يصعب تصنيف واشنطن بوست، بمِلكيتها الحالية، بالصحيفة المعارضة لإدارة ترامب، بالرغم من أنها لا تُحجم عن توجيه انتقادات لسياساته من وقت لآخر، وفاء لما تبقى من تقاليدها الليبرالية. ولذا، فلابد أن يؤخذ تعليقها على زيارة الرئيس ترامب الأخيرة للصين، بين 13-15 مايو/أيار 2026، بقدر كبير من الاهتمام. في افتتاحيتها حول الزيارة، قالت واشنطن بوست: إن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أظهر عدم احترام لترامب، وعمل على تأكيد ندية الصين للولايات المتحدة. ووصفت الصحيفة الزيارة بأنها "قمة مخيِّبة للآمال"، وأنها لم تحقق سوى الحفاظ على الوضع القائم بين الدولتين، وانتهت حتى بدون صدور بيان مشترك.
عدد من مراقبي القوة الأميركية، والتحديات التي بدأت تواجهها في العقد الأخير، لفتوا الانتباه إلى الارتباك الذي شاب زيارة ترامب للصين، وإلى أنها افتقدت التخطيطَ والإعداد المسبقيْن، كونها جاءت بعد تأجيل فرضته الحرب على إيران عن موعدها المسبق في مارس/آذار الماضي. وإلى جانب أن الحرب على إيران فشلت في تحقيق أهدافها، يقول هؤلاء: إن الحرب لم تعد محدودة بالمسرح الشرق أوسطي، وإن صداها لابد أن يُنظر إليه من حيث تأثيره على نظام الهيمنة الأميركية في المسرح الدولي. ولم يتردد عدد من القائلين بتراجع القوة الأميركية في وصف الفشل في حرب إيران بأنه أقرب إلى "لحظة السويس"، في استدعاء لكارثة الفشل البريطاني في العدوان الذي شنَّته على مصر، عام 1956.
فإلى أي حدٍّ يمكن القول: إن الحرب على إيران قد انتهت فعلًا إلى فشل إستراتيجي للولايات المتحدة؟ وهل ثمة علاقة مباشرة بين الفشل في إيران، والنتائج المتواضعة للقمة الأميركية-الصينية؟ وهل باتت الولايات المتحدة في مواجهة "لحظة السويس" الخاصة بها؟
الفشل في إيران
تنبع مقولة الفشل الأميركي الإستراتيجي في إيران من فرضيات ثلاث؛ الأولى: عجز واشنطن المتكرر عن إدراك حدود القوة العسكرية. والثانية: إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهداف الحرب الأساسية. والثالثة: انفلات أصداء الحرب وعواقبها، معًا، من مجالها شرق الأوسطي إلى الساحة الدولية.
حشدت الولايات المتحدة في مواجهة إيران، بمعزل عن المساهمة الإسرائيلية في الحرب، واحدة من أضخم القوى العسكرية، بقوة نيران لم يشهدها العالم، ربما منذ غزو العراق في 2003. ارتكز الحشد الأميركي إلى ثلاث حاملات طائرات والعديد من القطع البحرية، وإلى وجود أميركي عسكري في بعض جوار إيران العربي. استهدف القصف الأميركي لإيران، الذي استمر لما يقارب الأربعين يومًا، بصورة مباشرة، أو بالتنسيق مع إسرائيل، شخصيات الصف الأول للنظام الإيراني، بمن في ذلك المرشد الأعلى وكبار قيادات الحرس الثوري وعدد من القيادات السياسية النافذة، ومئات المواقع الأمنية والعسكرية، النووية وغير النووية، إضافة إلى صناعات البنية التحتية، ومصافي نفط، ومراكز توليد طاقة، وجامعات ومدارس ومراكز أبحاث.
ولكن نتائج القصف المدمر كانت أكثر تواضعًا مما ظنَّت الإدارة الأميركية، سواء من جهة تقدير حجم الخسائر التي أُوقِعت بإيران، أو من جهة تقدير حجم الرد الإيراني. فطبقًا لتقرير نشرته نيويورك تايمز، في 13 مايو/أيار، وارتكز إلى تقارير استخباراتية أميركية رسمية، لا تزال إيران تحتفظ بمعظم ترسانتها الصاروخية. كما أنها أعادت تشغيل 30 من أصل 33 قاعدة صاروخية في محيط مضيق هرمز. وتقول نيويورك تايمز: إن 70 بالمئة من مخزون إيران الصاروخي، و90 بالمئة من منشآت التخزين والإطلاق، المنتشرة في كافة أنحاء البلاد، عادت صالحة للاستخدام.
هذا التباين بين حجم الهجمات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية وأثرها العسكري والسياسي، على السواء، هو ما يجعل هدف استسلام إيران بعيد التحقق. صحيح أن إدارة ترامب أرادت أصلًا إخضاع النظام الإيراني وتغيير وجهته الإستراتيجية، وأن الإسرائيليين سعوا لإطاحة النظام واقتلاعه من جذوره، ولكن الحرب لم تنجح حتى الآن في تحقيق هدفها الأساسي. وهذا ما يعنيه الاستنتاج بأن الولايات المتحدة تواجه فشلًا إستراتيجيًّا في إيران. صحيح أيضًا أن إدارة ترامب، عمدت إلى الهبوط بقائمة أهدافها، من تغيير النظام إلى التركيز على المشروع النووي الإيراني، وعلى مضيق هرمز، مع تجاهل مسألة مدى الصواريخ الإيرانية وعلاقة إيران مع القوى الحليفة في الإقليم، ولكن هذا الهبوط قد يكون دليلًا إضافيًّا على الفشل، وليس على نفيه.
ثمة عدد من الأسباب خلف الفشل الأميركي في إيران؛ الأول: أن إدارة ترامب لم تستطع رؤية حدود القوة العسكرية الباطشة، سيما عندما يقتصر استخدام القوة العسكرية على القصف الجوي. ففي فيتنام، لم يستطع القصف الجوي المدمِّر، الذي استمر عدة سنوات، إخضاع فيتنام الشمالية. ولا يُتوقع أن تعلن إيران، التي تفوق فيتنام مساحة وسكانًا ومقدَّرات، الاستسلام مهما بلغت حملة القصف حدَّة ووقعًا. وبالنظر إلى أن الرأي العام الأميركي لا يرى أي مصداقية لادعاءات التهديد الإيراني، فمن المستبعد أن تجد إدارة ترامب دعمًا لخطوة تتضمن غزوًا لإيران، بكل ما يحمله الغزو من مخاطر على القوات الغازية.
السبب الثاني، أن إدارة ترامب، وعلى الرغم من الاهتمام الأميركي الطويل بالشأن الإيراني، لم تكن تفهم طبيعة النظام الإيراني، ولا استطاعت رسم صورة صحيحة للمعارضة الإيرانية، داخل البلاد وخارجها. والواضح أن واشنطن قبلت التقارير الإسرائيلية حول إيران ونظامها ومعارضتها دون تدقيق كاف. وكانت النتيجة، بالطبع، أن خطة الحرب ارتكزت إلى فرضيات واهية، وغير قابلة للتحقق. فإدارة ترامب لم تأخذ في الاعتبار البنية بالغة التعقيد للنظام الإيراني، ولا حقيقة توزع القوة بين مؤسسات الحكم المتعددة، السياسية والعسكرية. وكما بالغت الإدارة الأميركية وحلفاؤها الإسرائيليون في قوة وفاعلية المعارضة المسلحة في الخارج، لم تضع في الحسبان ثقل الولاء القومي للشعب الإيراني، حتى في صفوف الشارع المعارض داخل البلاد وخارجها.
والسبب الثالث، أن الرد الإيراني على الحرب لم يثبت فاعليته وحسب، بل منح إيران المزيد من أوراق المساومة، التي لم تكن في حوزتها قبل الحرب، مع أن إدارة ترامب دأبت على التقليل من حجم الإنجازات الإيرانية خلال أسابيع المواجهة العسكرية. وبالرغم من عدم توافر بيانات رسمية موثوقة من الأميركيين والإسرائيليين، يبدو أن الإيرانيين نجحوا في إحداث عطب كامل أو جزئي في معظم مراكز التواجد العسكري الأميركي في العراق ودول الخليج والأردن، وفي تحقيق إصابات مباشرة في عشرات المواقع العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.
كما شكَّل القصف الإيراني تهديدًا إستراتيجيًّا لمعظم دول الخليج، بالرغم من نجاح هذه الدول في اعتراض عدد كبير من الصواريخ والطائرات الإيرانية المسيَّرة. وربما كان نجاح الإيرانيين في السيطرة على مضيق هرمز، والتحكم في حركة الملاحة عبره، واحدًا من أكثر تطورات الحرب مفاجأة ووَقْعًا. وبالنظر إلى ضيق الممر الصالح للملاحة في المضيق، ووقوعه تحت إشراف التحصينات الإيرانية الساحلية، يبدو كأن خيارات فتح الممر بالقوة العسكرية باتت معدومة.
ثمة من يرى، مثل د. روبرت بايب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو والمتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية، أن الفشل الإستراتيجي قد لا يُفضي بالضرورة إلى وقف الحرب. فقد يؤدي غرور القوة في الإدارة الأميركية، إضافة إلى المخاوف من أثر الفشل على موقع الولايات المتحدة في العالم، تمامًا كما حدث في فيتنام، إلى ما يشبه العمى الإستراتيجي، وإلى إنكار ممعن لحدود القوة العسكرية، ومن ثم إلى المزيد من التصعيد. ولكن الأرجح أن جولة أخرى من الحرب لن تستطيع تحقيق ما عجزت الجولة الأولى عن تحقيقه. وهذا ما يدفع إلى التساؤل عما إن كان من الضروري أن يُنظر إلى الفشل الأميركي في إيران بصفته تطورًا بالغ الأهمية في وضع الولايات المتحدة على الساحة الدولية: ألم تفشل الولايات المتحدة في عملية خليج الخنازير، في أبريل/نيسان 1961، التي استهدفت هي الأخرى إخضاع كوبا، دون أن يترك الفشل أية آثار مديدة على موقع ودور الولايات المتحدة في العالم؟
الحقيقة أن الحرب على إيران لم تعد من يومها الأول عملية محدودة، لا في ميدانها ولا في أهدافها، وأن الفشل في هذه الحرب يتجاوز بكل الحسابات الفشل في كوبا الستينات، أو فيتنام السبعينات، أو حتى الفشل في أفغانستان قبل سنوات قليلة. إيران هي إحدى كبرى الدول النفطية، وهي دولة رئيسة في خارطة القوة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، حتى عندما توضع إسرائيل في حسابات القوة. ولأن التهديد الإيراني الإستراتيجي للجوار الخليجي استهدف أيضًا عددًا من كبار منتجي الطاقة في العالم، وأن الرهان الأبرز في الحرب تمحور حول عدد من الملفات ذات التأثير العابر للحدود، فقد انتقل الفشل في إيران من إطاره الإقليمي إلى الساحة الدولية.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن إيران دولة وثيقة الصلة مع روسيا والصين اللتين تمثلان الكتلة الدولية المنافسة للولايات المتحدة على أكثر من صعيد. وإذا وُضعت أهداف الحرب الأساسية، وعلاقات إيران الوثيقة مع روسيا والصين في الاعتبار، يبدو الفشل في الحرب فشلًا لمشروع حسم الصراع على الشرق الأوسط كلية، وإقامة توازن قوة جديد، يحقق هيمنة قاطعة لعدة عقود قادمة.
إضافة إلى ذلك، خاضت الولايات المتحدة معظم حروبها منذ الحرب العالمية الثانية بدعم وتأييد، وأحيانًا مشاركة حليفاتها الغربية في أوروبا أو كندا وأستراليا. أما في هذه الحرب، فقد قررت الولايات المتحدة خوض الحرب بمعزل عن الدول الغربية الأخرى، بل وفي ظل توتر العلاقات مع معظم تلك الدول، وفي تحالف غير مسبوق مع دولة إسرائيل، التي تعد دولة غريبة عن محيطها شرق الأوسطي. وهذا ما دفع أمثال روبرت كيغان، أحد أبرز أنصار سياسة التدخل الأميركي في الخارج، والذي عمل في مواقع استشارية لإدارات جمهورية وديمقراطية، إلى أن يكتب في أتلانتيك، في 11 مايو/أيار، أن إيران توشك أن تحقق تغييرًا في ميزان القوى في محيطها الجيوسياسي، وأن الرئيس ترامب لم تعد لديه أية أوراق وازنة لمواصلة اللعب، وأن الصين وروسيا ودولًا أخرى تراقب ما يحدث في الخليج عن كثب، وأن التكيف العالمي مع حقبة ما بعد الهيمنة الأميركية آخذ في التسارع. بعبارة أخرى، ما يبدو، هو أن الحرب على إيران تمثل لحظة انكسار غير قابلة للإصلاح في مسيرة القوة الأميركية، بكل ما كانت تعنيه هذه القوة من تفرد وسيطرة عالمية الأبعاد.
لقاء القمة في بيجين
ثمة عدد من الفرضيات التي يبدو أنها أَسَّست لزيارة الرئيس ترامب للصين وعقد لقاء قمة مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ. الأولى: أن إدارة ترامب باتت ترى أن ليس ثمة مناص من التعامل مع الصين بوصفها قوة عظمى، ربما ليس على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، ولكنها قوة عظمى على أية حال، سيما بعد أن بيَّن عجز روسيا عن حسم حربها في أوكرانيا وتراجعها الاقتصادي الملموس، أنها لم تعد تُحسب ضمن دول الصف الأول. والفرضية الثانية: أن إدارة ترامب لا ترى ضرورة ولا فائدة من المواجهة مع الصين، لا في المجال الاقتصادي والتجاري ولا في مناطق التنافس والتوتر الجيوسياسي، مثل تايوان، وأن الأفضل للدولتين محاولة التوصل إلى تسوية تفاوضية للخلافات بينهما. أما الثالثة، فإن جدول الأعمال الذي حمله ترامب معه إلى بيجين تضمن العديد من المسائل، وإن لم تكن الحرب على إيران الأبرز بينها فالمؤكد أنها طُرحت على طاولة البحث. ويمكن تقسيم أجندة التفاوض، على الأقل من وجهة نظر الوفد الزائر، إلى ملفين رئيسيين: ملف العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، وملف القضايا الجيوسياسية، بما في ذلك السلاح النووي.
يبلغ حجم الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة 308 مليارات دولار سنويًّا، بعد أن هبط من مستواه الأعلى الذي كان بلغ 534 مليارًا من الدولارات. في المقابل، لا تتجاوز الصادرات الأميركية إلى الصين 106 مليارات دولار. بمعنى، أن هناك خللًا فادحًا في الميزان التجاري لصالح الصين؛ الأمر الذي أصبح مصدر قلق للإدارات الأميركية المتعاقبة منذ رئاسة أوباما. وكانت الدولتان قد توصلتا إلى هدنة تفاوضية لحرب الرسوم الجمركية، التي أطلقها الرئيس ترامب قبل حوالي العام ضد الصين وكافة دول العالم الأخرى المصدِّرة للسوق الأميركية. ولكن إدارة ترامب تعتقد أن الاتفاق الجمركي ليس كافيًا لمعالجة كافة مسائل ملف العلاقات الاقتصادية والتجارية.
لم يصدر عن لقاء القمة بيان تفصيلي مشترك، وإن كان من المفترض أن مباحثات تمهيدية بين مسؤولي الدولتين سبقت لقاء الرئيسين. ويمكن الاستنتاج أن ترامب حصل من الصين على بعض التنازلات، وأن الصين باتت أكثر اطمئنانًا إلى وجودها في السوق الأميركية. فقد أعلنت الصين، مثلًا، أنها بصدد التعاقد على 200 طائرة نقل مدنية من شركة بوينغ. وطبقًا للتصريحات الأميركية، ستزيد الصين من وارداتها من المنتجات الزراعية الأميركية، سيما فول الصويا. كما يبدو أن الصين وعدت، دون أن توقِّع اتفاقًا ملزمًا، بإفساح مجال أوسع لشركات التقنية الأميركية الجديدة، وبأن لا تضع قيودًا على صادرات المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة. ولكن الأرجح أن الطرفين لم يتوصلا لاتفاق بشأن خلافاتهما على تطوير برامج الذكاء الاصطناعي.
أما فيما يتعلق بملف القضايا الجيوسياسية، فيبدو أن ما أُحرز كان أقرب إلى التوافقات الرمزية منها إلى الجوهرية. فقد كان الأميركيون يأملون أن توافق الصين على بدء مباحثات ثلاثية مع الولايات المتحدة وروسيا حول السلاح النووي، وهي التي حددتها اتفاقيات ثنائية أميركية-روسية منذ سنوات الحرب الباردة. ولكن، طبقًا لتصريحات الرئيس ترامب، لم يُلزم الصينيون أنفسهم سوى بالوعد بدراسة هذا الطرح. أما حول أوكرانيا، فقد أكَّد الصينيون موافقتهم الجانب الأميركي على ضرورة إيجاد حل سريع للأزمة، ولكنهم تجنبوا المبادرة إلى لعب دور فعَّال للتوصل إلى هذا الحل. وبخصوص الحرب على إيران، التي تصور الجانب الأميركي أن يدفع التضرر من إغلاق مضيق هرمز بيجين إلى تبني موقف أكثر فاعلية، لم يذهب الموقف الصيني أكثر من التأكيد على ضرورة الحفاظ على أمن المضيق وحرية الملاحة عبره، وفي المقابل، على ضرورة تجنب عسكرة منطقة الخليج، دون توجيه أية إدانة لإيران.
أما المسألة الأكثر حساسية وإلحاحًا في الملف الجيوسياسي من المنظور الصيني فقد كانت بالتأكيد تايوان. وقد ذكر الرئيس ترامب أنه أحجم عن الإجابة على سؤال شي جين بينغ حول ما إن كانت الولايات المتحدة تعتزم الدفاع عن تايوان إن حاولت الصين توحيد الجزيرة بالقوة. ولكن الملاحظ أن الرئيس الأميركي كان قد علَّق الموافقة على صفقة سلاح أميركي بقيمة 11 مليار دولار لتايوان، قبل لقاء القمة؛ وكأنه أراد إرسال إشارة إيجابية لمضيفه الصيني، دون أن يتخلى كلية عن الورقة التايوانية. في المقابل، كان شي جين بينغ، كما وزير خارجيته، أكثر وضوحًا عندما أكد أن تايوان تمثل الخط الأحمر للسياسة الصينية ولعلاقات الصين الخارجية.
في العموم، وبينما لم يكن خافيًا أن شي جين بينغ تحدث خلال القمة بلغة النِّد، فقد بادر أيضًا إلى طرح رؤية جديدة وتوافقية لهوية الصين وموقعها في العالم. ففي حديثه خلال جلسة عشاء يوم القمة الأول، حذَّر الرئيس الصيني الولايات المتحدة من الوقوع في "مصيدة ثوسيديدس"، التي وصفت اندفاعة إسبرطة إلى خوض الحرب البيلوبونيسية في ردِّ فعل على صعود قوة أثينا، في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد. وبتأكيده أن ازدهار الصين يمكن أن يتحقق يدًا بيد مع "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، بدا وكأن شي جين بينغ يطرح تصورًا لشراكة أميركية-صينية في الساحة الدولية. بمعنى، أن شي جين بينغ، وعلى الرغم من أنه يدعو الولايات المتحدة للتعامل مع الصين على قدم المساواة، لم يعد يرى الصين طرفًا خارجًا، أو غريبًا، عن نادي الرأسماليات الكبرى، حتى دون أن تكون الصين دولة ديمقراطية. فلماذا، إذن، بدت الصين خلال يومي القمة أقل استعدادًا لمناقشة القضايا الجيوسياسية منها إلى التفاوض حول الجوانب الاقتصادية والتجارية بين الدولتين؟
الإجابة السريعة عن هذا السؤال، هي أن الرئيس الأميركي ذهب إلى بيجين من موقع ضعف وليس في موقف قوة، وأن الصين ليست مضطرة لتقديم يد العون لإخراج الولايات المتحدة من المآزق الدولية التي صنعتها بيديها. فالصين، على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع روسيا، ليست طرفًا في الحرب الأوكرانية، بل إن موسكو لم تستشر بيجين أصلًا عندما بدأت الحرب. ولكنها تَعُدُّ الولايات المتحدة، ومهما حاولت الابتعاد، طرفًا متورطًا في الحرب. وليس من الواضح ما إن كانت إدارة ترامب قد وجدت فعلًا طريقة مقبولة لإنهاء الحرب في القارة الأوروبية، وإعادة بناء العلاقات مع روسيا. ولأن الحرب على إيران قد اكتسبت أبعادًا دولية، ولم تعد شأنًا محدودًا بمنطقة الخليج أو الشرق الأوسط، فإن الفشل في إيران لابد أن يوضع ضمن حسابات الوضع الدولي للقوة الأميركية.
هذه بالطبع رؤية صحيحة للموقف الأميركي، ولكن الأرجح أيضًا أن هناك سببًا، أو أسبابًا أخرى، لا تقل وجاهة، للتردد الصيني من لعب دور فعَّال في الصراعات الدولية. فالصين تدرك أنها لم تزل، في حسابات القوة القاهرة، في موقع أضعف من الولايات المتحدة. كما أن هذه الدولة الصينية، التي بناها ماو وجيل حرب التحرير، والتي وضعت نهاية لقرن الإهانة الطويل للشعب الصيني وصنعت الاستقلال، وُلِدت من وعي مناهض للإمبريالية. وعلى الرغم من أن مياهًا كثيرة جرت تحت الجسر منذ أعلن الحزب الشيوعي الصيني جمهورية الصين الشعبية، لا تزال مناهج التعليم مشبعة بالخطاب المعادي للإمبريالية. ولأن القيادة الصينية تدرك أن الدخول النشط إلى ساحة التدافع الجيوسياسي الدولية يحمل معه بداية التحول نحو تبني سياسة إمبريالية، تجد بيجين صعوبة في الانخراط في مناطق الصراع الجيوسياسي.
الصين، وأميركا، والشرق الأوسط
لم تنته المواجهة بعدُ في محيطها الأوسع في المشرق. وليس من الواضح ما إن كانت الحرب على إيران تمضي نحو تسوية تفاوضية أم اتفاق أولي يترك مصير المواجهة مفتوحًا على عدة احتمالات، أم عودة إلى القصف المتبادل ودوي المدافع، أو حتى إلى مواصلة المحاولة الأميركية/الإسرائيلية لإسقاط النظام بوسائل أخرى. وليس من الواضح كيف ستنتهي المواجهات في غزة والضفة، وفي سوريا، وفي لبنان. ولكن المؤكد أن الاندفاعة الأميركية-الإسرائيلية لحسم الصراع في الشرق الأوسط والهيمنة على المنطقة قد أخفقت. وليس ثمة ما يشير إلى أن الأمور ستصبح على صورة الشرق الأوسط الذي تحدث عنه نتنياهو في خطابه الشهير، في سبتمبر/أيلول 2024، ولا هو الشرق الأوسط الذي أعرب الرئيس ترامب مرارًا عن رغبته في السيطرة على مقدراته.
فهل يعني هذا الإخفاق خروجًا أميركيًّا هادئًا من المنطقة؟ وهل ستبدأ الدول الحليفة للولايات المتحدة في الإقليم في إعادة النظر فيما يفرضه هذا التحالف من وجود عسكري أميركي؟ أو أن إدارة أميركية مقبلة، بعد عامين أو أكثر قليلًا، ستعمل على تطوير مقاربة إستراتيجية أخرى، وعلى ترميم النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، كما فعلت إدارة أوباما بعد كارثة الحروب التي أطلقتها إدارة بوش الابن؟
في هذه البقعة من العالم، ولأسباب ثقافية ودينية، وللمواريث الحضارية، ولموقعها كعقدة لطرق الاتصال والنقل في العالم، ولأهميتها الجيوستراتيجية وثرواتها التي لا تنضب، نُظر إلى المجال المشرقي منذ أزمنة طويلة بوصفه الساحة الحاسمة لصعود الإمبراطوريات وانحدارها، وشهادة تأمين لموقع القوى العالمية أو تراجعها عن هذا الموقع. ولكن، ومهما كانت صورة الخارطة التي ستولد من عواصف هذه المواجهة الطويلة والمدوية في الشرق الأوسط، فمن المبكر محاولة التوصل إلى استنتاجات قاطعة حول مصائر توازنات القوة بين القوى الكبرى.
أولًا: ومهما كان حجم الإخفاق الأميركي، فهذه ليست بالضرورة "لحظة السويس الأميركية". فبريطانيا كانت قد خرجت من الحرب العالمية الثانية وقد أَخْلَت مكانها فعلًا كقوة عالمية كبرى للقوتين الصاعدتين في الساحة الدولية: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي؛ بل وحتى قبل نهاية الحرب، لم يكن لتشرتشل أن يدَّعي في مؤتمر يالطا سوى دور هامشي إلى جانب روزفلت وستالين. ما حدث في السويس، أن الفشل أعاد للطبقة البريطانية الحاكمة الوعي، الذي حاولت تغييبه، بحقيقة ما انتهت إليه الإمبراطورية بفعل المتغيرات العاصفة التي أوقعتها سنوات الحرب الثانية.
أما وضع الولايات المتحدة اليوم، فيختلف إلى حدٍّ كبير عن وضع بريطانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية. فعلى المستوى النووي والعسكري، سيما في مجال القوة البحرية، لا تزال الولايات المتحدة القوة الأولى في العالم. وكذلك هي في حسابات الاقتصاد والتقنية والبحث العلمي، وفي حيازة مقدرات القوة الناعمة. ثمة صعود صيني حثيث في مجالات الاقتصاد والتطوير والصناعة، بلا شك، ولكن الصين لا تزال تتقدم ببطء في المجالات الأخرى.
وثانيًا: لأن الصين لم تبدأ بعدُ التحرك إلى ساحة المنافسة الجيوسياسية، وليس من المتيقن، حتى إن اتجهت الولايات المتحدة إلى تخفيف وطأة نفوذها في الشرق الأوسط أو إخلائه من وجودها، أن الصين ستبادر إلى ملء الفراغ. وقد وصف الرئيس الصيني قمة بيجين بـ"مَعْلَم على الطرق"، وليس بالمنعطف الكبير، وكأنه أراد القول: إن البلدين لا يزالان في بداية رحلة طويلة.