من غزة إلى إيران: محاولات تقويض المقاومة وإعادة تشكيل الإقليم

اتفاق غزة الهش جزء من إستراتيجية تدريجية تربط غزة بإيران: استنزاف المقاومة، وتفكيك تحالفاتها، وإعادة ترتيب الإقليم، بما يعزز موقع إسرائيل ويُضعف القضية الفلسطينية إقليميًّا ودوليًّا.
7 April 2026
تواصل إسرائيل عملياتها في غزة رغم الاتفاق، مستفيدة من التركيز على الحرب ضد إيران، مع سقوط 704 شهداء و1914 جريحًا حتى مارس/آذار 2026 (رويترز).

مقدمة

"وقف إطلاق النار في غزة هش بدرجة كبيرة". بهذه الجملة لخص المنسق الأممي، رامز الأكبروف، الوضع في قطاع غزة خلال إحاطة قدمها في 25 مارس/آذار 2026 لمجلس الأمن(1). على الرغم من أن الجملة بدت توصيفًا بديهيًّا لواقع الاتفاق، فإنها تعكس في جوهرها استنتاجًا سبق أن طُرح في عدد من القراءات التحليلية للاتفاق؛ إذ رجحت تلك القراءات سيناريو التطبيق المتعثر؛ حيث تُبقي إسرائيل لنفسها مواقع أمنية وعسكرية، وتستمر في فرض الحصار والتحكم بحركة الأفراد والبضائع، مع تنفيذ عمليات أمنية عند تقديرها الحاجة لذلك. وبذلك يتشكل نموذج مركب يستدعي خبرتين سابقتين: نموذج لبنان، حيث يتراجع مستوى العمليات دون أن تتوقف كليًّا، ونموذج الضفة الغربية، حيث لا يعني تسليم الإدارة لجهة فلسطينية خروج إسرائيل من المشهد بل استمرار حضورها عبر أدوات السيطرة الأمنية والإجرائية(2). بذلك لا يبدو هذا التوصيف مفاجئًا، لا على مستوى القراءة التحليلية ولا على مستوى القوى المؤثرة، التي دفعتها جملة من التحولات الدولية والإقليمية، إلى جانب تطورات الداخل الإسرائيلي وأوضاع المقاومة، إلى القبول باتفاقٍ ظلت مآلاته موضع شك منذ البداية.

واقع غزة في ظل الحرب على إيران

يمكن القول: إن الفلسطيني في قطاع غزة لا يزال يواجه صنوف المعاناة ذاتها التي خبرها خلال الحرب؛ بعضها بأشكال أقل حدة، وبعضها الآخر أكثر قسوة مما كان عليه سابقًا. غير أن هذه المعاناة تجري في ظل حالة إيهام تحاول أدوات الدعاية الأميركية والإسرائيلية تكريسها، مفادها أن الحرب قد انتهت. وتبدو هذه المحاولة جزءًا من مسعى جاد للتخفيف من التداعيات السلبية التي لحقت بالطرفين على امتداد أكثر من عامين.

ومع بدء الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما ضد إيران، جرى تغطية ما يحدث في قطاع غزة إعلاميًّا بصورة جزئية، وهو ما يحمل أهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل، فضلًا عن منافع أخرى. وفي مقابل هذه المنافع المتنامية، تتفاقم معاناة الفلسطينيين في القطاع على النحو الآتي:

  • لا يوجد تحرك دولي جاد لدفع إسرائيل للإيفاء بالتزاماتها تجاه القطاع بل إن المقترحات المقدمة من مجلس السلام الذي فرض نفسه على قضية القطاع عبر الإدارة الأميركية، تمارس نوعًا من الابتزاز، بجعل احتياجات الفلسطينيين مادة تفاوضية.
  • ما زالت إسرائيل تمارس العديد من العمليات في مناطق عدة في قطاع غزة؛ إذ أوضحت وزارة الصحة الفلسطينية أنه وحتى أواخر مارس/آذار 2026، أسفرت الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار عن 704 شهداء وعن 1914 جريحًا(3).
  • استمرت إسرائيل في فرض حصار خانق على قطاع غزة مع إغلاق شبه كامل للمعابر ومنع تدفق المساعدات والبضائع والاحتياجات الطبية، وإعاقة حركة المواطنين داخليًّا وخارجيًّا، والحيلولة دون البدء في إعادة الإعمار.

مسارات الحرب من غزة إلى إيران

يكشف مسار الحرب الممتد من غزة إلى إيران عن ثلاث قواعد أساسية في العمل الأميركي/الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تُسهِم في فهم وضع قطاع غزة في ظل الحرب على إيران، وهي:

أولًا: إيران رأس الأخطبوط: لم تُخْفِ إسرائيل تقييمها للدور الإيراني في المنطقة؛ إذ لطالما اعتبرت طهران "رأس الأخطبوط"، وأن القوى المناوئة لها ليست سوى أذرع إيرانية تمتد في سوريا ولبنان واليمن والعراق وفلسطين(4). وقد وضع هذا التقييم كلًّا من إسرائيل والولايات المتحدة أمام سؤال الجدوى بعد السابع من أكتوبر: أيهما أكثر نفعًا: البدء بضرب الرأس أم ببتر الأذرع؟ وكانتا أمام سيناريوهين:

الأول: المبادرة بضرب إيران -أي الرأس- مباشرة، عبر توجيه ضربات قاسية لها، بما ينسجم مع الخطاب الإسرائيلي حول مركزية الدور الإيراني. لكنها ستواجه عدة تحديات، منها: صعوبة تبرير استهداف إيران دوليًّا، وقد نفذته قوى فلسطينية لم تؤكد صلة إيران به، ونفت إيران علمها به(5)، وكذلك نفى حلفاؤها في المنطقة صلتهم بالهجوم وتحديدًا حزب الله(6). وكان من الممكن أيضًا أن تواجه تحديًا آخر، اندفاع كل حلفاء إيران لمواجهة إسرائيل في وقتٍ واحد لو تم البدء بضرب طهران منذ اللحظة الأولى، وستكون قوة إسرائيل العسكرية مشتتة بين العمل في القطاع والضفة الغربية والجبهة مع لبنان وحماية المركز والأطراف من إيران واليمن والعراق وسوريا في ذلك الوقت، والقيام بعمليات جوية ومهام أمنية في تلك المناطق.

الثاني: أن تبدأ إسرائيل باستهداف المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ثم تنتقل بعدها إلى القوى الأخرى في لبنان وسوريا واليمن وصولًا إلى إيران. بهذا تضبط طهران تدخلها في الحرب وبالحد الأدنى، حرصًا منها على عدم وصول الحرب إليها، كما تدفع بحلفائها من غير الفلسطينيين إلى التدخل بشكل محدود، تحت عنوان الإسناد لذات السبب. وبذلك تكون إسرائيل قد تمكنت من الإبقاء على الحشد الدولي لصالحها على الأقل في بداية الحرب على غزة، وأعفت نفسها من مواجهة مكثفة ومفتوحة مع كل الجبهات في ذات الوقت. صحيح أنها تواجه الآن إيران والحوثيين وحزب الله في ذات الوقت، إلا أنها تواجههم بعد أن أضعفت من قدراتهم بشكلٍ جوهري وخصوصًا فيما يتعلق بحزب الله الآن.

فقد اتجهت إسرائيل إلى السيناريو الثاني، مدفوعة على الأرجح بتفضيل أميركي له، نظرًا لملاءمته في الحفاظ على شبكة العلاقات مع الحلفاء العرب والمسلمين في المنطقة. أي إن ضرب إيران في سياق الحرب التي بدأت في القطاع كان مسألة وقت، وإن سياسة إيران الحذرة جدًّا في الانخراط الكامل في الحرب منذ بدايتها كان نتاج تقدير إيراني غير دقيق، ظنًّا منها أن الحرب لن تصل إليها، وأن الضرر سيصيب حلفاءها فقط وتستطيع ترميمه لاحقًا. كما يحتمل أن إيران كانت ضحية عملية خداعٍ إستراتيجي مارسته الإدارة الأميركية الحالية ضد طهران، فقد شاغلتها واشنطن بالمفاوضات في حين كانت تحضيراتها على قدم وساق لمواجهة كبيرة معها.

ثانيًا: تفكيك الساحات والاستفراد: صدرت عن حلفاء حركة حماس، مع بدء هجوم 7 أكتوبر 2023، تصريحات أكدت التزامهم بتنفيذ عمليات عسكرية جزئية في إطار مواجهة أوسع مع إسرائيل على مختلف الجبهات، وذلك رغم تبنيهم، إلى جانب حماس، مصطلح "وحدة الساحات" قبل هذه العملية. وقد تمثَّلت مساهمتهم عمليًّا في عمليات إسناد قدَّرتها حماس وأثنت عليها، غير أنها لم تَرْقَ إلى مقتضيات هذا المصطلح، وجاءت أدنى من سقف التوقعات أو التفاهمات التي يُشار إليها في هذا السياق.

بالمقابل، كانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأميركية معنيتين بشكل واضح بترسيخ مصطلح مضاد هو "تفكيك الساحات"، وهذا ما دفع أيضًا باتجاه السيناريو الثاني وهو الضرب الإسرائيلي التدريجي المتنقل من جبهة إلى أخرى أو ملف إلى آخر، ليبقى لدى كل طرف ما يخشى عليه وما يجعله أكثر حرصًا على التدخل المحدود الذي يُبقيه في إطار "الإسناد" لا أكثر. وترافق ذلك مع تأكيدات صريحة من هذه الأطراف بأن قرار هجوم 7 أكتوبر كان قرارًا خاصًّا بـحركة حماس، وهو ما يمكن عَدُّه "تنصلًا سياسيًّا" من تبعات الهجوم، رغم ما رافق ذلك من خطاب داعم للحق الفلسطيني.

يبدو التدخل المحدود إلى جانب حماس من قبل حزب الله وإيران مفهومًا، في ظل تعقيدات الوضع اللبناني الداخلي، وعدم القدرة على خوض مواجهة طاحنة مع إسرائيل، وفي ظل حسابات إيران الإقليمية والدولية. لكن هذا النمط من التدخل طرح تساؤلات مهمة حول الفجوة بين الخطاب والسلوك السياسي، وحول مقدار التنسيق بين الحلفاء في هذا المحور، ومكَّن إسرائيل من الادعاء بأنها قادرة على "تفكيك الساحات" وتبديد مقولات "المقاومة"، وهو ما انعكس بشكل جوهري على الوضع داخل قطاع غزة، بفقدان حماس أحد مصادر قوتها المتمثلة في شبكة علاقاتها في الإقليم، وستكون أكثر عرضة لمزيد من الضغط في المراحل القادمة.

ثالثًا: إعادة بناء الشرق الأوسط: عند اندلاع الحرب على قطاع غزة، كانت إسرائيل قد نجحت، خلال السنوات السابقة، في الولوج إلى مسار سياسي أعاد تشكيل علاقاتها مع عدد من دول المنطقة على نحوٍ مختلف. وقد ارتبط هذا المسار بتوجهات معلنة لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب لاسيما في ولايته الأولى، وقام على تطبيع العلاقات مع دول عربية عدة ضمن إطار الاتفاقيات الإبراهيمية، من دون اشتراط قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967. وبذلك، شكَّل هذا المسار تجاوزًا واضحًا للمبادرة العربية للسلام، 2002، التي أقرتها جامعة الدول العربية. بيد أن هذا المسار الذي حقق بعض الإنجازات كان يصطدم بوجود تيارٍ مناوئ له في المنطقة أو متوجسٍ بشأنه. إقليميًّا، كانت هناك أطراف ترفضه وما زالت، وأخرى متوجسة بشأنه، فيما فلسطينيًّا كان المسار مرفوضًا من قبل السلطة الفلسطينية وبقية الفصائل والحركات الفلسطينية.

لم تتمثل العقبة الأساسية أمام هذا المسار في مجمل الأطراف الرافضة أو المتحفظة، بقدر ما تجسدت في الفاعلين على الأرض الذين انتهجوا مسارًا مغايرًا تمامًا، هو مسار "المقاومة". مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدا أن كلًّا من إسرائيل والإدارة الأميركية الجديدة يتجهان نحو مقاربة تستهدف إزالة العقبات التي تعترض مشروعًا شرق أوسطي بصيغة مختلفة. فالمسألة لم تعد تقتصر على إدماج إسرائيل كيانًا متجانسًا مع محيطه، وهو أمر لا تكفله أدوات القوة وحدها بل الانتقال إلى صيغة هيمنة تُفرغ البيئة الإقليمية من أي قدرة منظمة على المقاومة. إن ذلك يعني، من بين ما يعنيه، السعي إلى تقويض تجربة "المقاومة الفلسطينية"، ليس على مستوى مقدراتها وقدرتها على الفعل فقط بل أيضًا على مستوى تماسك القائمين عليها معنويًّا وسياسيًّا، عبر سياسات تفكيك الساحات بما يُفضي إلى إضعاف ظهيرها الإقليمي. وفي هذا السياق، بدا استهداف إيران خطوة شبه حتمية ضمن هذه الرؤية؛ إذ من شأنه أن يُفقد حركة حماس أحد أبرز داعميها، وأن يسهم في إعادة ترتيب العمل الإقليمي بما يدفع إيران إلى موقع أكثر صدامية مع عدد من دول المنطقة، مع بقاء الولايات المتحدة الأميركية في موقع القادر على تقديم نفسه حاميًا للحلفاء من التهديدات الخارجية.

خلاصة القول: إن العلاقة بين مسار الحرب على قطاع غزة ومسار الحرب على إيران هي علاقة افتراضية قائمة على فصل الحربين لأسباب نظرية تحليلية، فيما ذات التحليل سيقود في نهاية المطاف إلى الحديث عن مسارٍ واحد يبدأ في غزة وقد لا ينتهي في طهران، هدفه وأد المقاومة في غزة وتفتيت حلفائها في المنطقة وتقويض نفوذ طهران الإقليمي وسيادة إسرائيل في المنطقة.

تداعيات مسارات الحرب

ذهبت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية إلى إعلان وقف إطلاق النار استجابةً للقواعد الحاكمة التي وضعتها للحرب، إلى جانب التحولات في مواقف بعض الدول إقليميًّا ودوليًّا. في المقابل، ذهبت إليه حركة حماس استجابةً للأزمات الإنسانية المركبة داخل القطاع، ونتيجةً لتراجع قدراتها العسكرية بعد أشهر من المواجهة. وكان واضحًا منذ البداية أن واشنطن تريده اتفاقًا ناقص التنفيذ؛ فلا هو يعيدها وإسرائيل إلى حرب شاملة تُدخلها في أزمات مع عدد من الدول، ولا هو يمكِّن الفلسطينيين في غزة من التقاط الأنفاس وإعادة البناء وترميم القوة. وفي هذا السياق، جاء ما يُعرف بـ"مجلس السلام" بقيادة دونالد ترامب ليمارس شكلًا من الابتزاز العلني، عبر ربط تدفق المساعدات وإعادة الإعمار بوضع حركة حماس في قطاع غزة، وإعادة فتح مسار التفاوض معها.

إن التفاوض مع حركة حماس يعني عمليًّا حاجتها إلى أوراق قوة، في وقتٍ فقدت فيه ورقة الأسرى، كما فقدت حالة الاشتباك بعد إعلان إنهاء الحرب، ويجري العمل على تجريدها من ورقة الحلفاء في الإقليم. لذلك، يُتوقع أن تنعكس آثار الحرب الحالية سلبيًّا على الحركة من ناحيتين رئيسيتين:

أولًا: إضعاف قدرتها على التفاوض بشأن سلاحها أو نفوذها إجمالًا داخل قطاع غزة، وهو ما يعني تزايد الضغط عليها في مراحل لاحقة إذا ما استطاعت أميركا وإسرائيل تحقيق كامل أهداف الحرب على إيران.

ثانيًا: تعقيد قدرتها على الحفاظ على علاقات مستقرة مع دولة المنطقة في ظل دخول الدول العربية في حالة خصومة أو توتر أو عداء مع إيران.

وهذا على مستوى تأثير الحرب في موقع الحركة تفاوضيًّا وعلاقاتها الخارجية، مع احتمال وجود آثار أخرى على مستوى التماسك الداخلي والبنية التنظيمية، وكذلك على صعيد العلاقة مع القوى الفلسطينية الأخرى. أما في التأثيرات الأوسع للحرب على إيران، فإن قطاع غزة يتأثر بها بشكل مباشر، كما تتأثر القضية الفلسطينية عمومًا، ومن المرجح أن يتعاظم هذا التأثير مع نهاية الحرب، تبعًا لمآلاتها. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مسألتين رئيسيتين:

أولًا: كان مما ترافق مع الحرب على قطاع غزة أن حدثت تحولات مهمة على مستوى الرأي العام الغربي لصالح القضية الفلسطينية، نتاجًا لتغطية إعلامية مكثفة لحرب الإبادة الجماعية، وهي تغطية أسهمت فيها وسائل إعلام عدة بالإضافة إلى ما نُقل عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وقد تنامت حركة الشارع الغربي المناهضة للحرب بشكل جعل الحكومات الغربية تعدِّل من خطابها أو مواقفها أو حتى سلوكها تجاه الحرب وإسرائيل.

عَدَّ الكثيرون هذا التحول واحدًا من أهم الخسائر لإسرائيل والمكاسب لفلسطين، إلا أن الزخم الإعلامي تَرَكَّز في الآونة الأخيرة على إيران في ظل استمرار معاناة الفلسطينيين في غزة وفي ظل استمرار عمليات إسرائيل هناك، وهو ما أدى إلى فتور العواصم الغربية على المستوى الشعبي، وانتقال التركيز الرسمي في تلك العواصم إلى الموضوع الأكثر سخونة الآن، وهو أمر متوقع ومفهوم. بيد أنه وفي ظل غياب أطر مؤسساتية وجماعات مصالح وضغط تعمل بشكل ممنهج لصالح القضية الفلسطينية عمومًا أو لصالح إنهاء الأزمة الإنسانية الماثلة في القطاع، ستكون كل التحولات التي حصلت على مستوى الرأي العام الغربي مهددة بالتلاشي تدريجيًّا، وهو أمرٌ لم يكن مستبعدًا لكنه لم يكن متوقعًا في زمن قريب جدًّا. ويبدو أن إسرائيل استفادت من انتقال دائرة الاهتمام إلى إيران، بالاستمرار في عملياتها ضد القطاع دون أن تحدث جلبة إعلامية.

ثانيًا: بالرغم من نجاح إسرائيل في الأيام الأولى للحرب على قطاع غزة في خلق حشد دولي واسع متحالف معها، وضمان صمت دول عدة، إلا أنها خسرت هذا الحشد تدريجيًّا ولم يبق سوى الولايات المتحدة الأميركية قوةً وازنة في صفها بشكل كامل. بل إنها وجدت نفسها بعد أشهر من الحرب في مواجهة دبلوماسية مع العديد من الدول الغربية، شملت اعترافات بالدولة الفلسطينية وإدانات للسلوك الإسرائيلي وتحرك أوروبي عربي إسلامي مشترك من أجل دولة فلسطينية، حتى وصل الأمر بنتنياهو إلى الاعتراف بحالة العزلة التي كابدتها إسرائيل. لكن؛ وبمجرد البدء في الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد طهران، حدثت تحولات جديدة أعادت لإسرائيل القدرة على خلق قواسم مشتركة مع العديد من الأطراف إقليميًّا ودوليًّا على قاعدة العداء مع النظام الإيراني.

وصحيح أن أميركا لم تتمكن من تأمين تحالف دولي يشارك في العمليات العسكرية إلا أن حال إسرائيل على المستوى الإقليمي والدولي أضحى أقل سوءًا من ذي قبل، وهو أمر يؤثر بشكل مباشر على الفلسطينيين سواء في ملف قطاع غزة أو في القضية الفلسطينية برمتها، فتحرُّر إسرائيل من حالة العزلة الدولية، والبدء بحرب جديدة هدفها ترتيب الشرق الأوسط بالمسطرة الإسرائيلية، يعني من بين ما يعنيه تجاوز القضية الفلسطينية ونقلها من المركز إلى هامش السياسة الإقليمية والدولية، وبالرغم من كونها حالة مؤقتة إلا أن ما تقوم به إسرائيل في القطاع أو الضفة الغربية بما فيها القدس خلال هذه المرحلة قد تكون خطوات يصعب تغييرها في المدى القريب والمتوسط.

ABOUT THE AUTHOR

References
  1. UN, “Gaza: Commitment to US-backed plan crucial to recovery, Security Council hears”, UN, 25 March 2026, (Accessed: April 3, 2026) https://palestine.un.org/en/312477-gaza-commitment-us-backed-plan-cruci…
  2. بلال الشوبكي، "بداية خطة ترامب: سلام مرتقب أم تسوية مؤقتة؟"، الجزيرة للدراسات، 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 3 أبريل/نيسان 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6336
  3. وزارة الصحة الفلسطينية، "704 شهداء بغزة منذ وقف إطلاق النار"، وكالة سند للأنباء، 30 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 2 أبريل/نيسان 2026)، https://snd.ps/p/158580
  4. Simon Speakman Cordall, “What is behind Israel’s decision to attack Iran?”, Aljazeera, 13 June 2025, (Accessed on: April 2, 2026). https://www.aljazeera.com/news/2025/6/13/what-is-behind-israels-decisio…
  5. Matthew Levitt, “The Hamas-Iran Relationship”, Jerusalem Strategic Tribune. November 2023, (Accessed on: April 1, 2026). https://jstribune.com/levitt-the-hamas-iran-relationship/
  6. Aljazeera staff, “Hezbollah’s Hassan Nasrallah speech on Israel-Hamas war: Key takeaways”, Aljazeera, 3 November 2023, (Accessed on: April 3, 2026). https://www.aljazeera.com/news/2023/11/3/hezbollahs-hassan-nasrallah-sp…