أعادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتبعاتها الإقليمية، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فتح النقاش حول مستقبل السلطة الفلسطينية وموقعها في الإستراتيجية الإسرائيلية، في ظل تحولات متسارعة يشهدها الواقع الجغرافي والسياسي والأمني في الضفة. فقد عززت إسرائيل سياساتها الرامية إلى إضعاف دور السلطة وتقليص صلاحياتها وإفراغ مشروعها السياسي من مضمونه، بالتوازي مع فرض وقائع متراكمة على الأرض من خلال التوسع الاستيطاني، وتعزيز السيطرة على المنطقة "ج"، وإعادة توزيع الصلاحيات الإدارية، واستمرار العمليات العسكرية داخل المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية. ولا تقتصر أهمية هذه السياسات على أثرها في مستقبل الضفة الغربية، بل تمتد إلى إعادة تحديد المجال الذي تعمل فيه السلطة، وطبيعة الدور الذي يمكن أن تستمر في أدائه.
ولا تتمثل المسألة الأساسية في السؤال عما إذا كانت إسرائيل تريد بقاء السلطة الفلسطينية أو زوالها فقط، بل في نوع السلطة التي تريد أن تبقى، وحدود صلاحياتها، والمجال الجغرافي والسياسي الذي يسمح لها بالعمل داخله. وفي المقابل، يثير هذا الواقع سجالًا فلسطينيًّا حول تجديد السلطة ومستقبلها وجدوى استمرارها بصيغتها الراهنة، وإمكان إصلاحها وتعزيز مكانتها، أو إعادة تعريف دورها وعلاقتها بالمشروع الوطني الفلسطيني.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل مستقبل السلطة الفلسطينية في المقاربة الإسرائيلية والنقاش الفلسطيني حولها، وربطهما بالتحولات الجيوسياسية الجارية في الضفة الغربية والمواقف الدولية المؤثرة في مستقبلها. كما تبحث في الكيفية التي تجمع بها السياسة الإسرائيلية بين استمرار السلطة في أداء وظائف إدارية وخدماتية وأمنية، وبين تقليص قدرتها السياسية ومجالها الجغرافي، وتناقش السيناريوهات المحتملة لمستقبلها.
أولًا: ثوابت المقاربة الإسرائيلية للضفة وانعكاساتها على مستقبل السلطة الفلسطينية
تشكِّل السياسات الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية امتدادًا لمشروع يجمع بين الدوافع الأيديولوجية، والأهداف السياسية، والأمنية، والإستراتيجية. وعلى الرغم من تباين خطابات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة واختلاف أدواتها ودرجة اندفاعها، حافظت إسرائيل على توجه يقوم على توسيع الاستيطان ومنع تشكل دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيًّا(1). وينعكس هذا التوجه مباشرة على مستقبل السلطة الفلسطينية؛ إذ إن استمرار وجودها المؤسسي لا يعني بالضرورة السماح بتحولها من إطار للحكم الذاتي إلى سلطة ذات سيادة.
وتحتل الضفة الغربية مكانة مركزية في الخطاب الأيديولوجي للصهيونية الدينية واليمين القومي الإسرائيلي؛ حيث يستخدم مصطلح "يهودا والسامرة" للإشارة إليها بوصفها جزءًا من "أرض إسرائيل". وتعكس هذه التسمية رؤية دينية وقومية تعد الاستيطان تجسيدًا لحقٍّ تاريخي وديني، وليس مجرد أداة أمنية أو ورقة للمساومة السياسية(2). وقد أسهم صعود أحزاب الصهيونية الدينية إلى الحكم في نقل جانب من هذه الرؤية إلى داخل مؤسسات الدولة، فأصبح توسيع الاستيطان والسعي إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة من المكونات الأساسية في برامج القوى المشاركة في الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين، بالتوازي مع رفض إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة(3). ومع ذلك، لا يقتصر التمسك الإسرائيلي بالضفة على هذه القوى؛ فقد سبق المشروع الاستيطاني صعودها، وأسهمت حكومات إسرائيلية متعاقبة، بما فيها حكومات قادها حزب العمل، في تأسيسه وتوسيعه. ورغم الخلافات بشأن توقيت الضم وطريقة إدارة الضفة ومدى مراعاة المواقف الأميركية والدولية، ظل هناك قدر واسع من التوافق حول استمرار الاستيطان، والسيطرة على القدس، والاحتفاظ بالمناطق التي تعدها إسرائيل ذات أهمية أمنية وإستراتيجية (4).
وتُترجم هذه الرؤية إلى بنية جغرافية وأمنية تحدد بصورة مباشرة المجال الذي تستطيع السلطة الفلسطينية ممارسة وظائفها داخله. فإسرائيل تواصل السيطرة الأمنية والمدنية على المنطقة المصنفة "ج"، التي تشكِّل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية(5)، في حين تتركز الغالبية العظمى من الفلسطينيين في المنطقتين "أ" و"ب"(6)، ضمن تجمعات غير متصلة تحيط بها مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويعزز الاستيطان والطرق الالتفافية والحواجز والسيطرة على الأرض والموارد هذا الفصل الجغرافي، بما يقوض الأساس المادي لدولة فلسطينية قابلة للحياة(7). وبذلك، لا تتمثل دلالة هذا الواقع بالنسبة إلى السلطة في تقلص مساحة نفوذها فحسب بل في تكريس فصل متزايد بين إدارة الفلسطينيين التي تُترك لها جزئيًّا وبين السيطرة على الأرض والحدود والموارد والمجال الأمني التي تحتفظ بها إسرائيل، وهي معادلة ستؤثر بصورة أساسية في طبيعة السلطة ومستقبلها.
وقد تسارع تحويل هذه الرؤية إلى واقع مؤسسي وميداني خلال السنوات الأخيرة. فمن جهة، توسعت الإجراءات المرتبطة بالاستيطان والسيطرة على الأراضي في المنطقة "ج"، بالتوازي مع نقل صلاحيات واسعة تتعلق بالأراضي والتخطيط والبناء والبنية التحتية من الأطر العسكرية التقليدية إلى أجهزة مدنية إسرائيلية داخل وزارة الدفاع مرتبطة بوزير المالية "بتسلئيل سموتريتش"(8). كما تَعَزَّز دور الهيئات الاستيطانية والمجالس المحلية الإسرائيلية في إدارة الأرض والبنية التحتية، بما يكرِّس دمج المستوطنات بصورة متزايدة في النظام الإداري الإسرائيلي، في وقت لا تملك فيه السلطة الفلسطينية صلاحيات مقابلة على المساحات التي يفترض أن تشكل المجال الجغرافي لدولة فلسطينية مستقبلية(9).
ومن جهة أخرى، لم يعد تقلص مجال السلطة مقتصرًا على المنطقة "ج". فقد وسَّعت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل مناطق مصنفة "أ"، ولاسيما في مدن جنين وطولكرم شمال الضفة الغربية ومخيماتهما، مع استمرار بقاء الجيش الإسرائيلي إلى مناطق يفترض أنها خاضعة للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية وفق ترتيبات أوسلو(10). وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز بعدها الأمني؛ إذ تكشف عمليًّا حدود قدرة السلطة على احتكار الأمن أو التحكم في المجال الذي تديره، وتعمِّق الفصل بين استمرار مؤسساتها في إدارة السكان وبين احتفاظ إسرائيل بالقدرة العليا على التدخل في الأرض والأمن والحركة. ومن ثم، فإن التحولات الجارية في الضفة لا تعيد تشكيل جغرافيتها فحسب بل تضيق أيضًا المجال السياسي والأمني الذي يمكن أن تعمل فيه السلطة الفلسطينية، وهو ما يجعلها عاملًا مركزيًّا في تحديد مستقبل السلطة ووظيفتها.
ثانيًا: المقاربات الإسرائيلية لمستقبل السلطة الفلسطينية في المرحلة الراهنة
تسعى إسرائيل لحصر دور السلطة الفلسطينية في الجانب الإداري في إطار مشروع الحكم الذاتي، ومن جانب آخر، تسعى إلى إضعافها سياسيًّا؛ حيث يعارض مشروعها السياسي توجهات إستراتيجية لليمين الاسرائيلي؛ فلا تتعامل إسرائيل مع السلطة بوصفها شريكًا سياسيًّا متكافئًا يفترض أن ينتقل من المرحلة الانتقالية إلى الدولة المستقلة بل تراها إطارًا للحكم الذاتي المحدود، الذي تؤدي من خلاله مسؤوليات إدارية وخدماتية وأمنية تتيح إدارة شؤون الفلسطينيين من دون اضطرار إسرائيل إلى تحمل جميع أعباء الإدارة المباشرة.
تتباين المواقف الإسرائيلية داخل المؤسسة السياسية والأمنية بين تيارات ترى في استمرار السلطة، بعد إضعافها أو إصلاحها وفق شروط محددة، ضرورة لمنع الفراغ الأمني والإداري، وتيارات في اليمين القومي والديني تدفع نحو تقليص مكانتها بصورة أعمق أو تفكيك بعض وظائفها ونقلها إلى أطر محلية.
المواقف الإسرائيلية من السلطة الفلسطينية في ظل حكومة نتنياهو
يمكن تمييز ثلاثة اتجاهات للمواقف الإسرائيلية من السلطة في ظل حكومة نتنياهو: الأول: اتجاه رئاسة الوزراء المتمثلة في "بنيامين نتنياهو" الذي يميل عمليًّا إلى منع انهيار السلطة بالكامل مع إضعاف قدرتها السياسية والسيادية؛ والثاني: اتجاه في اليمين الديني والاستيطاني ضمن الحكومة القائمة الذي يدفع أبعد من ذلك باتجاه تفريغ ترتيبات أوسلو، وفرض السيادة الإسرائيلية، وتقليص السلطة أو تفكيكها واستبدال وظائفها بأطر حكم فلسطيني محلية وغير سيادية؛ والثالث: اتجاه أمني يرى أن انهيار السلطة قد يخلق فراغًا تتحمل إسرائيل كلفته الأمنية والإدارية، ولذلك يدفع نحو المحافظة على مؤسساتها وقدراتها الأمنية والاقتصادية، وأحيانًا تعزيزها وظيفيًّا(11).
1. مقاربة نتنياهو والكابينت: الإبقاء الوظيفي مع تقييد الدور السياسي
تتسم سياسة حكومة "بنيامين نتنياهو" تجاه السلطة الفلسطينية بازدواجية واضحة بين الحفاظ على وجودها الوظيفي وتقليص قدرتها السياسية والسيادية. وأظهرت السياسة الحكومية تناقضًا بين قرارات لمنع الانهيار الكامل وبين إجراءات تزيد ضعف السلطة. ففي يوليو/تموز 2023، أقرَّ الكابينت الإسرائيلي سياسة تقضي بالعمل على منع انهيار السلطة، وهو موقف ارتبط بالمخاوف من الفراغ الأمني والإداري في الضفة الغربية(12)؛ حيث ترافق هذا التوجه مع الضغط المالي والاقتصادي على السلطة، واستمرار توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
وتشدد موقف نتنياهو بصورة أوضح تجاه الدور السياسي المستقبلي للسلطة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023: فقد أعلن رفضه لإقامة دولة فلسطينية، وفي سبتمبر/أيلول 2025، أكد أن السلطة لا يمكن أن تؤدي دورًا في غزة بصورتها الحالية، وربط أي دور مستقبلي لها بما وصفه بـ "تحول جذري وحقيقي"، يشمل تغيير المناهج، ووقف مدفوعات الأسرى وعائلاتهم، وإنهاء التحركات الفلسطينية في المحاكم الدولية، والاعتراف بإسرائيل "دولةً يهودية". كما أكد أن إسرائيل ستحتفظ بالمسؤولية الأمنية في غزة في المستقبل المنظور، وأن الإدارة المدنية للقطاع في المرحلة التالية لا ينبغي أن تكون بيد حماس أو السلطة بصورتها الراهنة(13).
وفي يوليو/تموز 2026، وافق وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، على تمديد الضمان الذي يسمح باستمرار العلاقات المصرفية بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية حتى نهاية العام، بعد تحذيرات من أن قطع هذه العلاقات قد يدفع الاقتصاد الفلسطيني نحو الانهيار(14)، وضغوط إسرائيلية داخلية وأميركية على سموتريتش للتراجع عن قراره. وبذلك، يمكن وصف السياسة الحكومية، على مستوى نتنياهو والكابينت، بأنها تميل إلى احتواء السلطة داخل سقف وظيفي تبقى فيه قادرة على إدارة السكان والمؤسسات وجزء من الوظائف الأمنية، لكن من دون أن يتحول استمرارها إلى مسار تلقائي نحو السيادة الفلسطينية.
2. اليمين الديني: من الإضعاف إلى التفكيك
يتجاوز موقف حزبي "الصهيونية الدينية" و"قوة يهودية" معادلة الإبقاء على سلطة فلسطينية ضعيفة؛ إذ يستهدف بصورة أكثر وضوحًا البنية السياسية والإقليمية التي أفرزتها اتفاقيات أوسلو. وتتصدر مواقف سموتريتش، زعيم الصهيونية الدينية، هذا التيار؛ ففي مارس/آذار 2026، أعلن صراحة أن الحكومة تعمل على "إسقاط" السلطة الفلسطينية، ورَبَطَ ذلك بتجاوز التقسيمات القائمة بين المناطق "أ" و"ب" و"ج" وتوسيع الاستيطان في مختلف أنحاء الضفة(15).
أما إيتمار بن غفير، فقد دعا، في سبتمبر/أيلول 2025، إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة وإلى "التفكيك الكامل" للسلطة الفلسطينية ردًّا على موجة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين(16). ويشير هذا الخطاب إلى أن اعتراض اليمين الديني على السلطة لا يتعلق فقط بأدائها أو بقيادتها الحالية، وإنما بوجودها بوصفها إطارًا سياسيًّا يمكن أن يتحول مستقبلًا إلى قاعدة لدولة فلسطينية أو يستخدم الاعتراف الدولي والقانون الدولي لتعزيز هذا المسار.
كما لم يعد خطاب فرض السيادة محصورًا في الأحزاب الدينية الصغيرة؛ ففي يوليو/تموز 2025، أيَّد 71 عضوًا في الكنيست إعلانًا يدعو إلى تطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن(17). غير أن التمييز يبقى ضروريًّا بين الدعوة إلى تفكيك السلطة وبين وجود خطة إسرائيلية مكتملة لما سيحل محلها؛ فحتى الآن لا تظهر في المصادر الحكومية العلنية خطة تنفيذية شاملة ومعتمدة لتحويل المدن الفلسطينية إلى إدارات محلية منفصلة بديلة عن السلطة. ولذلك يمكن التعامل مع نموذج الإدارات المحلية بوصفه أحد البدائل المطروحة في أوساط اليمين، وليس سياسة حكومية مكتملة بعد.
3. المؤسسة الأمنية: الحفاظ على الوظيفة ومنع الفراغ
تختلف مقاربة المؤسسة الأمنية عن موقف اليمين الديني في تقييم كلفة انهيار السلطة. ففي سبتمبر/أيلول 2025، أفادت تقارير إسرائيلية بأن مسؤولين كبارًا في الشاباك حذروا القيادة السياسية من مؤشرات على تفكك مؤسسات السلطة بسبب أزمتها الاقتصادية، وعدم انتظام رواتب الأجهزة الأمنية وتراجع بعض وظائفها الأساسية، معتبرين أن انهيارها يمكن أن يؤدي إلى الفوضى وتصعيد المواجهة في الضفة. ووفق التقرير نفسه، رأى الشاباك أن بقاء السلطة يخدم مصلحة أمنية إسرائيلية، ودعا إلى اتخاذ خطوات تحول دون انهيارها، بما في ذلك معالجة أزمة الأموال المحتجزة (18).
وتعزز هذه المقاربة تقارير صادرة عن مصادر أمنية إسرائيلية أواخر عام 2025، أشارت إلى أن السياسة الفعلية لم تكن إسقاط السلطة وإنما الحفاظ عليها بوصفها عنصرًا في استقرار الضفة، وأن التعاون مع أجهزتها الأمنية ظل يسهم في ضبط الوضع الأمني. وفي الوقت نفسه، اتسعت حرية عمل الجيش الإسرائيلي داخل الضفة إلى حدِّ وصف مصادر في القيادة المركزية قدرته على الوصول إلى مختلف المناطق، بما فيها مناطق السلطة(19).
وبذلك، لا يعني تفضيل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لبقاء السلطة أنها تؤيد بالضرورة تعزيزها سياديًّا، فالنموذج الأقرب إلى الاعتبارات الأمنية هو سلطة قادرة على دفع الرواتب والحفاظ على مؤسساتها وأجهزتها، ومنع توسع العمل الفصائلي المسلح، مع استمرار حرية العمل العسكري الإسرائيلي. ومن هنا يختلف مفهوم "سلطة قوية" في المنظور الأمني الإسرائيلي عن مفهوم السلطة السيادية؛ إذ يتعلق الأول بقدرتها الوظيفية والاستقرار الداخلي أكثر مما يتعلق بسيطرتها المستقلة على الأرض والأمن.
موقف المعارضة الإسرائيلية من السلطة الفلسطينية
لا تقدم المعارضة الإسرائيلية موقفًا موحدًا تجاه مستقبل السلطة. وقد ظهر ذلك بوضوح بعد تشكيل نفتالي بينيت ويائير لبيد قائمة "معًا"، في أبريل/نيسان 2026؛ إذ لم تكن القائمة قد طرحت عند إعلانها برنامجًا سياسيًّا تفصيليًّا بشأن الفلسطينيين، ويعطي ذلك انطباعًا بأن وصولها إلى الحكم لن يؤدي بالضرورة إلى تحول جذري سريع في السياسة الأمنية تجاه القضية الفلسطينية، بالنظر إلى الاختلاف بين مواقف بينيت ولبيد وإلى المزاج الإسرائيلي، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023(20).
ويمثِّل بينيت الجانب الأكثر يمينية في هذا المعسكر؛ فهو يرفض إقامة دولة فلسطينية، ويطرح بدلًا منها حكمًا ذاتيًّا فلسطينيًّا، ففي يونيو/حزيران 2026، قال إن رؤيته تقوم على أن تصبح المنطقة "ج" جزءًا من إسرائيل، بينما تخضع المنطقتان "أ" و "ب" لحكم ذاتي فلسطيني. ويختلف عن اليمين الديني في تأكيده ضرورة إزالة البؤر الاستيطانية المخالفة للقانون الإسرائيلي وعدم البناء على الأراضي الفلسطينية الخاصة، لكنه لا يقدم هذا الموقف في إطار العودة إلى "حل الدولتين"(21).
أما لبيد فيبقى أكثر انفتاحًا على دور سياسي للسلطة بعد إصلاحها. فقد طرح، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تصورًا يقوم على الدخول في مفاوضات مع سلطة فلسطينية مُعادٍ إصلاحها ضمن مسار يقود إلى "انفصال مستقبلي" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو ما يميزه عن مقاربة تفكيك السلطة، وإن كان لا يعني القبول بها بصورتها الحالية أو نقل السيادة إليها فورًا(22). وفي المقابل، يظل وجوده ضمن تحالف انتخابي مع بينيت، الذي يرفض الدولة الفلسطينية، عاملًا يجعل الموقف النهائي لأي حكومة مشتركة بينهما غير محسوم مسبقًا.
ويتخذ غادي آيزنكوت موقفًا أقرب إلى الوسط الأمني المتشدد. ففي 22 أغسطس/آب 2026، أعلن أن دولة فلسطينية لن تقام في الحكومة التي يسعى إلى تشكيلها، بما يعكس اتساع رفض الدولة في المعارضة المركزية أيضًا(23). أما يائير غولان، فيمثل الموقف الأكثر انفتاحًا على تسوية مستقبلية؛ فهو يؤيد من حيث المبدأ حل الدولتين، لكنه عارض الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية، واقترح بدلًا من ذلك مسارًا تدريجيًّا للانفصال يتضمن فترة انتقالية تحتفظ خلالها إسرائيل بالمسؤولية الأمنية إلى حين التأكد من قدرة السلطة على الالتزام بتسوية مستقبلية (24)..
تكشف المقارنة عن مساحة اتفاق إسرائيلية أوسع مما توحي به الانقسامات الحزبية. فالحكومة الحالية واليمين الديني وبينيت وآيزنكوت لا يدعمون إقامة دولة فلسطينية في الظروف الراهنة، بينما يربط لبيد وغولان أي مسار سياسي مستقبلي بإصلاحات ومرحلة انتقالية وشروط أمنية. كما تبقى فكرة استمرار المسؤولية الأمنية الإسرائيلية، بدرجات مختلفة، حاضرة في معظم هذه المقاربات. ولذلك فإن تغيير الحكومة الإسرائيلية قد يؤدي إلى تغيير مستوى الضغط على السلطة وطريقة التعامل معها، لكنه لا يعني الانتقال إلى الاعتراف بسيادتها أو إلى تطبيق نموذج أوسلو بصورته الأصلية.
ثالثًا: السجال الفلسطيني حول مستقبل السلطة الفلسطينية
يتصل النقاش الفلسطيني حول مستقبل السلطة الفلسطينية بصورة أعمق بطبيعة الوظيفة التي يجب أن تؤديها، ومدى قدرتها على الاستمرار، بعد تآكل جانب كبير من الصلاحيات التي أنشئت على أساسها بفعل استمرار المشروع الاستعماري الإسرائيلي. وقد أعادت الحرب على قطاع غزة، والتوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية، والأزمة المالية والمؤسسية التي تواجهها السلطة، طرح هذا النقاش بصورة أعمق؛ إذ بات السؤال الفلسطيني يتعلق بما إذا كان الحفاظ على السلطة بصيغتها الحالية يشكِّل حماية للوجود المؤسسي الفلسطيني أم أنه يكرِّس واقعًا تصبح فيه مسؤولة عن إدارة السكان والخدمات من دون قدرة فعلية على التحكم بالأرض والسيادة والقرار السياسي.
ويمكن تمييز اتجاهين رئيسيين في السجال الفلسطيني حول مستقبل السلطة: يتمثل الاتجاه الأول في الحفاظ على السلطة وإصلاحها وتعزيز قدراتها بوصفها إطارًا مؤسسيًّا ونواة يمكن البناء عليها لإقامة الدولة الفلسطينية. ويركز الاتجاه الثاني على ضرورة إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها المرجعية السياسية والتمثيلية الأوسع، بحيث تصبح السلطة جزءًا من مشروع وطني أشمل وليست مركزه الوحيد.
وتتمسك قيادة السلطة الفلسطينية الحالية والرئيس محمود عباس، بالمقاربة الأولى، التي تقوم على الحفاظ على السلطة وتعزيزها وإصلاح مؤسساتها بوصفها إطارًا مؤسسيًّا يمكن البناء عليه في مسار إقامة الدولة الفلسطينية. وترتبط هذه المقاربة بالتأكيد على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض قيام ترتيبات سياسية أو إدارية دائمة تفصل القطاع عن بقية النظام السياسي الفلسطيني. وقد تمسكت السلطة منذ الحرب على غزة بمطلب العودة الكاملة إلى القطاع وتولي المسؤوليات المدنية والإدارية والأمنية، وربطت ذلك بمبدأ وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن مشروع "حل الدولتين"، ووحدة القانون والمؤسسات، ورفضت إقامة هياكل موازية أو منفصلة في القطاع.(25)
وفي عام 2026، واصلت حكومة رئيس الوزراء، محمد مصطفى، ربط برنامج الإصلاح باستعادة الوحدة وبناء مؤسسات الدولة، ووضعت ضمن إستراتيجيتها الممتدة لثمانية عشر شهرًا الاستعادة التدريجية لمسؤوليات الحكومة في قطاع غزة، إلى جانب تعزيز المؤسسات والحكم وسيادة القانون. ويكشف هذا التصور أن المقاربة الرسمية لا تنظر إلى إصلاح السلطة بوصفه إجراءً إداريًّا منفصلًا، وإنما تسعى إلى ربطه بإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية واستعادة دور السلطة في غزة، بما يعزز موقعها بوصفها إطارًا للحكم الفلسطيني في الضفة والقطاع معًا(26).
وترتبط هذه المقاربة الرسمية أيضًا بمحاولة معالجة أزمة الشرعية السياسية التي أصبحت جزءًا أساسيًّا من النقاش حول مستقبل السلطة. ففي 9 يوليو/تموز 2026، أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا حدد يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027. ويمكن النظر إلى الانتخابات، إذا جرت بالفعل بصورة تنافسية وشاملة، بوصفها محاولة لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات العامة، إلا أن إجراءها وحده لا يحسم النقاش بشأن وظيفة السلطة أو علاقتها بمنظمة التحرير والحركة الوطنية الفلسطينية((27.
في المقابل، تعبِّر الفصائل الفلسطينية الأخرى، إضافة الى تيارات وأصوات مستقلة تتبع لحركة فتح، عن اتجاه يرى أن إصلاح السلطة ينبغي أن يكون جزءًا من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بصورة أشمل، وليس عملية تقتصر على مؤسسات السلطة القائمة. وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح، في يونيو/حزيران 2026، عندما دعت حركات حماس والجهاد الإسلامي والمبادرة الوطنية والجبهتان، الشعبية والديمقراطية، وقوى أخرى إلى عقد اجتماع للأمناء العامِّين للفصائل، وإطلاق حوار وطني، وإجراء انتخابات شاملة، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس أكثر توافقية وتمثيلًا.(28)
ومن هنا، لا ينقسم النقاش الفلسطيني بصورة بسيطة بين مؤيد لاستمرار السلطة ومعارض لها؛ بل يتعلق الخلاف الأعمق بمركز الثقل في النظام السياسي الفلسطيني وبالوظيفة التي ينبغي أن تؤديها السلطة داخله. فالمقاربة الرسمية تسعى إلى إصلاح السلطة وتعزيزها واستعادة قدرتها على العمل في الضفة وغزة بوصفها نواة للدولة، بينما تطالب قوى فلسطينية أخرى بإعادة بناء منظمة التحرير والنظام السياسي على قاعدة الشراكة وتجديد الشرعيات، بحيث تصبح السلطة جزءًا من هذا النظام لا بديلًا عنه. في المقابل، يحذر الاتجاه النقدي من أن تعزيز مؤسسات السلطة من دون تغيير البيئة السياسية والقانونية التي تعمل فيها قد يؤدي إلى تعزيز قدرتها على إدارة السكان، من دون استعادة قدرتها على تحقيق السيادة أو إنهاء الاحتلال.
وتعزز أزمة الثقة والشرعية الشعبية هذا السجال. فقد أظهر أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي أُجري في أغسطس/آب 2026، استمرار مستويات مرتفعة من عدم الرضا عن القيادة القائمة، كما أظهر أن نحو نصف المستطلعين فقط يتوقعون إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المعلن، في حين يعتقد ثلثا الجمهور تقريبًا أنها لن تكون حرة ونزيهة إذا أُجريت. وتشير هذه النتائج إلى أن تجديد شرعية السلطة لا يرتبط بمجرد الإعلان عن الانتخابات بل بمدى قدرتها على توفير عملية سياسية مقنعة وشفافة وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الفلسطينية.(29)
السيناريوهات المحتملة لمستقبل السلطة الفلسطينية
في ضوء ما سبق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السلطة الفلسطينية، تختلف في طبيعة بقائها وحدود دورها السياسي والمؤسسي. وتتراوح هذه السيناريوهات بين استمرار الوضع القائم، وتآكل السلطة أو تفكك بعض وظائفها، وتعزيز مكانتها وإعادة تأهيلها.
السيناريو الأول: بقاء الوضع القائم (سلطة وظيفية ضعيفة في ظل استمرار الضم الفعلي)
يقوم هذا السيناريو على استمرار عملية الضم الزاحف للضفة الغربية، من دون إعلان إسرائيلي شامل عن فرض السيادة القانونية عليها، بالتوازي مع إبقاء السلطة الفلسطينية قائمة في حالة من الضعف السياسي والمالي والمؤسسي.
ويعني هذا السيناريو للسلطة تثبيت دورها القائم في إدارة الفلسطينيين داخل المدن والتجمعات الفلسطينية، وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية، ودفع رواتب الموظفين، وإدارة المرافق العامة والمحافظة على الأمن. وفي المقابل، تحتفظ إسرائيل بالسيطرة العليا على الأمن والحدود والطرق والموارد الطبيعية، إلى جانب حرية تنفيذ العمليات العسكرية داخل التجمعات الفلسطينية. وبذلك تستمر السلطة بوصفها جهازًا إداريًّا وأمنيًّا، بينما يتآكل مجالها السياسي والجغرافي وقدرتها على العمل بوصفها نواة لدولة فلسطينية مستقلة.
ويعد الحصار المالي من الأدوات التي تنتهجها إسرائيل لضمان حصر السلطة في هذه المساحة الضيقة بين الاستمرار والانهيار؛ حيث تستمر في احتجاز عائدات المقاصة والاقتطاع منها والتحكم بها، والتي تمكِّن إسرائيل من إضعاف قدرة السلطة على دفع الرواتب وتقديم الخدمات بصورة منتظمة، من دون الدفع مباشرة نحو انهيارها الكامل. وفي الوقت نفسه، يؤدي الاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية إلى تحميل السلطة والدول المانحة كلفة إدارة الفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما تحتفظ إسرائيل بالمكاسب الإقليمية والأمنية الناتجة عن السيطرة على الأرض.
وتزداد فرص تحقق هذا السيناريو في حال عودة حكومة يقودها بنيامين نتنياهو وتعتمد على أحزاب اليمين القومي والديني. وفي هذه الحالة، يُتوقع أن يستمر الضم الفعلي بوتيرة مرتفعة، مع إبقاء السلطة قائمة ما دامت تؤدي الوظائف المدنية والأمنية التي تجنِّب إسرائيل تحمُّل كلفة الإدارة المباشرة. ومع ذلك، لا يقتصر احتمال تحقق السيناريو على بقاء نتنياهو في الحكم بل قد يستمر بصورة أكثر اعتدالًا في حال فوز تحالف "معًا" بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد.
ويمنح هذا السيناريو إسرائيل مجموعة من المزايا، أبرزها: بأنه يحقق غالبية مزايا الضم لإسرائيل دون كلفة؛ حيث يساهم بتوسيع سيطرتها على الأرض من دون تحمل التداعيات القانونية والدبلوماسية لإعلان الضم الشامل، ويجنبها مسؤولية الإدارة المباشرة لملايين الفلسطينيين، ويحقق توازنًا بين رغبتها في احكام سيطرتها على الضفة الغربية وحاجتها الى تجنب أي فراغ ينتج عن انهيار السلطة، وتعتمد إسرائيل في تحقيق سياساتها المرتبطة بهذا السيناريو على مراكمة الإجراءات القانونية والسياسية والأمنية والإدارية التي تحقق واقعًا مغايرًا على الأرض يصعب التراجع عنه. ويؤدي إلى تفاقم أزمة شرعية السلطة الفلسطينية، لأنها تستمر في تحمل مسؤولية الفلسطينيين في الضفة الغربية من دون امتلاك الأدوات اللازمة لحمايتهم أو التحكم في الأرض والموارد. ومع الزمن، يؤدي هذا الوضع الى اتساع الفجوة بين الدورين المؤسسي القائم والسياسي الغائب للسلطة، بما يحولها إلى إدارة وظيفية داخل تجمعات منفصلة ويفرغ مشروع "حل الدولتين" من مضمونه الجغرافي والمؤسسي.
السيناريو الثاني: انهيار السلطة أو تحويلها تدريجيًّا إلى إدارات منفصلة
يقوم هذا السيناريو على تراكم تبعات السياسات الإسرائيلية الجيوسياسية في ظل ضعف التدخل الدولي، أو إعلان الضم الفعلي للضفة، ويتحقق في ظل عجز السلطة الفلسطينية عن الاستمرار بصورتها المؤسسية والمركزية الحالية، سواء نتيجة انهيار مالي وإداري متراكم، أو بفعل سياسة إسرائيلية تتجه إلى تفكيك وظائفها وإعادة توزيعها على بلديات وإدارات محلية منفصلة. ولا يرتبط السيناريو بصدور قرار إسرائيلي واحد بحل السلطة بل قد يتحقق تدريجيًّا من خلال إضعاف قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الإدارية القائمة.
ويتحقق هذا السيناريو بتفاقم الأزمة المالية للسلطة نتيجة استمرار احتجاز عائدات المقاصة والاقتطاع منها، وتراجع المساعدات الخارجية، وارتفاع الدَّيْن العام، بما يؤدي إلى عدم القدرة على دفع الرواتب وتعطُّل المؤسسات الصحية والتعليمية والخدماتية. وفي حال فقدت السلطة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، فإن وجودها القانوني قد يستمر شكليًّا، بينما تتراجع قدرتها الفعلية على إدارة المجتمع والمؤسسات.
وربما تُسرِّع حكومة نتنياهو القائمة حاليًّا من حدوث هذا السيناريو استباقًا للوقت، خصوصًا في ظل رغبة اليمين القومي والصهيونية الدينية في تحقيق مزيد من الأهداف التي يصعب التراجع عنها مستقبلًا، ومنها شَنُّ عملية عسكرية واسعة النطاق تستهدف مناطق أخرى غير جنين وطولكرم لتقويض بنية الحكم الفلسطينية في مناطق أخرى.
وقد يؤدي تشكيل حكومة إسرائيلية أقل اعتمادًا على الصهيونية الدينية إلى إبطاء عملية التفكيك، والحد من الخطوات الأكثر صراحة نحو الضم، وتخفيف بعض الضغوط المالية والاقتصادية عن السلطة، لأنها ترى بأن انهيار السلطة أو تفكيكها الكامل يفرض على إسرائيل تكاليف أمنية وإدارية واقتصادية ودبلوماسية مرتفعة.
السيناريو الثالث: تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية وإعادة تأهيلها سياسيًّا ومؤسسيًّا
يقوم هذا السيناريو على انتقال السلطة الفلسطينية من وضعها الراهن، بوصفها سلطة محدودة الصلاحيات تعاني من أزمة مالية وسياسية متراكمة إلى مرحلة يجري فيها تعزيز قدرتها المؤسسية والسياسية، وتوسيع دورها في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يعيد ربط بقائها بمسار إقامة الدولة الفلسطينية. ويختلف هذا السيناريو عن مجرد الحفاظ على السلطة ومنع انهيارها؛ إذ إن استمرار تحويل الأموال إليها أو تمكينها من دفع الرواتب وتقديم الخدمات لا يعني بالضرورة تعزيز مكانتها السياسية. فالتعزيز المقصود هنا يفترض الجمع بين الاستدامة المالية والمؤسسية، وتجديد الشرعية الداخلية، واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ووجود أفق سياسي يتجاوز وظيفة إدارة السكان تحت الاحتلال.
وتوجد جملة من المؤشرات التي تجعل هذا السيناريو حاضرًا، فعلى المستوى الدولي، باتت إعادة تأهيل السلطة وربطها بمستقبل قطاع غزة جزءًا من المقاربات الأوروبية والدولية لما بعد الحرب. ويتطلب هذا السيناريو، معالجة الأزمة المالية التي أصبحت تهدد قدرة السلطة على الاستمرار، وقدرة القيادة الفلسطينية على تحويل الإصلاح المؤسسي وتجديد الشرعية إلى مسار سياسي فعلي، وقدرة السلطة على ممارسة دورها في قطاع غزة مستقبلًا واستعادة الوحدة المؤسسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ويلعب الموقف الإسرائيلي المستقبلي من السلطة دورًا في التأثير على هذا السيناريو.
خاتمة
تكشف المقاربات الإسرائيلية والسجال الفلسطيني والتحولات الجارية في الضفة الغربية أن مستقبل السلطة الفلسطينية يتعلق بطبيعة الوظيفة التي ستؤديها وحدود المجال السياسي والجغرافي الذي ستعمل داخله، وذلك في ظل تحولات جيوسياسية تتراجع فيها قدرتها على السيطرة على الأرض والموارد والحركة واتخاذ القرار المستقل. وتظهر المقاربات الإسرائيلية، رغم اختلافها، مساحة واسعة من التقاطع حول رفض التحول المباشر للسلطة إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة. ويتركز الخلاف بدرجة أكبر حول مقدار القوة التي ينبغي أن تتمتع بها السلطة، وكلفة انهيارها، وطبيعة الوظائف التي يجب أن تستمر في أدائها. وفي المقابل، يكشف السجال الفلسطيني أن أزمة السلطة تتصل بشرعيتها ووظيفتها وموقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني. فالإصلاح المالي والإداري وإجراء الانتخابات يمكن أن تعزز قدرة المؤسسات على الاستمرار، لكنها لا تحسم بمفردها السؤال المتعلق بوظيفة السلطة ما لم ترتبط بإعادة بناء النظام السياسي، وتجديد الشرعية، واستعادة العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وإنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ويكتسب مستقبل غزة في هذا السياق أهمية خاصة؛ لأن عودة السلطة إليها في إطار فلسطيني موحد يمكن أن تعيد لها بُعدًا سياسيًّا أوسع، بينما قد يؤدي استمرار ترتيبات منفصلة إلى تعزيز الفصل بين الضفة الغربية وغزة وبالتالي ضعف مشروع السلطة السياسي. وعليه، فإن المعضلة الأساسية التي تواجه السلطة الفلسطينية لا تتمثل فقط في قدرتها على البقاء بل في المعنى السياسي لهذا البقاء.
1- حمدي علي حسين، "أي دولة فلسطينية على الأرض المتبقية؟"، مركز الجزيرة للدراسات، 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4z6pJL.
2- المهدي الزايداوي، "الضفة الغربية في الرواية «التوراتية» الإسرائيلية"، الجزيرة نت، 23 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/3TKAseS.
3- عماد أبو عواد، "الضفة الغربية في العقيدة اليمينية"، مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني، 31 يناير/كانون الثاني 2020 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/3RWeDIA.
4- حمدي علي حسين، "سياسات الاستيطان واتجاهات المجتمع السياسي الإسرائيلي"، مركز الجزيرة للدراسات، 1 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6087.
5- الجزيرة نت، "مناطق (ج): قلب الضفة الغربية الذي تخنقه إسرائيل"، 4 مارس/آذار 2025، (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4fTTFSF.
6- حمدي علي حسين، "أي دولة فلسطينية على الأرض المتبقية؟"، مركز الجزيرة للدراسات، 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4z6pJL.
7- حمدي علي حسين، "أي دولة فلسطينية على الأرض المتبقية؟"، مرجع سبق ذكره.
8- حمدي علي حسين، "دولة الاستيطان: صعود قوة المستوطنين وتحولات بنية الحكم في إسرائيل"، مركز الجزيرة للدراسات، 18 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6473.
9- فتحي نمر، "مستقبل الضفة الغربية: بين سيطرة المستوطنين ومشروع الضم"، الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، 3 فبراير/شباط 2026 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4q0ye73.
10- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، "تقرير الحالة الإنسانية 5 حزيران/يونيو 2026"، 6 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/3Ul6L48.
11- مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، قرار المجلس الوزاري السياسي-الأمني بشأن السلطة الفلسطينية، 9 يوليو/تموز 2023 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4qMh65B.
12- مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، قرار المجلس الوزاري السياسي-الأمني بشأن منع انهيار السلطة الفلسطينية، ويشير القرار إلى أن إسرائيل ستعمل على منع انهيار السلطة مع مطالبتها بوقف ما تصفه بأنشطة معادية لإسرائيل، 9 يوليو/تموز 2023 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/3UpyiSk.
13- Ministry of Foreign Affairs of Israel, “PM Netanyahu's Statement with President Donald Trump in the White House,” September 29, 2025, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/46y5nOv.
14-Steven Scheer and Ali Sawafta, “Concerns of Palestinian Economic Crisis Grow as Israeli Banks Prepare to Cut Ties,” Reuters, July 23, 2026, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/4zUVsAm.
Jeremy Sharon, “Smotrich: We’re Working to ‘Collapse’ the ‘Evil’ Palestinian-15 Authority,” The Times of Israel, March 22, 2026, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/3UoeT4d.
Sam Sokol, “Ben Gvir Says He Will Propose ‘Immediate’ West Bank -16 Annexation in Response to Western Recognition of Palestine,” The Times of Israel, September 21, 2025, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/4ib4O4x.
17- الجزيرة نت، "الكنيست يقر مشروع قانون لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة وغور الأردن"، 23 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، .https://bit.ly/4xDtl7
18- Lazar Berman, Nava Freiberg and Jacob Magid, “Shin Bet Said to Warn PA at Risk of Collapse; Netanyahu Holds Discussion on West Bank,” The Times of Israel, September 4, 2025, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/4xrg15y.
19- International Crisis Group, “Sovereignty in All but Name: Israel’s Quickening Annexation of the West Bank,” Middle East Report No. 252, October 9, 2025, https://bit.ly/3T1VYf7. Accessed August 31, 2026, ؛The Times of Israel،
Emanuel Fabian, “During Visit to Tulkarem, IDF Chief Says Military ‘Expanding Activity in Gaza’,” The Times of Israel, August 22, 2025, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/4yf2mP7.
20- Maayan Lubell, “Netanyahu’s Biggest Rivals Join Forces for Israel’s Next Election,” Reuters, April 26, 2026, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/4gK5xXO.
21- The Times of Israel, “Bennett Calls to Dismantle Illegal Settlement Outposts, Draws Right-Wing Leaders’ Ire,” June 23, 2026, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/3S2fDee.
22- Lazar Berman and ToI Staff, “Lapid Presents Wide-Ranging Peace Initiative Starting with Truces in Gaza and Lebanon,” The Times of Israel, November 23, 2024, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/4i1fWkg.
23- The Times of Israel, “Aug. 22: Father of Oct. 7 Victim Says State Has ‘Unceasing and Unforgivable Debt’ to Investigate Failures,” August 22, 2026, Accessed August 31, 2026, https://www.timesofisrael.com/liveblog-august-22-2026/.
24- The Times of Israel, “Democrats Chair Yair Golan: International Recognition of Palestine ‘Extremely Damaging’ to Israel ‘at This Time’ "”September 21, 2025, Accessed August 31, 2026, https://bit.ly/4i6OvFJ.
25- حمدي علي حسين، "السلطة الفلسطينية بعد حرب غزة: بين الاعتراف الدولي وتشدد اليمين الإسرائيلي"، مرجع سبق ذكره.
26- "رئيس الوزراء مصطفى في بروكسل: لا إصلاح أو إستراتيجية يمكن أن تنجح دون توفير الظروف السياسية والاقتصادية اللازمة للتنفيذ"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، 13 يوليو/تموز 2026 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/3V70iKz.
27- "الرئيس يصدر مرسومًا بتحديد يوم 28 تشرين ثاني المقبل موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، 9 يوليو/تموز 2026 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4ycfYdM.
28- الجزيرة نت، "فصائل فلسطينية تطالب الرئيس محمود عباس باجتماع عاجل وبالتراجع عن آلية الانتخابات"، 28 يونيو/حزيران 2026 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4gCMaA0.
29- المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، "نتائج استطلاع الرأي العام رقم (97): البيان الصحفي"، 12 أغسطس/آب 2026 (تاريخ الدخول: 31 أغسطس/آب 2026)، https://bit.ly/4ydOx3t.