلل والخطورة في آن واحد.
بيانات المفوضية: حياد حذر أم انحياز دبلوماسي؟
حاولت بيانات المفوضية مراعاة التوازن "الدبلوماسي"، والتأكيد على مبدأ الحياد "الإيجابي" في التعامل مع أطراف الصراع، والمتمثل في الوقوف على مسافة واحدة منها جميعًا، وتشجيع ضبط النفس، والحوار السلمي لمنع التصعيد، مع التأكيد على استعدادها للتعاطي مع أية مبادرات دبلوماسية في هذا الشأن.
لكن هذا الأمر "الحياد" لم يدم طويلًا؛ ففي الوقت الذي تحاشى فيه البيان الأول، في اليوم الأول للحرب "28 فبراير/شباط"، إدانة العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران، انتقد البيان الثاني، في ذات اليوم، الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وهو ما قد يفسر بعدم الرغبة في استعداء الولايات المتحدة ودول الخليج معًا.
فالبيان الأول للمفوضية "28 فبراير/شباط" كان متوازنًا إلى حدٍّ كبير؛ حيث لم يوجه اتهامًا مباشرًا للولايات المتحدة وإسرائيل رغم كونهما البادئتين بالعدوان، وإن كان أكَّد في بيانه "على ضرورة التزام جميع الأطراف التزامًا كاملًا بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لحماية السلم والأمن الدوليين"، مطالبًا الجميع "بضبط النفس، وخفض التصعيد بشكل عاجل، واستمرار الحوار، مع إعطاء الأولوية للجهود الدبلوماسية، بما في ذلك جهود الوساطة الدولية الجارية التي تُيسِّرها سلطنة عُمان"(6).
أما البيان الثاني للمفوضية، الصادر بعد ساعات قليلة من البيان الأول، فكان أكثر وضوحًا بشأن إدانة الهجوم الإيراني بالصواريخ والمسيرات على دول الخليج، باستثناء سلطنة عمان، مؤكدًا تضامن المفوضية الكامل مع حكومات وشعوب الدول المتضررة(7).
وهو ما أكده أيضًا البيان الثالث الصادر في 9 مارس/آذار؛ حيث ركز على الهجمات على البنية التحتية الحيوية، لاسيما مرافق الطاقة والنقل في دول الخليج، وأثر ذلك على إفريقيا(8).
أما البيان الرابع "3 أبريل/نيسان"، فقد رحَّب فيه رئيس المفوضية بمبادرة النقاط الخمس التي طرحتها الصين وباكستان لاستعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وربما أكَّد رئيس المفوضية للمرة الأولى استعداد الاتحاد للعمل مع الشركاء الدوليين والإقليميين لدعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة(9).
أما البيان الخامس "8 أبريل/نيسان"، فقد رحَّب فيه رئيس المفوضية بإعلان وقف إطلاق النار، لتماشيه مع دعوات المفوضية المستمرة لضبط النفس والحل السلمي للنزاعات، مؤكدًا أن "الدبلوماسية والحوار" هما السبيل الوحيد لحل الأزمات الدولية وفقًا لميثاق الأمم المتحدة(10).
أما مجلس السلم والأمن الإفريقي فلم يصدر عنه شيء في ذات الفترة، رغم عقده أربعة اجتماعات دورية لمناقشة قضايا أمنية أخرى تشهدها القارة.
ثانيًا: الموقف على المستوى الفردي "دول الاتحاد"
رغم محاولة مفوضية الاتحاد نَهْجَ مبدئي التوازن والحياد الإيجابي، إلا أن الأمر بدا مختلفًا بالنسبة للدول الأعضاء، صحيح أن معظمها نأى بنفسه عن الخوض في الصراع، رغم تأثره به، إلا أن البعض الآخر ربما مال لأحد الطرفين: "واشنطن وإسرائيل ودول الخليج" أو إيران، وذلك حسب الروابط الأمنية والاقتصادية التي تربطه بهذا الطرف أو ذاك، في حين لجأ فريق ثالث إلى اتباع نهج التوازن وإدانة العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران، مقابل إدانة عدوان الأخيرة أيضًا على دول الخليج.
أولًا: الدول الإفريقية المنحازة لطرفي الصراع
يمكن التمييز داخل هذا الإطار بين الدول الداعمة لأميركا وإسرائيل ودول الخليج، مقابل الدول الداعمة لإيران.
1- دول داعمة لأميركا وإسرائيل ودول الخليج
دانت بعض دول القرن الإفريقي "إثيوبيا وجيبوتي تحديدًا"، فضلًا عن كينيا وأوغندا، الهجمات الإيرانية بالمسيَّرات على دول الخليج العربي، واصفة إياها بالعدوان غير المبرر، مع تغاضيها في المقابل عن الهجوم الأميركي/الإسرائيلي على طهران، في حين جاء الموقف الصومالي رافضًا للاعتداء على دول الخليج "باستثناء الإمارات" بسبب موقفها من صومالي لاند.
فبالنسبة للموقف الإثيوبي، عَدَّ هجمات طهران على دول الخليج انتهاكًا لسيادة الدول "الشقيقة"، وهو ما يمكن إرجاعه لعلاقة أديس أبابا التاريخية مع تل أبيب، وحرصها في المقابل على تطوير علاقاتها مع دول الخليج العربي بسبب الاستثمارات الخليجية المتزايدة بها.
وهو نفس الموقف الكيني الداعم للولايات المتحدة وإسرائيل، فضلًا عن العلاقة الوطيدة مع دول الخليج، فقد أكَّد الرئيس وليام روتو إدانة بلاده "بشدة الضربات التي استهدفت الإمارات وقطر والمملكة العربية السعودية والعراق وعُمان والكويت والأردن والبحرين في الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط"(11).
وفي ذات السياق، يمكن تفسير موقف أوغندا الداعم بقوة للعدوان على طهران؛ حيث أعلن رئيس الأركان، موهوزي كاينروجابا "نجل الرئيس موسيفيني"، دعمه لإسرائيل واستعداده للمشاركة في العمليات العسكرية، معتبرًا أن وحدة عسكرية من الجيش الأوغندي قد تكون كافية لتنفيذ مهام داخل طهران(12).
أما الصومال فقد انتقد الضربات الإيرانية، وأعرب عن تضامنه مع دول الخليج باستثناء الإمارات بسبب التوترات المرتبطة بدعم أبو ظبي لصومالي لاند(13).
2- دول داعمة لإيران
في مقابل الفريق الأول، دانت دول أخرى مثل جنوب إفريقيا والجزائر العدوان على إيران، ورفضت المبررات الأميركية بشأن تبريرها وفق مبدأ الدفاع عن النفس الذي نَصَّ عليه ميثاق الأمم المتحدة، وهي ذات الدول التي قادت التيار الرافض لمنح إسرائيل صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي.
فقد أشار رئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا، "إلى أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن تطبيق حق الدفاع عن النفس يرتبط بتعرض دولة ما لغزو مسلح فعلي، ولا يسمح القانون الدولي بالدفاع الاستباقي عن النفس"، إلا أنه لم يُسمِّ الولايات المتحدة وإسرائيل صراحةً بصفتها دولًا معتدية، ويتماشى موقف بريتوريا مع نهجها الرافض للممارسات الإسرائيلية في العدوان على غزة، وقرارها رفع دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بشأن جرائم حرب وإبادة جماعية غزة(14).
في حين دانت الخارجية الجزائرية الحربَ على إيران بوصفها "انتهاكًا صارخًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة"، وربما يتماشى هذا أيضًا مع موقف الجزائر الرافض للتطبيع مع إسرائيل(15).
ثانيًا: دول ذات موقف متوازن "رفض العدوان على إيران والخليج معًا"
أما الفريق الثاني، فقد حرص على تكريس مبدأ التوازن، ورفض العدوان على إيران والخليج معًا.
فقد تبنَّت نيجيريا ومعظم دول غرب إفريقيا هذا الموقف بسبب وضع الشيعة بها، والرغبة في الحفاظ على مصالحها مع أميركا والخليج في ذات الوقت.
فقد دعت حكومة نيجيريا إلى ضبط النفس والالتزام بالقانون الدولي؛ حيث تجنَّبت إدانة إيران أو التحالف الأميركي الإسرائيلي، لاعتبارات عدة منها الداخلية المرتبطة بالجالية الشيعية التي تعد الأكبر في إفريقيا، في حين تشترك أبوجا مع معظم دول غرب إفريقيا في حرصها على العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ورغبتها في الوقت ذاته في الحفاظ على استثمارات دول الخليج والمساعدات الإنمائية التي تضخُّها في غرب إفريقيا(16).
أما السنغال فأعربت عن قلقها إزاء العمليات العسكرية أحادية الجانب التي تقوم بها القوى الكبرى، وما قد يمثله ذلك من خطورة على أمن واستقرار النظام الدولي، ومع ذلك لم تُعلن صراحةً انحيازها إلى جانب طهران(17).
وبالنسبة لتشاد، فقد انتقدت الجانبين؛ حيث أعربت عن تضامنها مع إيران ضد الهجمات الأميركية/الإسرائيلية، وفي ذات الوقت دانت الضربات الإيرانية على دول الخليج العربي.
ثالثًا: الدول المحايدة
أما باقي دول القارة فقد التزمت الحياد "السلبي"، ورفضت إظهار الانحياز العلني تجاه هذا الطرف أو ذاك، خشية التكلفة الاقتصادية والسياسية، بل والأمنية، التي قد تترتب على ذلك.
ملاحظات على الموقف الإفريقي من الصراع
مما سبق يمكن استخلاص ثلاث ملاحظات أساسية:
1- أن الاتحاد الإفريقي لم يتعامل بالصورة المثلى مع العدوان على إيران ودول الخليج، رغم آثاره المباشرة وغير المباشرة على دوله على كافة الأصعدة، ولعل السبب الرئيسي هو عدم وجود إرادة سياسية "موحدة" للتعاطي معه، وتغليب التعامل الفردي على التعامل "القاري"؛ ما يعني تكريس الانقسام، وعدم المساهمة الفاعلة للاتحاد في القضايا ذات البعد الدولي. وهذه الأزمة لا تقتصر على القضايا الدولية فقط، وإنما أيضًا على القضايا الإفريقية، والتي قد تتباين مواقف الدول المؤثرة بها بشأن كيفية التعاطي معها "مثل قضية سد النهضة، والسودان، وغيرها".
2- محدودية العمل الجماعي: حيث أظهرت الأزمة ضعف التنسيق المؤسسي؛ فقد مالت الدول الإفريقية لتشكيل مواقفها بناءً على علاقاتها الثنائية مع أطراف الصراع؛ ما أدى إلى تباين في الاستجابات الوطنية معها.
3- عدم امتلاك الاتحاد الإفريقي الأدوات القادرة على تحويل البيانات والإدانات إلى واقع عملي، متمثل في وجود أجندة إفريقية مستقلة تصلح أساسًا لتسوية الصراع أو المناقشة على طاولة المفاوضات، وإنما اكتفت المفوضية بتأكيد جاهزيتها للدعم أو المساندة في أي مبادرة تهدف إلى وقف التصعيد.
ثالثًا: تداعيات الحرب على القارة الإفريقية
يمكن القول بوجود مجموعة من التداعيات "السلبية" لهذه الحرب على دول القارة ككل، وإن كانت تأثيراتها قد تختلف من حيث الدرجة بحسب البُعد الجيوبوليتيكي من ناحية، والهيكل الاقتصادي لهذه الدول من ناحية ثانية.
1- الآثار الاقتصادية
يُلاحَظ أن تأثيرات هذا الصراع على إفريقيا لن تكون متساوية، في ظل التباين بين الدول المنتجة للنفط والدول المستوردة، إلى جانب تداعيات اضطراب سلاسل الإمدادات الغذائية وارتفاع معدلات التضخم.
1- فبعض الدول الإفريقية المنتجة للنفط قد تستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية، مثل نيجيريا وأنجولا والكونغو، وإن كان بعضها قد يواجه ضغوطًا تضخمية، بسبب اعتمادها على استيراد المشتقات البترولية، مقابل معاناة الدول المستوردة للنفط ومشتقاته(18).
2- تراجع قيمة العملات الوطنية؛ فقد أدَّى ارتفاع أسعار النفط، في 24 مارس/آذار، بنسبة 50% إلى استنزاف احتياطيات العملة الصعبة، وتقليص قدرة الحكومات على سداد الديون السيادية.
فوفقًا لبيانات بنك التنمية الإفريقي، 2026، الخاصة بمؤشرات الاقتصاد الكلي، تراجعت قيمة العملة لـ29 دولة إفريقية "أبرزها مصر، وسيشل، وجنوب إفريقيا، وأوغندا، وزامبيا، وبتسوانا"، مع زيادة خدمة الدَّيْن الخارجي، وبالتالي ارتفاع أسعار الواردات وتراجع الاحتياطي الأجنبي، وهو ما أثَّر على الدول التي تعاني أصلًا من ارتفاع خدمة الدين، وتراجع هذه الاحتياطيات في دول مثل السنغال، والرأس الأخضر، وجنوب السودان، وغامبيا(19).
3- ارتفاع أسعار الأسمدة وسلاسل التوريدات الغذائية؛ مما يشكِّل تهديدًا للأمن الغذائي في القارة.
فقد أصبحت مدخلات الأسمدة المرتبطة بسلاسل التوريد الخليجية نادرة وباهظة الثمن أيضًا؛ مما سيؤثر على الموسم الزراعي الحالي، ومن المحتمل انخفاض المحاصيل بنسبة تتراوح بين 20-30% في أجزاء من منطقة الساحل إذا استمر نقص المدخلات، ويحدث هذا الانخفاض في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية أصلًا، ففي الدول غير الساحلية المنتشرة في معظم أنحاء الساحل تُشكِّل تكاليف النقل نسبة كبيرة من أسعار المواد الغذائية، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الديزل يُترجم مباشرةً إلى ارتفاع أسعار المستهلك؛ مما يُنشئ حلقة مفرغة يتحول فيها تضخم الطاقة إلى تضخم في أسعار الغذاء(20).
4- تراجع الاستثمارات الخليجية، خاصة الإماراتية، بسبب تكلفة الحرب. فقد برزت خلال السنوات الأخيرة استثمارات خليجية كبيرة في إفريقيا؛ حيث بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر لدول مجلس التعاون الخليجي بين عامَي 2012 و2025 أكثر من 179 مليار دولار "الإمارات 64.3 مليارًا، والسعودية 28.7 مليارًا، وقطر 9.2 مليارات دولار"، غير أن استمرار التوترات الإقليمية قد يدفع هذه الدول لإعادة توجيه مواردها نحو أولويات داخلية أو إقليمية، بما في ذلك الإنفاق العسكري أو إعادة الإعمار؛ ما قد يؤدي إلى تراجع التدفقات الاستثمارية نحو إفريقيا(21).
2- التداعيات الأمنية على القارة
أشار الاتحاد الإفريقي والمراكز البحثية المرتبطة به إلى أن تداعيات الحرب لا تقتصر على الاقتصاد فحسب بل ستؤثر على الملفات الأمنية داخل القارة:
تراجع الاهتمام بالصراعات الإفريقية، فقد أدى انشغال القوى الدولية بالحرب إلى تراجع الاهتمام بالملفات الإفريقية "مثل الصراع في السودان والصومال ومالي"؛ مما منح الأطراف المحلية في تلك الصراعات هامشًا أكبر للمناورة في ظل غياب الضغوط الخارجية، فضلًا عن تراجع الدعم الخارجي المقدم لهذه الدول بسبب الانشغال بالإنفاق على التسلح(22).
تراجع الوساطات الإقليمية للصراعات الإفريقية، خاصة الوساطات الخليجية "السعودية في الصراع بين إثيوبيا وإريتريا، قطر بالتعاون مع الولايات المتحدة في الصراع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، السعودية ومصر في الصراع في السودان"(23).
قد يحدُّ الصراع أيضًا من إمكانية حصول الدول الإفريقية على الأسلحة الإيرانية، لاسيما الحكومات العسكرية في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، التي تُشكِّل تحالف دول الساحل.
وتشير بعض التقارير إلى أن مالي تسعى للحصول على منظومة دفاع جوي إيرانية من طهران، بينما زار رئيس أركان دفاع بوركينا فاسو طهران قبل الحرب بأقل من أسبوع لبحث إمكانية شراء طائرات مسيَّرة. ومع ذلك، فإن دول الساحل تستورد أسلحة من روسيا وتركيا أكثر بكثير مما تستورده من إيران، وقد يكون التأثير الإجمالي للحرب على ترساناتها محدودًا(24).
يرتبط بما سبق أن الحرب قد تؤدي لأحد أمرين بالنسبة لإيران: تراجع نفوذها في القارة نتيجة استنزاف الموارد والضغوط العسكرية، أو محاولة تعويض هذا التراجع عبر أدوات غير مباشرة، من خلال دعم جماعات محلية أو توسيع نطاق التأثير في مناطق هشَّة مثل القرن الإفريقي والساحل والصحراء، وفي مقدمتها جبهة البوليساريو من خلال اختراقها أو دعمها بصورة غير مباشرة، وهو ما أثار نقاشات سياسية داخل الولايات المتحدة حول تصنيفها منظمة إرهابية، مع التحذير من اختراق إيراني محتمل للمنطقة عبر هذه الجماعة(25).
إمكانية حدوث اضطراب في بعض الأقاليم "مثل القرن الإفريقي" بسبب القرب الجغرافي، ووجود الحوثيين على الضفة الأخرى من باب المندب، وإمكانية استهدافهم المصالح والقوات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، خاصة في جيبوتي، التي تستضيف قاعدة لومونييه الأميركية.
قد تؤدي زيادة المخاطر البحرية في باب المندب إلى لجوء بعض الدول الإفريقية لاتخاذ ترتيبات أمنية جديدة، أو إلى فتح المجال أمام شراكات إضافية مع القوى الخارجية بهدف حماية الموانئ والممرات البحرية؛ ما يضع مسألة السيادة السياسية في مواجهة مباشرة مع اعتبارات الأمن(26).
إمكانية حدوث اضطرابات داخلية في الدول التي توجد بها قوى شيعية وحركات جهادية سُنِّية في شرق وغرب القارة.
3- التداعيات السياسية
قد يؤدي الانشغال الأميركي بالحرب ضد إيران إلى استمرار الهيمنة والتمدد الصيني والروسي في إفريقيا، الصيني في مناطق الشرق، وروسيا في منطقة الساحل بالأساس، التي شهدت تراجعًا أميركيًّا وفرنسيًّا في الآونة الأخيرة، خاصة من قبل النظم العسكرية في منطقة الساحل.
خاتمة
إن الموقف الإفريقي تجاه الصراع الأميركي/الإسرائيلي مع إيران يغلب عليه الطابع "الدبلوماسي-المصلحي"، في ظل إدراك الاتحاد أن أمن القارة مرتبط بشكل لا يتجزأ بأمن منطقة الشرق الأوسط.
ونظرًا للتداعيات السلبية لهذه الحرب على القارة، فإن هناك بعض التوصيات لكي يصبح الاتحاد فاعلًا ومؤثرًا في التعامل مع القضايا الدولية:
تعزيز التكتل الاقتصادي: من خلال تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) لتقليل الاعتماد على الواردات المرتبطة بمناطق الصراع، مع إعطاء الاستثمار في الطاقة المتجددة وتوطين سلاسل الإنتاج الزراعي أولوية إستراتيجية، لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات العالمية.
تطوير دبلوماسية الطاقة: عبر تنويع مصادر الطاقة والاعتماد على الموارد المحلية "الطاقة المتجددة" لتحصين القارة ضد تقلبات الأسواق العالمية.
الاستقلالية السياسية: عبر الاستمرار في سياسة "أصوات إفريقية موحدة" في المحافل الدولية لرفض تحويل القارة إلى ساحة خلفية للصراعات الدولية.
إن التحدي الحقيقي للقارة لم يعد في احتواء آثار هذا الصراع بقدر ما يكمن في إعادة صياغة نموذج للتعامل معها، ويتطلب ذلك الاهتمامَ، وفق بعض الباحثين، بالتركيز على ثلاث أولويات، هي: تقليص الاعتماد على الواردات في القطاعات الحيوية، وبناء منظومات إنتاج محلية وإقليمية أكثر تكاملًا، وتعزيز أمن الطاقة والغذاء مدخلين أساسيين للاستقرار الاقتصادي(27).
1- Adeyemi, Segun, Diplomatic Tightrope: Africa and the Iran Conflict, 16 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/hOOyLG](https://2u.pw/hOOyLG)
2- African Union, The Impacts of the Middle East Conflict on African Economies, Joint Policy Brief, 7 April 2026, p.6.
3- سليمان، ذو النون، تداعيات الصراع الأميركي/الإيراني على إفريقيا: المخاطر الاقتصادية والأمن الغذائي، مركز تقدم للسياسات–لندن، 16 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2026)،
[https://2u.pw/neHl5n](https://2u.pw/neHl5n)
4- زكريا، محمد، من مضيق هرمز إلى أسواق إفريقيا: كيف تعيد الحرب على إيران تشكيل الاقتصاد الإفريقي؟، أفرو بوليسي، 31 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2026)،
[https://2u.pw/8YJPoP](https://2u.pw/8YJPoP)
5- Okumu, Wafula, The African Union’s Crisis of Consistency: A Test of Principled Leadership, 4 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/Ynko6e](https://2u.pw/Ynko6e)
6- AU Commission, Press Statement on US-Iran Military Escalation, 28 February 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/0SKlib](https://2u.pw/0SKlib)
7- Statement by H.E. the Chairperson of the African Union Commission on Escalation of Conflict in the Middle East, Press Releases, 28 February 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/f5GvDe](https://2u.pw/f5GvDe)
8- Staeger, Ueli, The African Union’s Crisis Diplomacy on the US-Israel War with Iran, Commentary, 18 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/DnjK3I](https://2u.pw/DnjK3I)
9- The African Union Commission Chairperson Welcomes the China–Pakistan Five-Point Initiative on the Situation in the Gulf and Middle East Region, 3 April 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/B556W9](https://2u.pw/B556W9)
10- AU Commission Chairperson Welcomes the US-Iran Ceasefire Agreement and Urges Sustained Dialogue for Lasting Peace, Press Release, 8 April 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/5SLlmf](https://2u.pw/5SLlmf)
11- Kulkarni, Pavan, Mixed Messaging From African Leaders on US-Israel War on Iran, 4 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/uw5EVG](https://2u.pw/uw5EVG)
12- حول مواقف دول القرن الإفريقي، انظر: عسكر، أحمد، حسابات طهران: هل تتسع رقعة الحرب إلى القرن الإفريقي؟، موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 8 مارس/آذار 2026، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2026)، [https://2u.pw/ovpJQp](https://2u.pw/ovpJQp)
وانظر أيضًا:
Olivier, Mathieu, Iran-Africa: Who’s Who in Tehran’s Influence Network on the Continent?, The Africa Report, 15 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/oiYPOb](https://2u.pw/oiYPOb)
13- Bhattacharya, Samir, US-Israel War on Iran and Rise of African Pragmatism, 12 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/Df2Pt2](https://2u.pw/Df2Pt2)
14- المرجع نفسه.
15- Kulkarni, Pavan, Ibid.
16- حول الموقف في غرب إفريقيا، انظر: عسكر، أحمد، سياسة التحوط: حسابات إفريقيا في حرب إيران، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 1 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 25 أبريل/نيسان 2026)،
[https://2u.pw/gxskrn](https://2u.pw/gxskrn)
17- Bhattacharya, Samir, Ibid.
18- عبد السلام، جيهان، انعكاسات الحرب على اقتصادات دول إفريقيا جنوب الصحراء: تأثيرات الحرب الإيرانية من منظور إفريقي، قراءات إفريقية، 26 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 27 أبريل/نيسان 2026)،
[https://2u.pw/HmkipJ](https://2u.pw/HmkipJ)
19- African Union, The Impacts of the Middle East Conflict on Africa, Joint Policy Brief, 2 April 2026, p.2.
20- Al Ghwell, Hafed, Impacts of the Iran War on North Africa, the Sahel, and the Mediterranean: How the Iran War Disrupts Energy, Trade, and Food Systems Across North Africa and the Sahel, Reshaping Regional Stability, 31 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/OJ5sXb](https://2u.pw/OJ5sXb)
21- سليمان، ذو النون، مرجع سابق.
22- African Union, The Impacts of the Middle East Conflict on Africa, Joint Policy Brief, 2 April 2026, p.2.
23- Conflict and Consequences: The Global Impact of the New Middle East War, International Crisis Group, 14 March 2026, (visited 27 April 2026),
[https://2u.pw/CDDWos](https://2u.pw/CDDWos)
24- المرجع نفسه.
25- المنسي، إسلام، تأثير الحرب على النفوذ الإيراني في القارة، قراءات إفريقية، 26 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 27 أبريل/نيسان 2026)، [https://2u.pw/HmkipJ](https://2u.pw/HmkipJ)
26- رشوان، محمد فؤاد، إفريقيا بين التوازنات الدولية والضغوط الجيوسياسية: دراسة في تداعيات الحرب الإيرانية-الأميركية-الإسرائيلية، مركز إيجبشن إنتربرايز للسياسات والدراسات الإستراتيجية، 8 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 27 أبريل/نيسان 2026)، [https://2u.pw/kzLBrx](https://2u.pw/kzLBrx)
27- زكريا، محمد، مرجع سابق.a