معركة البرلمان: اللعب بأوراق الاستقطاب في الانتخابات العراقية

تجري الانتخابات العراقية الراهنة وسط استقطابين، الاستقطاب الطائفي والإثني، والاستقطاب السياسي بين القوى المركزية والقوى المضادة للمركز. ومن المحتمل أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات تسويات، أو حالات تأزم جديدة، ناتجة عن التداخل بين هذين الاستقطابين.
2014429102722127734_20.jpg
 حملة انتخابية تضخم التمايزات الطائفية [أسوسيتد بريس]
ملخص

يشهد العراق في 30 إبريل/نيسان 2014 أول انتخابات برلمانية بعد انسحاب القوات الأميركية من البلد. وربما تكون هذه الانتخابات هي الأهم، بسبب ما يمكن أن تنطوي عليه نتائجها والخريطة السياسية التي ستتشكّل في ضوئها من تأثير كبير في تحديد المسارات المستقبلية للبلد. وهي تجري وسط استقطابين، الاستقطاب الطائفي والاثني المعتاد والذي يسهم في شرعنة وتحسين فرص القوى التي تدعي الدفاع عن "الجماعة الطائفية او الإثنية" وتمثيل مصالحها، ومن جانب ثان هناك استقطاب سياسي بين القوى المركزية والقوى المضادة للمركز. وفي حين يدفع الاستقطاب الأول نحو قيام اصطفافات إثنية وطائفية متقابلة، فإن الاستقطاب الثاني يقود إلى اصطفافات سياسية تعكس صراعاً ضمنياً بين طريقتين لإدارة الدولة، ومن المحتمل أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات تسويات أو حالات تأزم جديدة ناتجة عن التداخل بين هذين الاستقطابين.

مقدمة

يشهد العراق في 30 إبريل/نيسان 2014 أول انتخابات برلمانية بعد انسحاب القوات الأميركية من البلد. وربما تكون هذه الانتخابات هي الأهم بسبب تأثير نتائجها والخريطة السياسية التي ستتشكّل في ضوئها على تحديد المسارات المستقبلية للبلد. ويمكن القول: إن بقاء رئيس الوزراء الحالي، نوري المالكي، لدورة ثالثة، أو رحيله من منصبه، هو القضية الأساسية الأكثر أهمية في هذه الانتخابات. ويبرز ذلك في جانبين، الأول: أدى نجاح المالكي في توطيد سلطته داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية إلى أنه بات مصدر تهديد لحلفائه التقليديين من القوى الإسلامية الشيعية، فضلاً عن خصومه من القوى السنية والكردية؛ والثاني: يجري التنافس الانتخابي إلى حد كبير حول البقاء في السلطة -بالنسبة للمالكي- أو انتزاع السلطة -بالنسبة لخصومه-، ولا يجري على أساس التنافس بين رؤى واضحة حول كيفية معالجة القضايا الرئيسية في البلاد كالانقسامات الطائفية والإثنية وإدارة الموارد والإرهاب والعنف السياسي.

سنحاول في هذه الورقة تقديم صورة عن طبيعة الأوضاع والاستقطابات التي تجري فيها الانتخابات، والقوى السياسية المتنافسة فيها، والعوامل الخارجية المؤثرة فيها.

الصراعات والأوضاع الداخلية

تجري الانتخابات في ظل احتدام التوترات السياسية والانقسامات الطائفية والاثنية، وتصاعد مستوى العنف إلى معدلات غير مسبوقة منذ العام 2008؛ فمن جهة، تستمر العمليات العسكرية في محافظة الأنبار عبر اشتباكات بين القوات العراقية وبعض العشائر المتحالفة معها من جانب، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وقوى محلية متمردة من جانب آخر. وتتصاعد موجة التفجيرات والسيارات المفخخة في العاصمة بغداد والتي تستهدف غالبًا المناطق الشيعية، وقد طالت مؤخرًا تجمعًا انتخابيًا لجماعة (عصائب أهل الحق) الشيعية (1) ، التي يعتقد على نطاق واسع أنها تشارك في العمليات المسلحة ضد داعش والجماعات السنية المسلحة (2) . كما جرى اغتيال بعض المرشحين السنة في الموصل والبصرة (3) ، فيما يبدو أنه عمل مزدوج من الجماعات السنية المتطرفة والرافضة للانتخابات، ومن الميليشيات الشيعية.

يرتبط العنف "الطائفي" المتصاعد بإخفاق الحكومة والقوى السياسية العراقية في التعامل مع المشاعر السائدة في الوسط السني، وأبرزها التهميش ووجود سياسات تمييزية طائفية تتبعها الحكومة العراقية والقوى الأمنية. فبعد عام كامل من الاحتجاجات في المدن ذات الغالبية السنية، لم تشهد العملية السياسية ولا السياسة الحكومية تعديلات واضحة، أو طرحًا لرؤية ناضجة حول سبل ردم الانقسام الطائفي في البلاد. هذه البيئة التي تتسم بالاستقطاب والشكوك المتبادلة وفّرت تربة خصبة لنمو و"شرعنة" الجماعات المتطرفة على الجانبين، وينتج عن ذلك إضعاف لشرعية العملية السياسية وتصاعد في معدلات العنف. وتندرج هذه الأحداث في تيار أكبر، حيث قام النظام السياسي الحالي على فكرة "التمثيل الإثنو-طائفي"، وسمح بصعود القوى ذات الولاء الهوياتي الفرعي عبر آليات المحاصصة والنظام الانتخابي، وبات وجود تلك القوى واستمراريتها يرتبط كثيرًا بقدرتها على الاستثمار في هذه الانقسامات لا على ردمها.

ومن جهة أخرى، تجري الانتخابات في ظل استمرار الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان حول احتساب حصة الإقليم من الميزانية العامة، وهو جزء من صراع أوسع على تنظيم إدارة الموارد النفطية والغازية في البلد؛ فبينما ترى الحكومة الاتحادية أنها صاحبة القرار النهائي في رسم السياسة النفطية، والإشراف على عمليات التعاقد والتصدير، اتَّجه إقليم كردستان إلى التعاقد مع الشركات الأجنبية بشكل مستقل عن الحكومة الاتحادية، كما شيّد أنبوبًا نفطيًا مستقلاً يربط حقول النفط الكردستانية بتركيا بدون المرور بأنبوب النفط الوطني الذي تسيطر عليه الحكومة الاتحادية، ويعتبر الإقليم أن ذلك ينسجم مع بنود الدستور العراقي الذي منح الأقاليم صلاحيات واسعة (4) .

وتدخل هذه الانقسامات في إطار الصراع حول صياغة النظام السياسي الراهن في العراق، وهو صراع يجري إلى حد كبير بين اتجاه ميال للمركزية يمثله رئيس الوزراء الحالي، واتجاه ميال لتقوية الأقاليم والأطراف، وتمثل القوى الكردية أبرز الداعمين له. فبينما يبني المالكي برنامجه الانتخابي على فكرة الدولة القوية، ويرى في نفسه الممثل الوحيد لسلطة الدولة في مقابل قوى يعتبر أنها تحاول تفكيك البلد وتقاسم ثرواته فيما بينها، فإن القوى المناوئة له والتي اتسعت لتشمل بعض حلفائه السابقين من الشيعة، كمقتدى الصدر وعمار الحكيم، تعتقد أن لدى المالكي ميلاً سلطويًا نحو تركيز السلطات بيده. ويبدو أن القوة المتنامية لرئيس الوزراء بفعل سيطرته المتزايدة على أجهزة الدولة، والقوات المسلحة، ونفوذه المتعاظم في الهيئات والمؤسسات المستقلة والجهاز القضائي، أشعر بقية الأطراف بأن قواعد النظام الذي تمت صياغته في الدستور الحالي باتت عرضة للخطر، وأن نجاح المالكي بتوطيد سلطته سيؤدي إلى إضعافهم جميعًا، خصوصًا وأن معظم القوى الرئيسية تعتمد في تمويل نفسها وتوسيع شبكات الدعم الخاصة بها على ما تستحصله من ريع عبر المناصب والمؤسسات التي تتقاسمها فيما بينها (5) .

يعني ذلك أن الانتخابات الراهنة تجري وسط استقطابين: الاستقطاب الطائفي والإثني المعتاد والذي يسهم في شرعنة وتحسين فرص القوى التي تدعي الدفاع عن "الجماعة الطائفية أو الإثنية" وتمثيل مصالحها، ثم الاستقطاب السياسي بين القوى المركزية والقوى المضادة للمركز. وفي حين يدفع الاستقطاب الأول نحو قيام اصطفافات إثنية وطائفية متقابلة، فإن الاستقطاب الثاني يقود إلى اصطفافات سياسية تعكس صراعًا ضمنيًا بين طريقتين لإدارة الدولة، ومن المحتمل أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات تسويات أو حالات تأزم جديدة ناتجة عن التداخل بين هذين الاستقطابين.

التنافس الانتخابي

تعكس خريطة القوى السياسية الراهنة اتجاهات متعددة، يرتبط بعضها بطبيعة الاستقطابين المذكورين، في حين يرتبط بعضها الآخر بالنظام الانتخابي أو بحراكات اجتماعية مستقلة نسبيًا عن النخبة السياسية المهيمنة؛ فالخاصية الأولى للتنافس الانتخابي الراهن هي أنه يجري بين قوى ذات لون إثني او طائفي واحد في إطار التمايز بين القواعد الانتخابية الإثنو-طائفية بخلاف ما جرى في الإنتخابات السابقة؛ ففي انتخابات العام 2010، جرى التنافس الرئيسي في الجزء العربي من العراق (أكثر من 80% من السكان) بين القائمة العراقية بزعامة الليبرالي الشيعي، إياد علاوي، والتي انضمت إليها معظم القوى السنية الرئيسية، وبين ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي، حيث ركز الطرفان خطابهما السياسي على شكل من "القومية العراقية" وعلى بناء دولة قوية وتجاوز الطائفية، وتوفرت فرصة تجاوز الحدود الطائفية بفضل نجاح "العراقية" في الحصول على دعم غالبية سنية وعدد مهم من الأصوات الشيعية فحصلت على المركز الأول في الانتخابات، لكن الانتخابات الحالية تشهد مزيدًا من الفرز بين الدائرتين التصويتيتين: "الشيعية والسنية" وغيابًا لقوة رئيسية تمتلك مشروعا وإمكانيات حقيقية لعبور الحدود الطائفية.

يعكس ذلك أن عملية "التطييف" التي تسارعت في العراق منذ العام 2003 قد نجحت في تأسيس وقائع سياسية-اجتماعية وفي شرعنة الكيانات الطائفية كتصنيفات سياسية فاعلة. غير أنه يعكس أيضًا نوعًا من التكيف مع طبيعة التنافس الانتخابي؛ فمنذ حكم المحكمة الاتحادية بعد الانتخابات البرلمانية الماضية بأن الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات ولايُشترط فيها أن تكون القائمة الانتخابية الفائزة بالمركز الأول (6) ، باتت معظم القوى السياسية تدرك أن عليها أن "تحصّن" قواعدها الانتخابية وتركز على الفوز بأصوات قاعدتها الإثنو-طائفية، ومن ثَمّ الانتقال بعد الانتخابات إلى تحالفات أوسع. ويبدو أن ذلك خدم معظم القوى المهيمنة في البرلمان والحكومة في إعادة تدوير نفسها بأسماء أو صيغ جديدة، وهي جميعًا تتبنى "التغيير" كشعار، لكنه "تغيير" يرتبط بتحسين مكانتها في معادلة توزيع السلطة والموارد أكثر من علاقته بتطوير طريقة عمل النظام.

يعني ذلك أن الحكومة القادمة ستتشكّل بعد مرحلتين من الاصطفافات، المرحلة الأولى: مرحلة الاصطفافات الانتخابية، وفيها تتنافس قوى من نفس اللون الطائفي أو الاثني على الفوز بغالبية أصوات الجماعة الإثنو-طائفية، وهي في هذه الحالة تنقسم إلى قوى "متشددة" و"معتدلة" و"وسطية"، ولكنها في العموم مواقف تكتيكية غايتها التموضع الانتخابي ولا تعكس توجهًا سياسيًا-فكريًا ثابتًا. المرحلة الثانية: هي اصطفافات ما بعد الانتخابات، وفيها ستجري تحالفات جديدة حسب حالة الاستقطاب الإثنو-طائفي، بحيث تعيد تلك القوى المتنافسة سابقًا التحالف فيما بينها لتمثيل "الجماعة الإثنو-طائفية"، أو حسب الاستقطاب السياسي، بحيث تتضامن قوى من ألوان إثنو-طائفية مختلفة في إطار تحالف أوسع هدفه دعم الاتجاه المركزي أو دعم الاتجاه المضاد، أو على الأرجح، ستجري تحالفات تتأثر بكلا الاستقطابين معًا.

خريطة القوى السياسية

على المستوى الشيعي، يجري التنافس بين ثلاث قوى رئيسية، هي: ائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي، وائتلاف المواطن، بزعامة عمار الحكيم، والكتلة الصدرية التي تتمثل بعدة قوى، أبرزها: (كتلة الأحرار). ومع ترسخ التصنيفات الطائفية ضمن العرف السياسي العراقي، يبدو أن قضية استمرار رئيس الوزراء الحالي في السلطة أو رحيله عنها بات مرهونًا إلى حدّ كبير بالتنافسات والتوافقات الشيعية-الشيعية. وفي الوقت الذي يبدو فيه المالكي واثقًا من أنه "سيكتسح القوى الشيعية المنافسة" (7) ؛ فإن قادة في كتلتي الحكيم والصدر أعلنوا صراحة أن مرشح رئاسة الوزراء المقبل سيأتي من بين صفوفهم (8) .

كان ائتلاف المالكي يقف على يسار ائتلاف الصدر-الحكيم في الانتخابات الماضية عندما حاول الظهور كقوة غير طائفية تسعى لبناء وتوطيد سلطة الدولة، لكنه يتجه في هذه الانتخابات إلى اليمين مقارنة بمواقف أكثر اعتدالاً يتبناها الحكيم والصدر؛ فبينما يرى المالكي أن بقاءه في السلطة يتطلب الفوز بأكبر عدد ممكن من الأصوات الشيعية والظهور كأكبر كتلة ممثلة للإرادة الشيعية، يرى الحكيم والصدر أن قدرتهما على بناء تحالفات أو تفاهمات لاحقة مع القوى السنية والكردية ستمثل ورقتهما الرابحة بعد الانتخابات. يبدو ائتلاف المالكي أكثر "شيعية" من أي وقت مضى، وقد جذب إليه قوى اليمين الشيعي، مثل: "منظمة بدر" التي هي جزء من الائتلاف، وجماعة أهل الحق الممثلة انتخابيًا بكتلة "الصادقون" والتي دخلت في تحالفات مع المالكي في عدة محافظات. ويقوم الخطاب الانتخابي للمالكي على شعار "حكومة الأغلبية"؛ حيث يعتبر أن الوقت قد حان لاستبدال "حكومة الشراكة" التي يراها غطاء لمحاصصة تكرس تشرذم الدولة، بحكومة يقودها هو ويتولى تعيين وزرائها لتعمل كفريق منسجم (9) . يشاركه الحكيم الحديث عن حكومة بـ "فريق منسجم" لكنه يعتبر أن هذا الانسجام يتحقق من خلال "شراكة الأقوياء" لا من خلال الاقصاء (10) ، بينما يركز الصدر على نقد "الميول الديكتاتورية" للمالكي وتفرده بالسلطة (11) .

على المستوى السني، يبدو المشهد أكثر تشرذمًا بعد انفراط عقد القائمة العراقية، وتنامي الصراعات بين القوى الوريثة لها، وعودة الحياة إلى تيار راديكالي يرفض الانتخابات ويدعو الى مقاطعتها. وفي الوقت الذي يعوّل فيه المالكي على تحقيق اختراقات عن طريق التحالف مع بعض الأطراف السنية من أجل تعزيز هامش المناورة لديه في مواجهة خصومه الشيعة، فإن هنالك قوى سنية تسعى إلى طرح نفسها كممثلة –ولاحقًا- مفاوضة عن المكون العربي-السني في مواجهة مسعى المالكي.

أبرز القوى السنية هو ائتلاف "متحدون" الذي يتزعمه رئيس البرلمان أسامة النجيفي والذي جمع إليه معظم القوى السياسية والاجتماعية السنية الداعمة لنهج المشاركة بالانتخابات كالحزب الإسلامي ومؤتمر صحوة العراق. وتتبنى بعض الشخصيات والقوى المكونة للائتلاف الدعوة لإنشاء "إقليم سني" على غرار إقليم كردستان. وعند هذه النقطة يفترق هذا الائتلاف مع ائتلاف "العربية" الذي يتزعمه نائب رئيس الوزراء، صالح المطلك، والذي يحتفظ بموقف ناقد للتصنيف الطائفي ويسعى لتقديم نفسه كطرف "عروبي" من أجل كسب أصوات العرب السنة في مناطق الاستقطاب العربي-الكردي. ورغم أن المطلك وجّه في أكثر من مناسبة نقدًا شديدًا للمالكي وعبّر عن الرفض لاحتمال استمراره في منصبه (12) ؛ فإن بعض تحالفاته الراهنة والخصومات السنية-السنية تجعل ائتلافه، أو جزءًا من هذا الائتلاف، في نظر البعض حليفًا سنيًا محتملاً للمالكي. وهنالك قائمة انتخابية جديدة تحمل اسم "كرامة"، يقودها رجل الأعمال خميس الخنجر (13) ، الذي كان قد لعب دورًا رئيسًا في تأسيس القائمة العراقية، وتعتبر نفسها المعبّر عن حركة الاعتصامات والاحتجاجات التي شهدتها المناطق السنية؛ كما أن هناك قوى دينية وعشائرية رأت أن النخبة السياسية السنية التي تمثلت في القائمة العراقية ووريثاتها اتخذت موقفًا مهادنًا وبراغماتيًا وبالتالي فقدت شرعية تمثيل الصوت السني. وفي الوقت الذي تتنافس هذه الكتلة مع "متحدون" على ذات القاعدة الانتخابية، يظل احتمال دخول الطرفين في تحالف بعد الانتخابات لتعزيز الموقف التفاوضي السني واردًا.

على المستوى الكردي، تتنافس القوى الرئيسية الثلاث: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة رئيس الجمهورية الغائب بسبب المرض، جلال طالباني، وحركة التغيير بزعامة نيشروان مصطفى. يساعد هذا التنافس على تحديد الأوزان النسبية لهذه القوى، خصوصًا مع التراجع التدريجي في قوة حزب الاتحاد الوطني وصراع الأجنحة والقيادات في داخله، وصعود حركة التغيير إلى منزلة القوة الكردية الثانية بعد انتخابات برلمان الإقليم الأخيرة. وفي حين أظهرت أزمة تشكيل حكومة إقليم كردستان وجود صراع حاد بين هذه القوى حول السلطة والموارد داخل الإقليم، فإنه من غير الواضح بعد ما إذا كان هذا الصراع يمكن أن يؤدي لاحقًا إلى إضعاف التنسيق بين تلك القوى في المفاوضات التي ستتبع الانتخابات (14) .

هنالك أيضًا قوى أخرى خارج الإطار التصنيفي الإثنو-طائفي، مثل: ائتلاف "الوطنية" الذي يتزعمه إياد علاوي (15) ، و"التحالف المدني الديمقراطي" الذي يضم مجموعة من اليساريين والليبراليين والمستقلين (16) ، وكلا الائتلافين يتنافسان على ما يمكن تسميته بالقاعدة "المدنية" التي يصعب تقييم حجمها نظرًا لعمق الاستقطاب الطائفي. وإذا ما تمكن هذان الائتلافان من دخول البرلمان، يمكن لتحالفهما أن ينشئ قوة عددية ضاغطة باتجاه طرح نواة لبديل "غير طائفي" في المستقبل. وهنالك قوة جديدة تحمل اسم "ائتلاف العراق" (17) ، وتدعو في برامجها إلى دور أكبر للتكنوقراط ورجال الأعمال، ويقودها رجل أعمال مثير للجدل هو فاضل الدباس الذي يُنظر إليه كحليف محتمل للمالكي (18) . وفي الحقيقة، فإن ما يبدو وكأنه صعود في نفوذ وتأثير رجال الأعمال، يعكس حالة تساند متنامية بين الطبقة السياسية والطبقة المالية موضوعها الأساسي عقود الدولة التي تمثل الغاية الأساسية لمعظم رجال الأعمال بسبب ما تدرّه من أرباح هائلة، في ظل جهاز بيروقراطي غارق في الفساد وعدم الكفاءة.

التأثيرات الخارجية

تراجع النفوذ الأميركي كثيرًا منذ انسحاب القوات الأميركية نهاية العام 2011، وقد تجلّى ذلك في الخطوات التي اتخذها رئيس الوزراء نوري المالكي ضد بعض خصومه الداخليين، وفي الخيارات التي اعتمدها في سياسته الخارجية، والتي يبدو أنها تأثرت كثيرًا بالنفوذ المتعاظم لإيران في العراق. لقد لعبت إيران دورًا مهمًا في تأمين دورة ثانية للمالكي عبر الضغط الذي مارسته على القيادات الشيعية، وتحديدًا مقتدى الصدر، للقبول بالتجديد له. وتكرر الأمر ثانية عندما انضم مقتدى الصدر إلى الزعيم الكردي مسعود بارزاني وقادة القائمة العراقية في جهد مشترك لسحب الثقة من رئيس الوزراء؛ حيث أسهمت الضغوط الإيرانية على الرئيس جلال طالباني وعلى مقتدى الصدر في إفشال هذا التحرك (19) .

ما زال يُنظر إلى إيران بوصفها الطرف الخارجي الأكثر تأثيرًا في تحديد الخيارات الشيعية بعد الانتخابات، وبالتالي في رسم الصفقة السياسية التي ستتمخض عنها المفاوضات. ولذلك يبدو المالكي مهتمًا بضمان الدعم الإيراني عبر تحالفاته مع قوى قريبة من إيران (منظمة بدر وعصائب أهل الحق)، وعبر اقتراب مواقفه الخارجية كثيرًا من الموقف الإيراني، خصوصًا في الشأن السوري، ونقده المتصاعد لخصوم إيران الإقليميين كالسعودية. في الوقت نفسه، يبدو أن القوى الشيعية المنافسة (المجلس الإسلامي الأعلى والتيار الصدري) حاولوا ترميم علاقاتهم مع الإيرانيين لضمان أن لا يكون الموقف الإيراني منحازًا إلى المالكي؛ فقد قام زعيم المجلس الأعلى عمار الحكيم وقيادات أخرى في تنظيمه بزيارات متكررة لإيران يبدو أنها تمخضت فعلاً عن تحسن في العلاقات بعد تباعد نسبي حصل إثر وفاة زعيم المجلس السابق، عبد العزيز الحكيم، وانفتاح المجلس على دول الخليج (20) . كما أن نقد مقتدى الصدر العلني للدور الإيراني واتخاذه مواقف بدت غير ملائمة بالنسبة للجانب الإيراني، قد تسبب في تدهور نسبي للعلاقة بين الجانبين. ومؤخرًا تسربت أنباء عن اجتماع بين الصدر ومسؤولين إيرانيين لـ "تصحيح" علاقة الجانبين، كما أرسل التيار الصدري رسائل بهذا الاتجاه عبر عملية إعادة هيكلة داخلية تمثلت بحل هيئة الأمناء في التيار الصدري، وتكليف القيادي، كرار الخفاجي، الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع الإيرانيين، بإدارة الملف السياسي للتيار (21) . ورغم كثرة ما يشاع عن تفضيل الإيرانيين للمالكي، فإن القيادة الإيرانية لم تتخذ موقفًا نهائيًا على الأرجح، وهي بانتظار أن تفرز نتائج الانتخابات خريطة سياسية تتحدد فيها الأوزان النسبية للكتل المختلفة.

ويحتفظ الإيرانيون بعلاقات جيدة مع الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تراجع نفوذه كثيرًا في الآونة الأخيرة، بينما يرتبط الحزب الديمقراطي الكردستاني، القوة الرئيسية في كردستان، بعلاقات وثيقة مع تركيا، تمنح أنقرة نفوذًا مهمًا إلى جانب ما تتمتع به من تأثير على القوى السنية، وبشكل خاص "متحدون" و"كرامة". ورغم أن الطموحات التركية في بناء نفوذ إقليمي قد تراجعت نسبيًا، إلا أن تأثيرها في العراق لم يتلاش تمامًا، وهنالك احتمال كبير أن يتجه الأتراك إلى اعتماد نهج تعاوني لا تنافسي مع الإيرانيين في ممارسة دورهم داخل العراق، خصوصًا بعد تحسن علاقات الجانبين إثر زيارة أردوغان إلى طهران مؤخرًا.

خاتمة

وفق الخريطة الانتخابية الراهنة، لن يحصل أي طرف على الأغلبية الضرورية لتشكيل الحكومة، وسيضطر إلى تشكيل تحالفات لاحقة، وقد تعيد هذه التحالفات التمحور السياسي الطائفي، وتنتهي بالتالي إلى تشكيل حكومة "شراكة" جديدة على أساس نسب "المكونات"، أو أن التحالفات ستتشكل على أساس استقطاب سياسي بين فريق داعم للمالكي أو فريق معارض له. لكن الأوزان السياسية التي ستفرزها الانتخابات للقوى المتنافسة هي التي ستقرر إمكانية غلبة أحد الاصطفافين. ويبدو أن الاتجاه الراجح هو أن مسعى تأمين منصب رئيس الوزراء لصالح المالكي أو لصالح أحد منافسيه الشيعة، هو الذي سيقود المرحلة الأولى من العملية التفاوضية، وستكون إلى حد كبير مرحلة ردم الفجوة بين التوقعات وبين الأوزان الحقيقية للكتل الشيعية المختلفة. وإن لم يتم حسم هذه المواجهة مبكرًا، قد تنشأ اصطفافات بديلة أو أزمات لاحقة تهدد قدرة النظام السياسي الراهن على الاستمرار.
__________________________
*حارث حسن، باحث في الشؤون السياسية العراقية.

المصادر:
1) أ.ف.ب، تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" يتبنى الهجوم على تجمع انتخابي ببغداد، إيلاف:
http://www.elaph.com/Web/News/2014/4/898404.htm l

2) العالم الجديد، 24 إبريل/نيسان 2014.

3) انظر مثلاً: القرطاس نيوز، اغتيال الشيخ الدوسري المرشح عن قائمة "متحدون" بالانتخابات العراقية:
http://moheet.com/2014/04/26/2054799/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B3%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AD-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF.html

4) Denise Natali, “Iraq’s Oil Brinkmanship”, Almonitor, January 23 2014.

5) Marisa Sulivan, “Maliki’s Authoritarian Regime”, Institute for the Study of War, Aprli 2013.

6) حيدر القدوة، المحكمة الاتحادية العليا... الكتلة الأكبر في البرلمان تشكل الحكومة المقبلة، المدينة:
http://www.al-madina.com/node/235350

7) انظر حوار المالكي مع قناة الميادين، 25 إبريل/نيسان 2014:
http://www.almayadeen.net/ar/Programs/Episode/Ph4OOaJl,0yRk6MYAS2kcg/2014-04-25-%D9%86%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A---%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A

8) انظر مثلاً: قناة السومرية، حديث الوطن -خاص الانتخابات 10- النائب حاكم الزاملي، ائتلاف الأحرار
https://www.youtube.com/watch?v=jGdVSXxzt78 لتفاصيل كاملة عن القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات، انظر: المفوضية المستقلة العليا للانتخابات، انتخاب مجلس النواب 2014:
http://www.ihec.iq/ar/index.php/parliament-2014.html

9) قناة المنار، لقاء خاص مع دولة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي:
https://www.youtube.com/watch?v=dtKCDvTK1dM

10) الفرات نيوز، السيد عمار الحكيم: ليس معيارنا أغلبية سياسية أو شراكة محاصصة بل نحن مع الجميع من أجل عراق موحد متصالح مع النفس:
http://wwww.alforatnews.com/modules/news/article.php?storyid=53123

11) Harith Hasan, “New Shia Politics and the Maliki-Sadr Competition”, Atlantic Council, 17 November 2013:
http://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/new-shia-politics-and-the-maliki-sadr-competition-in-iraq

12) Saleh Mutlag, “Say No to Civil War”, Foreign Policy, 3 April 2014:
http://www.foreignpolicy.com/articles/2014/04/03/say_no_to_civil_war

13) الحرة عراق، الإعلان عن ائتلاف الكرامة بزعامة رجل الأعمال "خميس الخنجر" لخوض الانتخابات البرلمانية:
https://www.youtube.com/watch?v=RjVIuCZdQJo

14) Wladimir Van Wilgenburg, “Talabani’s Party Stung by Loss in Iraqi Kurdistan Elections”, Almonitor, 11 October 2013: http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2013/10/talabani-loses-kurdistan-elections.html
Namo Abdulla, “Iraqi Kurdistan: Old Structures, New Realities”, 12 February 2014:
http://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2014/02/iraqi-kurdistan-old-structures--201421264244206457.html

15) المدى برس، علاوي يشكل ائتلاف "الوطنية" لخوض انتخابات مجلس النواب ويرجح التحالف مع النجيفي والمطلك:
http://www.almadapress.com/ar/news/22667/%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%8A%D8%B4%D9%83%D9%84-%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%B6-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE

16) التيار الديمقراطي، البرنامج الانتخابي للتحالف المدني الديمقراطي:
http://www.tdiraq.com/?p=2510

17) انظر الموقع الإلكتروني للائتلاف:
http://etelafaliraq.com

18) صحيفة العالم البغدادية، 120 مليون دولار لتشكيل "قائمة سنية" تنافس "متحدون" وتتحالف مع المالكي بعد الانتخابات:
http://www.alaalem.com/index.php?aa=news&id22=13914

19) علاء يوسف، تصريحات الصدر بشان إيران تثير الجدل في العراق، الجزيرة نت:
http://www.aljazeera.net/news/pages/e537587d-f2c5-4ac7-837a-f6a30a537baf

20) الشرقية، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم يبحث مع المرشد الإيراني علي خامنئي العلاقات الثنائية بين العراق وإيران:
http://www.alsharqiya.com/?p=74779

21) السومرية، التيار الصدري يحل هيئة أمنائه ويكلف كرار الخفاجي بإدارة ملفه السياسي:
http://www.alsumaria.tv/news/97231/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D8%B1%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D9%84-%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%87-%D9%88%D9%8A%D9%83%D9%84%D9%81-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B1/ar

ABOUT THE AUTHOR