الدور السوري: حاجة إقليمية واختبار لبناني

تعود سوريا إلى الإقليم قبل اكتمال بنائها الداخلي، لا لأنها استعادت قوتها السابقة بل لأن الحاجة إليها تتزايد أمنيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا. وتختبر الورقة فرص هذا الدور ومخاطره في لبنان بوصفه ساحته الأشد تعقيدًا.
23 July 2026
يكشف تنوع أدوار سوريا الأمنية والاقتصادية والسياسية حاجة الإقليم إليها، فيما يمثِّل لبنان أحد أبرز اختبارات حضورها الإقليمي (الصورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي).

مقدمة

شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة حراكًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا واسعًا ارتبط بسوريا مباشرة في بعض محطاته، وبصورة غير مباشرة في بعضها الآخر. ففي 2 يوليو/تموز 2026، زار وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لبنان، في زيارة أكدت أن دمشق لا تسعى إلى استعادة علاقة الوصاية السابقة بل إلى بناء علاقة بين دولتين، وإعادة وصل علاقاتها مع شيعة لبنان، وإبداء استعدادها لأداء دور فيه بطلب لبناني ومن خلال مؤسسات الدولة(1). ثم زار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، دمشق يومي 6 و7 يوليو/تموز، على رأس وفد اقتصادي(2)، في خطوة أبرزت عودة سوريا إلى حسابات إعادة الإعمار والطاقة والممرات الإقليمية. وفي 8 يوليو/تموز، التقى الرئيس، أحمد الشرع، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة؛ واكتسب اللقاء دلالة إضافية من انعقاده في تركيا بما أظهر دورها في وصل سوريا الجديدة بالترتيبات الغربية والإقليمية(3).

ومن خلال هذه المحطات، بدت سوريا كأنها تدخل مرحلة تختلف عن مرحلة إسقاط النظام السابق وتثبيت السلطة الجديدة. فقد اتسع الاعتراف الإقليمي والدولي بالحكم الجديد، وبدأت دمشق تُستدعى إلى ملفات تتجاوز حدودها، من أمن المشرق ومكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى الممرات الاقتصادية ولبنان والتسوية مع إسرائيل.

لكن هذا الانفتاح يطرح مفارقة أساسية: فالدولة السورية لم تستكمل بعد بناء مؤسساتها، ولم تبسط سلطتها بصورة مستقرة على كامل أراضيها، فيما تتزايد التوقعات الإقليمية والدولية بشأن الدور المطلوب منها. ومن ثم، لا يتعلق السؤال بما إذا كانت سوريا قد استعادت قوتها السابقة بل بما إذا كانت حاجة الأطراف المختلفة إليها قد أصبحت كافية لمنحها وزنًا إقليميًّا جديدًا قبل اكتمال بنائها الداخلي.

ومن هذا المنطلق، تبحث هذه الورقة في ثلاثة أسئلة مترابطة: هل أنجزت سوريا عملية الانتقال الداخلي بما يسمح بالقول: إن مرحلة تغيير النظام قد اكتملت؟ وهل أصبحت مؤهلة للعب دور إقليمي جديد؟ وما المتطلبات والتحديات المرتبطة بذلك؟ وأخيرًا، ما طبيعة هذا الدور؟ وما المرتكزات التي يمكن أن يقوم عليها، ولاسيما في لبنان، في ظل التحولات التي يشهدها الإقليم؟

أولًا: اكتمال البنية لا يعني اكتمال النظام

كان من أبرز القرارات المتعلقة بالبنية الدستورية للدولة السورية تعيين الرئيس أحمد الشرع سبعين عضوًا يمثلون الثلث الأخير من مجلس الشعب(4)، لينضموا إلى 137 عضوًا اختارتهم الهيئات الانتخابية، ليبدأ المجلس عمله في يوليو/تموز 2026. وتمثل هذه الخطوة تقدمًا مهمًّا في استكمال مؤسسات السلطة، لكنها لا تعني بالضرورة استقرار قواعد الحكم والعلاقة بين السلطات وانتظام بيروقراطية الدولة وأجهزتها. إذ لا تزال مؤسسات الدولة في طور إعادة البناء، سواء على مستوى الوزارات والإدارات المحلية أو الأجهزة الأمنية والعسكرية. كما تشكِّل الأزمات المعيشية تحديًا يوميًّا، من نقص الوقود والخدمات الأساسية إلى محدودية الاستثمارات ورؤوس الأموال، فيما تعيش غالبية السوريين تحت خط الفقر. أما الوضع الأمني، فما زال عرضة لاختبارات متكررة، بما في ذلك داخل العاصمة، دمشق، وهو ما يكشف أن استعادة الدولة مركزها السياسي لا يزال عملية جارية، وأن أمام دمشق مسافة عليها أن تقطعها لتصل إلى جهاز إداري وأمني مستقر ومؤسسي.

ولا يقتصر الأمر على بناء المؤسسات، بل يشمل بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. فلا تزال الحكومة تواجه تحديات في الجنوب، ولاسيما في السويداء، إلى جانب استمرار الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. كما أن التفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا تزال في طور التثبيت سياسيًّا وإداريًّا وأمنيًّا، ولا يزال تنظيم داعش يحتفظ بخلايا قادرة على شَنِّ هجمات متفرقة. مع ذلك، حققت دمشق تقدمًا في هذا الملف بسيطرتها على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا، وإغلاق مخيم الهول بعد إجلاء من بقي فيه، بالتزامن مع نقل أكثر من 5700 من معتقلي داعش من السجون السورية إلى العراق(5). لكن إغلاق المخيم ونقل المعتقلين لا يعنيان انتهاء ملف داعش وغيره من "التنظيمات الجهادية"؛ إذ ستظل تداعيات هذه المرحلة حاضرة، وستبقى مواجهتها تحديًا طويل الأجل.

وفوق ذلك، يواجه الحكم الجديد أسئلة تتصل بميراث الحرب والنظام السابق، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية والأزمة الاقتصادية. وهما السؤالان الأكثر إلحاحًا اليوم، لكنهما لن يبقيا وحدهما؛ فمع استقرار مؤسسات السلطة ستتقدم أسئلة هوية الدولة، وشكل المشاركة السياسية، وعلاقة المركز بالمكونات المحلية، وحدود التعددية داخل النظام الجديد. وبذلك، أُنجز تغيير مركز السلطة وإقامة سلطة جديدة، لكن بناء النظام البديل واستعادة الدولة لم يكتملا بعد، كما أن علاقة السلطة بالمجتمع لا تزال قيد التشكل.

ومن هنا ينشأ السؤال الأساسي: إذا كانت سوريا لم تستكمل بناء نظامها الجديد، فلماذا سارعت الدول إلى الانفتاح عليها؟ ولماذا لم تنتظر حتى تستقر مؤسساتها وأوضاعها الداخلية قبل التعويل عليها إقليميًّا؟

يمكن تفسير ذلك بملاحظتين؛ أولًا: لم يكن اكتمال الدولة السورية، تاريخيًّا، عملية داخلية خالصة؛ فقد ارتبط استقرارها بموقعها في المشرق وبالأدوار التي أدَّتها في التوازنات الإقليمية. وهذا لا يعني أن الدور الخارجي يعوِّض ضعف الداخل بل إن الداخل والخارج يتداخلان في إنتاج قدرة الدولة وشرعيتها. وفي الوضع الراهن، يصعب على سوريا استكمال بناء مؤسساتها اعتمادًا على مواردها الذاتية بعد حرب مدمرة استنزفت مواردها البشرية والاقتصادية، ولذلك يصبح الدور الإقليمي أحد شروط التعافي، لا مجرد نتيجة له.

ثانيًا: لا تمثل السياسة الخارجية في الحالة السورية امتدادًا للسياسة الداخلية فقط بل موردًا اقتصاديًّا أيضًا. فالاعتراف السياسي يفتح أبواب تخفيف العقوبات، وجذب الاستثمارات، وإعادة الإعمار، وتنشيط التجارة والممرات الإقليمية. وقد عكست زيارة ماكرون، والمنتدى الاقتصادي الذي رافقها حول إعادة الإعمار والممرات الإستراتيجية، هذا التداخل بين الموقع السياسي والوظيفة الاقتصادية. ومن ثم، فإن بناء الدولة وبناء الدور الإقليمي عمليتان متلازمتان: فكلما توسع الدور تحسنت فرص بناء الدولة، وكلما تقدمت مؤسساتها ازدادت قدرتها على تحمُّل متطلبات هذا الدور وتثبيته، خاصة أن الحاجة الإقليمية إلى سوريا هي التي تدفع نحو اتساعه راهنًا. لكن هذه العلاقة قد تعمل في الاتجاه المعاكس أيضًا؛ إذ إن التوسع الخارجي قبل تحصين الداخل قد يجلب إلى سوريا تناقضات الإقليم وأزماته، ويحوِّلها إلى ساحة لها.

ثانيًا: الدور الإقليمي من بوابة الحاجة إلى سوريا

لا شك أن الموقع الجغرافي لسوريا قد يفسِّر في جانب منه نظريًّا أهمية الدور السوري في المنطقة؛ لكنه لا يكفي لتفسير عودة هذا الدور بهذا الزخم والسرعة، لاسيما أن وزن سوريا الإقليمي الجديد لا يزال في طور النشأة. كما أن الإرث السياسي الإقليمي لسوريا كان مرتبطًا بقيادة النظام السابق وشبكة تحالفاته، وقد انهارت معه. لذلك، يبدو أن المعيار الأكثر قدرة على تفسير المرحلة الحالية هو مقدار حاجة الأطراف المختلفة إلى دور سوري فاعل في معالجة تحديات الإقليم: فكلما ضعفت قدرة هذه الأطراف على إدارة ملفاتها أو حماية مصالحها من دون سوريا، ازداد وزن دمشق الإقليمي، حتى إن لم تكن قد استعادت كامل عناصر قوتها. وبهذا الاعتبار، لا تعود سوريا إلى الإقليم لأنها استكملت قوتها بل لأن الآخرين أصبحوا أقل قدرة على تجاوزها.

ولا تقتصر حاجة الأطراف المختلفة إلى سوريا على مجال واحد، بل يمكن رصدها في أربع وظائف مترابطة: أمنية، واقتصادية، وسياسية، وأخرى تتعلق بإدارة التشابك مع دول الجوار. ومع أن لكل وظيفة مجالها المباشر، فإن محصِّلتها تتجاوز هذه المجالات إلى إعادة توزيع النفوذ، وتغيير مواقع القوى، وإدخال دمشق في عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي.

الوظيفة الأولى: الأمن وإعادة التوازن الإقليمي: تنظر الولايات المتحدة إلى الدور السوري المطلوب بوصفه دورًا أمنيًّا في المقام الأول، يتمثل في احتواء النفوذ الإيراني في المشرق، وقطع طرق السلاح والمقاتلين، وضبط الحدود، ومنع عودة داعش، والمساهمة في معالجة ملف حزب الله. لكن نتائج هذه الوظيفة لا تبقى أَمنية؛ لأن إخراج سوريا من شبكة النفوذ الإيراني لا يغيِّر موقع دمشق وحدها بل يؤثر في موازين القوى في لبنان والعراق والمشرق عمومًا، ويجعل سوريا طرفًا في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.

وتنسجم هذه الوظيفة مع توجهات الولايات المتحدة وحلفائها، كما تنسجم مع أولويات الحكم السوري وأغلب دول المنطقة. غير أن انخراط دمشق في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران وحلفائها، ولاسيما في لبنان والعراق، قد يعرِّضها للاستنزاف، فضلًا عن أن القوى المناوئة للحكم السوري الحالي قد تجد في شبكات إيران الإقليمية داعمًا قويًّا لها. لذلك، سيبقى تجنُّب الاستنزاف أحد الاعتبارات الرئيسية التي تحكم مقاربة دمشق لهذا الملف.

في المقابل، فإن امتناع سوريا عن الانخراط في ترتيبات إقليمية قائمة على التفاهم والتنسيق، بما يشمل قدرًا من التواصل مع إيران وحلفائها، قد يُضعف دورها، وربما يجعلها عرضة لتهديد أمني وسياسي مستمر. فالدور السوري لا يمكن أن يقوم على مواجهة إيران وحدها بل يحتاج أيضًا إلى إدارة ما تبقى من نفوذها في دول الجوار. وبذلك، تجد دمشق نفسها أمام معادلة دقيقة: تحصين الدولة في مواجهة النفوذ الإيراني من دون الدخول في حرب مفتوحة معه، والتنسيق مع إيران عند الحاجة من دون السماح لها باستعادة نفوذها داخل سوريا.

ويزيد عامل الوقت هذه المعادلة تعقيدًا. فمع أن هامش الحركة المتاح لدمشق يبدو واسعًا نسبيًّا في المرحلة الراهنة، فإنه قد يضيق على المدى الأبعد. فأي تغير في سلوك إيران أو في نظامها يؤدي إلى تحسين علاقتها بواشنطن من شأنه أن يقلِّص الحاجة الدولية إلى الدور السوري في احتواء نفوذها، وقد يدفع واشنطن إلى نقل مركز مطالبها من دور دمشق الإقليمي إلى طبيعة الحكم والسياسات الداخلية في سوريا. أما استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران، فمن شأنه أن يزيد الضغوط الإيرانية على سوريا؛ إذ تنظر طهران إلى الحكم الجديد بوصفه الخصم الذي أسقط نظامًا حليفًا لها، وبوصفه في الوقت نفسه أقرب إلى واشنطن وحلفائها. وبهذا، وما لم تتطور الحرب بين واشنطن وطهران إلى مواجهة إقليمية مفتوحة وشاملة، تتحدد فاعلية الدور السوري في هذا الملف بمدى قدرته على إدارة التناقض بين احتواء نفوذ طهران، وتجنب استنزاف الدولة السورية، والإبقاء على قنوات تسمح بتنسيق إقليمي. أما الانكفاء عن الإقليم، فلا يبدو خيارًا متاحًا لدمشق.

الوظيفة الثانية اقتصادية: وتتصل بالممرات والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار. وقد زادت الحرب الأميركية-الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز حاجة المنطقة إلى سوريا بوصفها ممرًّا موازيًا أو بديلًا جزئيًّا للممرات بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط. فالعراق يحتاج إلى منفذ على البحر المتوسط يخفِّف اعتماده على مضيق هرمز، وهو ما يفسر الاتجاه إلى إحياء خط كركوك-بانياس(6). كما تحتاج تركيا والأردن ودول الخليج إلى استعادة الطريق البري الذي يمر عبر سوريا، فيما يحتاج لبنان إلى العبور عبرها للوصول إلى الأسواق العربية(7). وبذلك، تؤدي سوريا راهنًا وظيفة تتعلق بأمن الطاقة، واستمرار التجارة، وتنويع الممرات. أما إعادة الإعمار، فهي حاليًّا حاجة سوريا إلى الخارج أكثر من كونها حاجة الإقليم إلى سوريا، لكنها قد تصبح لاحقًا جزءًا من دورها الاقتصادي إذا تحولت السوق السورية إلى مجال دائم للشراكات والاستثمارات الإقليمية. لكن أهمية الممرات السورية قد تتراجع بانتهاء الحرب أو ظهور بدائل أخرى. لذلك، يتمثل التحدي في تحويل هذه الفرصة إلى دور اقتصادي طويل الأجل، وهو جهد سوري بالدرجة الأولى.

الوظيفة الثالثة سياسية: وتنبع الحاجة إلى سوريا فيها من أمرين؛ الأول: صعوبة تنفيذ أي تسوية إقليمية في المشرق من دون مشاركتها؛ فموقعها الجغرافي، وحضورها العربي، وصِلَتها بلبنان، وقدرتها على ضبط الحدود ومسارات السلاح، تجعلها مرشحة لضمان جانب من الترتيبات الأمنية والسياسية الناتجة عن المفاوضات. أما الثاني، فهو أن دخول سوريا في مسار التسوية يمنحه شرعية عربية إضافية. لهذا تريد واشنطن إدخال سوريا في ترتيبات السلام مع إسرائيل. لكن التحدي أن سوريا لن تكون ضامنًا لهذه الترتيبات فقط بل طرفًا فيها أيضًا؛ إذ تحتل إسرائيل أراضي سورية، فيما تتفاوض دمشق على أمنها وحدودها، وهو ما يؤثر بدوره على دورها في لبنان. كما أن هذا المسار يحمل كلفة داخلية على الحكم الجديد، خاصة أنه يجري في سياق حرب إسرائيلية ممتدة في فلسطين والمنطقة لا في سياق تسوية شاملة. وتزيد المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل الأعباء على سوريا؛ إذ قد تتحول التنازلات التي يقدمها لبنان تحت الضغط إلى سابقة تفاوضية تُستخدم لدفع دمشق إلى تقديم تنازلات أكبر. وليس من مصلحة سوريا الدخول في سلام منفرد بمعزل عن بقية العرب، أو في تسوية تتجاهل الفلسطينيين وتستغل ضعف دمشق الراهن لفرض تنازلات دائمة عليها. والأرجح أن دمشق تبحث عن تسوية واقعية قابلة للإدارة، تحفظ موقعها والحاجة إليها في هذا المسار، وتخفض التوتر وتضبط الحدود، من دون الذهاب إلى مفاوضات نهائية تتحمل سوريا تكاليفها وحدها، أو تفضي إلى اضطرابات وانقسامات داخلية.

أما الوظيفة الرابعة، فتتعلق بإدارة التنوع الطائفي والتداخل العابر للحدود، ولاسيما فيما يتصل بالعشائر والأكراد والطوائف والمذاهب العابرة للحدود، ويأتي لبنان في قلبها. فالدور السوري لا يتحدد بعلاقة دمشق بالحكومات فقط، بل بقدرتها على التعامل مع مجتمعات مترابطة قد تمتد أزماتها عبر الحدود وتتحول إلى تهديد للدولة السورية نفسها. وهذه الوظيفة هي الأكثر حساسية للحكم الحالي؛ لأنها، من المنظور الدولي، تختبر ما إذا كانت سوريا الجديدة، بوصفها "دولة الأكثرية"، ستنجح في بناء نموذج تقبله الدول المؤثِّرة ويُطمئن مكونات الإقليم ويراعي تنوعه، أم ستثير طريقة حكمها مخاوف من "هيمنة الأكثرية" و"تهديد" وجود الأقليات. ولا يكفي في ذلك رضا مكونات الداخل وحده؛ إذ يظل موقف الدول المؤثرة من "هوية الحكم" وطريقة إدارته للتنوع شرطًا أساسيًّا لقبول دور سوريا الإقليمي. كما أن مخاوف الأقليات حاضرة أصلًا في الحياة السياسية للمنطقة(8)، لكنها تتعاظم ويزداد توظيفها في السياسات الدولية، ولاسيما الغربية، في مراحل الحرب وعدم الاستقرار. وإذا اختلت هذه المعادلة، فقد يتحول تنوع الإقليم من مصدر للحاجة إلى سوريا إلى قيد على دورها ومصدر للخوف منها؛ ذلك أن مسألة الأقليات تبلورت سياسيًّا وقانونيًّا في تاريخ المشرق الحديث، وأصبحت من القضايا التي لا يستطيع أي نظام إقليمي ناشئ تجاهلها. 

تتقاطع الوظائف الأربع مع حاجات الفاعلين الرئيسيين؛ فتركيا تحتاج إلى سوريا موحدة تضبط الحدود وتعالج الملف الكردي المتصل بأمنها القومي، وتتيح العودة التدريجية للاجئين، فضلًا عن توسيع الترابط الاقتصادي والتبادل التجاري بين البلدين وعبر المنطقة. وتحتاج واشنطن إلى شريك يمنع عودة "داعش"، ويحد من النفوذ الإيراني، ويسهم في ضبط لبنان ومعالجة ملف حزب الله، ويمضي في ترتيبات أمنية مع إسرائيل. كما تتيح سوريا لترامب تقديم تحولها من دولة معادية لواشنطن إلى شريك لها بوصفه نموذجًا لنجاح سياسته في إحداث تغيير جذري في توجهات الدول(9). أما الدول الخليجية، فتحتاج إلى نجاح التجربة السورية بوصفه عامل استقرار عربيًّا يحد من الفراغ والتدخلات الخارجية، ويعيد إلى دمشق دورًا عربيًّا في المشرق افتقدته هذه الدول خلال السنوات السابقة، فضلًا عما يتيحه ذلك من فرص اقتصادية جديدة. وتحتاج أوروبا إلى استقرار سوريا، وضبط الهجرة، ومحاربة "الإرهاب"، ومعالجة تداعيات الظاهرة "الجهادية" الممتدة إلى أوروبا(10)، وتوفير بيئة تسمح بإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، خاصة أنها منشغلة بالحرب الأوكرانية وتتحمل الآثار الاقتصادية للحرب الأميركية-الإيرانية واضطراب الخليج. وبذلك، يرتفع وزن دمشق من تقاطع هذه الحاجات، لا من تحالف صلب مع طرف واحد.

لكن هذه الفرصة لن تبقى متاحة إلى أجل غير مسمى؛ فأي تسوية أميركية-إيرانية تقلص نفوذ طهران الإقليمي أو تخفف مستوى تهديدها، قد تقلِّل الحاجة الدولية إلى سوريا بوصفها حاجزًا أمام طهران، فيما قد يحوِّلها أي تصعيد واسع إلى ميدان للمواجهة. كما أن الخلافات داخل الولايات المتحدة، والاعتراضات الإسرائيلية واعتراضات حلفائها من جماعات الضغط في الكونغرس، وتحفظات بعض الدول الأوروبية على توجهات الحكم السوري الحالي، قد تبطئ مسار الانفتاح على سوريا أو تغير شروطه. لذلك، تواجه دمشق عاملين حاكمين: قدرتها على إدارة تناقضات الأطراف من دون أن تتحول إلى ساحة لصراعاتها، وقدرتها على تحويل الحاجة المؤقتة إليها إلى دور إستراتيجي يستند إلى مؤسسات ومصالح تضمن استمراره بعد تغير الظروف.

ثالثًا: لبنان بوصفه اختبارًا للدور السوري الجديد

يمثل لبنان الاختبار الأهم والأكثر واقعية لطبيعة الدور السوري؛ لأنه المجال الذي تتأثر دمشق به مباشرة، وتتقاطع فيه مخاوفها ومصالحها مع مخاوف الإقليم ومصالحه. فالحدود المشتركة، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وملف اللاجئين، والتهريب، والسلاح، والتداخل بين القوى والطوائف، تجعل استقرار لبنان جزءًا من الأمن السوري، كما تجعل استقرار سوريا شرطًا أساسيًّا لاستقرار لبنان. فسوريا تمثل محيط لبنان البري الأوسع؛ إذ تحده من الشرق والشمال، بينما تحده إسرائيل جنوبًا والبحر المتوسط غربًا؛ وهو ما يجعل علاقته بدمشق جزءًا من شروط أمنه واتصاله البري بمحيطه العربي.

وقد أدَّت سوريا في عهد الأسد دورًا مركزيًّا في النظام اللبناني بعد اتفاق الطائف، لكنها مزجت بين وظيفة إقليمية مطلوبة وهيمنة أمنية وسياسية على الدولة اللبنانية. أما اليوم، فلا تملك دمشق أدوات ذلك الدور، كما أن استعادته وفق الشروط السابقة ليست ممكنة ولا مرغوبة لبنانيًّا أو دوليًّا. غير أن الجغرافيا والتطورات السياسية الإقليمية والدولية كشفت عن حاجة ماسَّة إلى دور سوري جديد، يسهم في حماية التوازنات الداخلية، ومعالجة الملفات العابرة للحدود بين البلدين، والتعامل مع تداعيات الصراع والتفاوض مع إسرائيل، ويحمي التسوية اللبنانية من الانهيار، ولكن في إطار التنسيق مع لبنان على قاعدة دولة إلى دولة.

وكانت زيارة الشيباني إلى بيروت الخطوة الأهم، مؤخرًا، في فتح مسار جديد بين البلدين، بما حملته من رسائل طمأنة إلى لبنان والإقليم، ولاسيما أنها تخلَّلتها محطة ذات بُعد شعبي لافت في طرابلس(11). غير أن الزيارة لم تُسبق أو تُتبع، حتى الآن، بجهد سوري متكامل يستند إلى تصور واضح يؤطِّر العلاقة الخاصة التي تفرضها الجغرافيا والمصالح المتداخلة بين الدولتين. كما لم تعمل دمشق، حتى الآن، على ترجمة الرصيد الذي صنعته الثورة السورية لدى بعض الأوساط السياسية والاجتماعية اللبنانية إلى تواصل سياسي ومجتمعي يسهم في إعادة بناء العلاقة بين البلدين على أسس جديدة. على العموم، تتجسد الحاجة الإقليمية في لبنان إلى سوريا في أربعة مجالات على الأقل:

أولها: مجال الأمن والحدود، ويتمثل في ضبط الحدود ومنع تهريب المخدرات وغيرها من الممنوعات، فضلًا عن الملف الأكثر حساسية سياسيًّا، وهو تهريب السلاح وانتقال "المقاتلين" عبر الحدود، ولاسيما عناصر حزب الله وحلفائه لكن دور سوريا في هذا المجال يظل محكومًا بسيناريوهين: أولهما: الاكتفاء بضبط حدودها، وثانيهما: الانخراط في محاصرة شبكات الحزب أو مواجهته، بما قد ينقل الصراع إلى الأراضي السورية.

المجال الثاني، وهو سياسي، ويتعلق بمساعدة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها وإعادة انتظام مؤسساتها. فحصر السلاح، والمخاوف الطائفية من تغير موازين القوى، وحماية الحكومة والرئاسة اللبنانية والمؤسسات والمفاوضات الجارية مع إسرائيل، ملفات تستطيع سوريا التأثير بها وقد تصبح أحد الضامنين الإقليميين لأية تسوية تتعلق بها.

المجال الثالث اقتصادي ويتعلق بالتكامل بين البلدين؛ إذ يحتاج البلدان إلى مراجعة وإعادة تنظيم أكثر من أربعين اتفاقًا ومذكرة تفاهم تتعلق بالتجارة والاستثمار والضرائب والتأشيرات، وإلى تطوير المعابر والنقل والطاقة(12). ويستفيد لبنان من الوصول البري إلى الأسواق العربية، فيما تحتاج سوريا إلى المرافئ اللبنانية والخدمات ورؤوس الأموال. أما إقليميًّا، فيمكن أن يشكِّل التكامل بين البلدين نواة لنشاط اقتصادي أوسع، ولاسيما في ظروف الحرب واضطراب الممرات الراهنة.

أما المجال الرابع فاجتماعي، ويشمل ملف اللاجئين والعلاقات بين الطوائف والعشائر والعائلات على جانبي الحدود، وإن كانت أبعاده السياسية هي الأهم. ذلك أن طريقة دمشق في إدارة التنوع السوري ستحدد مواقف المكونات اللبنانية منها، فيما ستؤثر مقاربتها للتنوع اللبناني في موقف الإقليم من دورها. فنموذج الحكم الذي تبنيه سوريا في الداخل، ونمط العلاقة التي تقيمها مع لبنان، سيكونان إما من أدوات نفوذها في الخارج وإما من أسباب الخوف منها.

رابعًا: سيناريوهات الدور السوري في لبنان

أيًّا يكن مسار الحرب الإقليمية، تحظى سوريا بأهمية حاسمة في المشرق العربي؛ فهي المرشح العربي الأبرز، وربما الوحيد من داخله، لموازنة النفوذ الإيراني، ولاسيما في لبنان، والتعامل مع تداعيات هذا النفوذ بعد انتهاء الحرب. وقد يتراوح دورها بين تفكيك آثار هذا النفوذ إذا انحسر، وإدارة ما يتبقى منه إذا انتهت المواجهة إلى تفاهم أميركي مع طهران. وهذا الأمر يتطلب حضورًا سوريًّا فاعلًا في الإقليم، بما يمنحها القدرة على أداء دور سياسي متقدم في لبنان.

أما عسكريًّا، فلا تستدعي الحاجة اللبنانية والإقليمية تدخلًا سوريًّا تلقائيًّا بل تفتح طيفًا من السيناريوهات المتفاوتة، تتمحور حول ثلاثة ملفات: حزب الله، و"الأقليات"، والدولة اللبنانية. وتتدرج هذه السيناريوهات من التنسيق الحدودي والضمانة السياسية، وصولًا إلى تدخل أمني أو عسكري بطلب لبناني وغطاء إقليمي ودولي. وقد ينشأ طلب التدخل نتيجة تطورات داخلية تهدد مصير الدولة أو بعض مكوناتها. ويتوقف ترجيح كل سيناريو على ثلاثة عوامل: تطور المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وقدرة الدولة اللبنانية على حماية مؤسساتها وتوازنها الداخلي، ومقدار التفويض الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق من القوى العربية والدولية.

السيناريو الأول: المواجهة المباشرة مع حزب الله: وهو الأقل ترجيحًا والأعلى كلفة في الظروف الراهنة. فسوريا لا تملك، لا عسكريًّا ولا اقتصاديًّا ولا من حيث تماسك مؤسساتها، مقومات خوض مواجهة مفتوحة مع الحزب، كما أن الجيش السوري الجديد ليس مهيأً بعد لمواجهة قوة ما زالت، رغم ما أصابها من استنزاف، تمتلك تنظيمًا متماسكًا وتسليحًا وخبرة قتالية واسعة. أضف أن مثل هذه المواجهة لن تبقى لبنانية-سورية بل ستستدعي إيران وشبكات حلفائها في العراق والمنطقة، وقد تحوِّل الحدود والداخل السوريين إلى ساحة استنزاف طويلة.  

وتكمن المفارقة في أن واشنطن قد تطلب من سوريا المساهمة في تحجيم حزب الله، لكنها قد لا تستطيع أن توفر لها التسليح اللازم لحسم المواجهة. فإسرائيل تريد إضعاف الحزب وقطع طرق إمداده لكنها لا تريد في المقابل جيشًا سوريًّا قويًّا على حدودها أو دولة سورية تستعيد كامل قدرتها العسكرية. ويظهر هذا التوجه أيضًا في معارضتها امتلاك الجيش اللبناني قدرات نوعية تجعله القوة العسكرية الأقوى في لبنان؛ ولذلك لا يُتوقع أن تقبل بسهولة بتسليح نوعي للجيش السوري بذريعة مواجهة الحزب؛ إذ تنظر إلى قوة سوريا نفسها بوصفها تهديدًا محتملًا على المدى البعيد. وبذلك، فإن مواجهة حزب الله عسكريًّا تبدو مهمة تتجاوز جهوزية دمشق وربما لا تنسجم مع أولوياتها، في ظل معادلة إسرائيلية تريد إضعاف حزب الله وسوريا في الوقت نفسه. ولهذا، لا يبدو التدخل العسكري المباشر خيارًا سوريًّا مطروحًا، إلا إذا وقع انهيار واسع في لبنان، وتبدلت موازين القوى والضمانات بصورة جذرية.

السيناريو الثاني: التدخل غير المباشر: يبدأ من الحدود ولا يتجاوز في الداخل اللبناني حدود الضغط السياسي. ويشمل منع انتقال السلاح والمقاتلين، وتبادل المعلومات، وملاحقة شبكات التهريب، والتنسيق مع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، مع إبقاء عبء حصر السلاح والتسوية الداخلية على المؤسسات اللبنانية. ويكون التركيز في هذا السيناريو على منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية والحد من نموه على مختلف الصعد، ثم إضعافه تدريجيًّا بما ينقل ميزان القوة لمصلحة الدولة اللبنانية ويجعلها أقوى منه. وهذا هو السيناريو الأقرب في المدى المنظور، لأنه يحقق جزءًا من المطالب الأميركية، ويؤكد سيادة الدولة السورية، من دون أن يضع دمشق في مواجهة عسكرية شاملة مع الحزب أو يعرِّضها لاتهام بأنها تستهدف الطائفة الشيعية.

السيناريو الثالث: استدعاء تدخل سوري داخل لبنان سياسيًّا أو أمنيًّا، وربما عسكريًّا في مرحلة لاحقة، تحت عنوان حماية الدولة والتوازن اللبناني، إذا تعرض النظام اللبناني لخطر الانهيار. فقد كان التنوع اللبناني، والخشية من اختلال التوازن بين مكوناته، من المبررات التاريخية للدور السوري في لبنان؛ وكان التدخل العسكري السوري، عام 1976، في إحدى مراحله، عاملًا في منع هزيمة ما كان يُعرف حينها بـ"القوى المسيحية"، ومن ثم منع اختلال التوازن لمصلحة خصومها. ذلك أن الصراع بين المكونات اللبنانية لا يبقى شأنًا داخليًّا، بل تمتد آثاره إلى سوريا والإقليم. فإذا عجز الجيش اللبناني عن منع صدام داخلي أو حماية مؤسسات الدولة، فقد ينشأ طلب لبناني وإقليمي لدور سوري يساند بقاء النظام القائم وفق اتفاق الطائف، ويحمي مؤسساته وتوازنه الداخلي، ويضمن استمرار المفاوضات مع إسرائيل. لكن هذا الدور يظل مهددًا بالتحول من حماية التسوية إلى الانخراط في النزاع، في ظل استمرار الذاكرة اللبنانية للوصاية السورية.

أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر تركيبًا، فيقوم في جوهره على أن تكون سوريا أحد الضامنين لشيعة لبنان؛ فتسهم، منفردة أو ضمن آلية إقليمية، في ضمان عودتهم إلى قرى الجنوب وبقائهم فيها، فضلًا عن استقرارهم السياسي والاجتماعي، ولاسيما إذا أفضت المواجهة بين حزب الله وإسرائيل إلى مأزق متبادل. فقد أثار الاحتلال الإسرائيلي بإقامته مناطق عازلة، ومنعه السكان من العودة، مخاوف شيعية من تفريغ أجزاء واسعة من الجنوب من سكانها، أو إعادة هندسة خريطتهم الديمغرافية في لبنان. كما أن استمرار إسرائيل في منع سكان عدد كبير من القرى الجنوبية من العودة إليها سيحوِّل الحرب، في الوعي الشيعي خصوصًا، من مواجهة مع حزب الله إلى استهداف لمكوِّن لبناني ذي امتداد إقليمي. وفي مواجهة هذا الخطر، يمكن أن تدخل هذه المعادلة، بدرجات متفاوتة، في أي سيناريو للدور السوري في لبنان؛ إذ تضمن سوريا، بالتنسيق مع الدولة اللبنانية والدول المعنية، أمن شيعة لبنان وبقاءهم وعودتهم إلى مناطقهم وتمثيلهم داخل نظام الطائف، في مقابل وقف حقيقي لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي وانتقال تدريجي من ضمانة السلاح الحزبي إلى ضمانة الدولة والتسوية الإقليمية. وتكمن أهمية هذه المعادلة في أنها تحول دون أن يكون نزع سلاح حزب الله مقدمة لإضعاف الشيعة أو تهجيرهم، من دون أن يظل السلاح، في المقابل، الضمانة الوحيدة لوجودهم. وقد يكون لسوريا في هذا السيناريو موقع خاص بحكم صلاتها التاريخية والجغرافية والاجتماعية بلبنان، وقدرتها على التواصل مع العراق وإيران والدول العربية والولايات المتحدة. لكنها لا تستطيع أداء هذه الضمانة منفردة؛ إذ تحتاج إلى اتفاق إقليمي ودولي واسع، وضمانة أميركية للانسحاب الإسرائيلي ووقف الهجمات، وقبول لبناني شيعي واضح.  

وبين هذه السيناريوهات، يبدو الأقرب في المدى القريب مزيجًا من السيناريو الثاني والبُعد السياسي من السيناريو الثالث: تنسيق أمني من الجانب السوري للحدود، يرافقه دور سياسي يسهم في حماية المؤسسات والمفاوضات والتوازن اللبناني. أما دخول الجيش السوري أو تولي دمشق ضمانة شاملة للشيعة، فيبقيان احتمالين مشروطين بانهيار أمني أكبر أو بتسوية إقليمية واسعة. ومع ذلك، تكشف هذه الاحتمالات أن التنوع اللبناني ليس مجرد قيد على الدور السوري، بل أحد أهم مصادر الحاجة إليه، وأن مستقبل هذا الدور يتوقف على الطريقة التي ستوظف بها دمشق الحاجة الإقليمية إليها في لبنان: لحماية الدولة والتوازن أو لاستعادة النفوذ تقليديًّا داخل لبنان أو للمشاركة في بناء ترتيبات إقليمية جديدة.

وهنا تتضح حدود الدور: تريد واشنطن من دمشق المساهمة في تحجيم حزب الله، بينما تريد إسرائيل أمنًا دائمًا مع إبقاء سوريا ولبنان ضعيفين. وتسعى دول الخليج إلى استقرار الدولتين ضمن توازن عربي أوسع، في حين ستنظر إيران إلى أي دور سوري في لبنان من زاوية أثره على حليفها وموقعها الإقليمي. أما سوريا فمعنية بدور يؤكد استمرار الحكم الحالي ويساعده على إعادة بناء مؤسساته داخليًّا، ويجعل سوريا شريكًا إقليميًّا مقبولًا وخاصة في المشرق العربي.  

خاتمة

لا يقوم الوزن الإقليمي الجديد لسوريا أساسًا على استعادة قوتها السابقة بصورتها المعهودة، بل على تزايد حاجة الفاعلين إلى التنسيق معها. فتركيا تحتاج إليها في قضايا الحدود والأكراد واللاجئين، وواشنطن في مواجهة داعش واحتواء النفوذ الإيراني وترتيبات لبنان وإسرائيل، بينما تحتاج إليها دول الخليج وأوروبا في الاستقرار والممرات والهجرة والإعمار وإعادة بناء "النظام العربي". ومن تقاطع هذه الحاجات ينشأ الدور السوري، لكن استمراره يتوقف على قدرة دمشق على تحويل الحاجة المؤقتة إليها إلى مصالح متبادلة وترتيبات وشراكات مستقرة.

ويمثل لبنان المعيار الأدق للحكم على طبيعة هذا الدور؛ لأنه المجال الذي تتقاطع فيه معظم وظائفه وتناقضاته الإقليمية. فإذا نجحت سوريا في أداء دور يقوم على التنسيق ودعم الدولة اللبنانية وحفظ توازنها، أثبتت للإقليم والمجتمع الدولي قدرتها على التعامل مع أي فراغ ينشأ عن انحسار الدور الإيراني، وعلى الإسهام في حفظ توازن لبنان والإقليم معًا. وهذه حاجة تتقاطع عندها مصالح دول الإقليم والقوى الكبرى، وإن اختلفت تصوراتها لطبيعة الدور السوري وحدوده. أما إذا تصادمت دمشق مع القوى الإقليمية أو انخرطت في مواجهات داخل لبنان من دون احتساب الكلفة والقدرة، فقد يتحول الاختبار اللبناني إلى مصدر لاستنزافها وإثارة المخاوف منها، ويدفع القوى الدولية إلى الانفضاض عنها، بدلًا من أن يكون بوابة لترسيخ موقعها الإقليمي.

نجحت سوريا الجديدة في إعادة تموضعها عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، مستفيدة من حاجة الفاعلين إليها واستعدادهم لتقبل دورها، لكنها تدخل الآن مرحلة أشد تعقيدًا؛ فقد ورثت من النظام السابق خبرة الدور الإقليمي وميراثه وتناقضاته، وحصلت على قبول دولي يتيح لها العودة إلى الإقليم من بوابة التنسيق، لكنها تقف في الوقت نفسه عند ملتقى توقعات ومصالح متعددة. ومن ثم، سيكون التحدي الأكبر هو التوفيق بين حاجات الحلفاء والأصدقاء من دون التحول إلى خصم لأيٍّ منهم، ومواصلة البناء الداخلي في ظل دور إقليمي محفوف بالمخاطر، تشكِّل إسرائيل عقدته الأشد، فيما يظل محور إيران تحديه الأكبر.

ABOUT THE AUTHOR

References
  1. نجية دهشة، رسائل الشيباني من بيروت.. تطمينات سياسية وانفتاح مشروط على حزب الله، الجزيرة نت، 2 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/WxjYe
  2. الجزيرة نت، ما أبرز الشركات الفرنسية الموقعة على اتفاقات التعاون مع سوريا؟، 8 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/mdkd1
  3. الجزيرة نت، ترمب: رفعنا العقوبات عن سوريا وقد تساعدنا في ملف حزب الله، 8 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/WFGtw
  4. الجزيرة نت، مجلس الشعب السوري الجديد يفتتح أعماله.. وهذه تفاصيل الجلسة الأولى، 12 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/WMRtU
  5. الجزيرة نت، 7 أسئلة عن مسار نقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا للعراق، 15 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/s4gv8
  6. الجزيرة نت، سوريا تعزز موقعها كمركز إقليمي لتصدير زيت الوقود، 19 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/chfbg
  7. الجزيرة نت، لبنان وسوريا يراجعان اتفاقاتهما التجارية لإعادة ضبط العلاقات، 16 يوليو/تموز، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/T3XlK
  8. بشار اللقيس، الأقليات في سورية والأكثرية وأزمة بناء الدولة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، العدد 146 (ملحق) ربيع 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://www.palestine-studies.org/ar/node/1658728
  9. شفيق شقير، الاعتراف الأميركي بالنظام الجديد في سوريا: السياق والدلالات، مركز الجزيرة للدراسات، 15 مايو/أيار 2025، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6216
  10. الجزيرة نت، سوريا.. انتشار أمني بالحسكة وإقرار أوروبي بدور الحكومة في مواجهة الإرهاب، 11 فبراير/شباط 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/O7S65
  11. الجزيرة نت، الشيباني: زيارتي لطرابلس وفاء لمن وقفوا مع الثورة السورية، 3 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/HeMRk
  12. العربي الجديد، وزير اقتصاد لبنان يعلن مراجعة 40 اتفاقية تجارية مع سورية، 16 يوليو/تموز 2026، (تاريخ الدخول: 22 يوليو/تموز 2026)، https://shorturl.at/lURVN