بين تجدّد المواجهة والتسوية التفاوضية: مصير حرب كان يُفترض ألا تستمر طويلًا

لا يزال مصير الحرب الأميركية الإيرانية معلّقا بين سيناريوهات ليس من بينها تحقيق نصر حاسم أو تكبّد هزيمة كاملة لأي من الطرفين. ولا تزال خيارات الرئيس ترامب تراوح بين العودة إلى التصعيد والقصف الموسّع، أو تطوير الحرب إلى غزو بري محفوف المخاطر، أو الاستمرار في المسار التفاوضي ومواجهة ما يتطلبه من تنازلات متبادلة.
15 October 2026

لم تكن ضرورات الأمن القومي هي ما استدعى الحرب الأميركية على إيران. وهذه الحرب في الحقيقة هي حرب خيار، وخيار إدارة الرئيس ترامب على وجه الخصوص. فثمة ما يشبه الإجماع الأميركي، الجمهوري-الديمقراطي، المستقر منذ ستينات القرن الماضي، على الالتزام بأمن إسرائيل وحمايتها. ولكن، حتى إن قُبلت وجهة النظر التي تقول بأن الحرب وليدة المتطلبات الإستراتيجية الإسرائيلية، فليس هناك أدلة كافية على أن إيران كانت، في أواخر فبراير/شباط 2026، تمثل تهديدًا إستراتيجيًّا لإسرائيل، نوويًّا أو تقليديًّا، مباشرًا أو عبر أذرع حليفة.

وكانت إسرائيل، بمساعدة أميركية، قد أوقعت، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دمارًا واسع النطاق بمقدرات خصومها المعروفين والمحتملين في الإقليم، وقتلت المئات من كوادر وقادة أعدائها، إلى جانب عشرات آلاف المدنيين. ومثلما حدث في غزة ولبنان وسوريا، استهدف الدمار والقتل إيران أيضًا. وفي حرب الاثني عشر يومًا، في صيف 2025، وبمشاركة أميركية، استهدفت حملة قصف بالغة العنف مراكز المشروع النووي الإيراني، وأخرجتها عن الخدمة. ولكن الإسرائيليين والأميركيين لم يستطيعوا الاستيلاء على اليورانيوم عالي التخصيب، أو التحقق من مصيره، رغم تأكيدهم أن تدمير المنشآت أفقد إيران القدرة على استئناف مشروعها النووي لعدة سنوات قادمة.

ومنذ وقف إطلاق النار في جولة القتال الحالية، عاد الرئيس ترامب، في أبريل/نيسان الماضي، إلى التأكيد على أن منع إيران من امتلاك السلاح النووي كان دافع الحرب الأوَّلي والأبرز، وأن امتلاك إيران للسلاح النووي يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن أوروبا والولايات المتحدة. ولكن المعروف أن المفاوضات الأميركية-الإيرانية كانت تسير قدمًا عشية اندلاع الحرب، وأن إيران كانت قد وافقت على تخفيض تخصيب اليورانيوم إلى أدنى حدٍّ مسموح به للأغراض السلمية، وعلى السماح بمراقبة دولية دائمة لنشاطها النووي.

فلماذا إذن قرر الرئيس ترامب مشاركة إسرائيل في هذه الحرب، بل وتحمل الجزء الأكبر من أعبائها هذه المرة؟ الواضح، أن وهمًا تلبَّس القيادة الإسرائيلية منذ أواخر 2024 بأن إسرائيل باتت في موقع يؤهلها لإحداث تغيير جوهري في الشرق الأوسط. وأن ذلك التغيير لا يقتصر على ميزان القوى بين إسرائيل ودول محيطها الإقليمي العربي-الإسلامي وحسب، بل سيكون تغييرًا في البنية السياسية والثقافية كذلك. وقد ظَنَّ نتنياهو وحلفاؤه في الحكومة الإسرائيلية أنهم بصدد حسم الموقف العربي-الإسلامي من وجود إسرائيل، مرة وإلى الأبد، وفرض هيمنة إسرائيلية سياسية على الإقليم برمته.

مع أوائل 2026، كان واضحًا أن إسرائيل أخفقت في تحقيق هدف تغيير الشرق الأوسط، وأصبح تحقيق إنجازٍ ما في إيران، على الأقل، ضرورة حيوية لمستقبل نتنياهو السياسي، من ناحية، ولاستعادة ثقة إسرائيل بنفسها، من ناحية أخرى. لذلك، شُنَّت الحرب بهدف إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، الهدف الذي كان يُفترض أن يحتضن شروط مشروع تغيير الشرق الأوسط. فكافة القيادات الإيرانية التي جرى اغتيالها، وكافة المؤسسات الحكومية التي جرى قصفها خلال الأسبوعين أو الثلاثة الأولى من الحرب، كانت تشير إلى مشروع لإسقاط النظام. وهذا ما يبدو أن نتنياهو أقنع به الرئيس ترامب وأغلب إدارته. حرب سريعة، لأسبوعين أو ثلاثة، تنتهي بانهيار النظام الإيراني، وتسلِّم قوى أو جماعات أخرى مقاليد الحكم، يليها قبول إيران الجديدة بكافة المطالب الإسرائيلية-الأميركية الأخرى. ولكن الرئيس ترامب سرعان ما أدرك استحالة تحقيق هدف إسقاط النظام، وهو ما أفضى إلى الانتقال إلى النسق الثاني من الأهداف، المتعلقة بالمشروع النووي ومدى الصواريخ المسموح بها وقطع صلات إيران الإقليمية، وإلى وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات الأميركية-الإيرانية بوساطة باكستانية وقطرية.

أوصل المسار التفاوضي الطرفين إلى مذكرة التفاهم، التي جرى التوقيع عليها في 17 يونيو/حزيران، والتي كان يؤمَّل أن تؤسس للتعامل السلمي مع عواقب الحرب، مثل الملاحة في مضيق هرمز، وفتح الباب لمفاوضات تسوية دائمة. ولكن المذكرة بدت وكأنها تصبُّ لصالح إيران، ووجدت معارضة من قبل دوائر فاعلة في واشنطن، أدَّت سريعًا إلى التخلي عنها. وخلال يوليو/تموز، شهدت ساحة الصراع تبادلًا للهجمات والقصف بين الطرفين، وبدء المحاولات الأميركية للتعامل مع مأزق مضيق هرمز بالقوة. وخلال الشهرين التاليين، أحكمت القوات الأميركية الحصار البحري على كافة الموانئ الإيرانية، وساعدت بالفعل على تسهيل جزئي للمرور عبر هرمز.

تنتهي الحروب عادة بالتفاوض، أو بهزيمة قاطعة لأحد طرفيها. ولكنْ ثمة حروب قد تستمر طويلًا قبل أن تنتهي بالتفاوض أو الهزيمة. وعندما تُجرى الانتخابات النصفية الأميركية، التي تؤشر أيضًا إلى دخول إدارة ترامب إلى عاميها الأخيرين، ستكون الحرب على إيران قد تجاوزت شهرها الثامن. وبالنظر إلى ما يمكن أن تؤول إليه التوازنات السياسية الأميركية الداخلية بعد الانتخابات، وإلى تكلفة الحرب الباهظة، وإلى حرص الرئيس على ميراثه، فالأرجح أن الرئيس سيعمل على غلق ملف الصراع مع إيران، بصورة أو أخرى، قبل مغادرة البيت الأبيض. فما خيارات الرئيس لوضع نهاية لهذه الحرب؟

العودة إلى القصف الموسَّع

أحد الخيارات التي يتردد حولها النقاش، في أوساط إدارة الرئيس ترامب والمقربين منه، هو إطلاق حملة جديدة من القصف الجوي، بمشاركة إسرائيلية أو بدونها. ولكن، ولأن حملة الأربعين يومًا السابقة لم تُفْضِ إلى كسر إرادة النظام الإيراني، فيبدو أن من يؤيدون الذهاب إلى هذا الخيار يدعون إلى توسيع نطاق القصف. وإذا كانت الحملة الأولى قد استهدفت قيادات النظام، ومراكز الحكم ومؤسساته، والجيش والحرس والاستخبارات، وعددًا محدودًا من طرق الاتصال والمنشآت الصناعية، فعلى الأرجح ستستهدف حملة القصف الموسَّع ما تبقى من قيادات الصف الأول، وكافة بنى الدولة والبلاد التحتية، من الجنوب إلى الشمال، بما في ذلك العاصمة، طهران. ولا يقتصر الهدف الأميركي من ذلك على تجريد النظام من كافة مقدراته وحسب، بل أيضًا لكشفه أمام شعبه، وإظهار عجزه عن الاستجابة لمتطلبات حياة الناس الضرورية.

أدَّت الجولة السابقة من القتال إلى تقويض معظم الدفاعات الإيرانية، وبدت سماء إيران في أسبوع القتال الأخير وكأنها تحولت إلى ساحة مفتوحة أمام الطائرات والصواريخ الأميركية والإسرائيلية. ولكن، ثمة مؤشرات على أن إيران سعت في الأشهر الأخيرة إلى إعادة بناء دفاعاتها الجوية، سواء بقدراتها الذاتية أو بمساعدة حليفيها، الصيني والروسي، كما أن الدفاعات الإيرانية بدأت تنجح، بين يوم وآخر، في إسقاط طائرات مسيَّرة أميركية. ولكن رصد واستهداف المواقع الدفاعية الإيرانية، التي أعيد تأهيلها، لن يكون شأنًا عسيرًا أمام الأميركيين إذا تجددت المواجهة.

فالأميركيون لديهم من المقدرات في المنطقة ما يكفي لتنفيذ حملة قصف جوي تستمر لعدة أسابيع على الأقل. وطبقًا لوزارة الحرب الأميركية، ستنتشر ثلاث مجموعات حاملات طائرات في محيط إيران، مع أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، إضافة إلى أسراب الطائرات الأميركية التي اتخذت من إسرائيل مركزًا لها. كما أن عددًا من القواعد الأميركية في الخليج والمحيط الهندي والأردن، وعلى الرغم من تضررها، لا تزال صالحة للاستخدام.

المشكلة في هذا الخيار أنه جُرِّب من قبل، ولم يحقق النتائج المرجوة منه. صحيح، أن حملة القصف الأولى لم تستهدف البنية التحتية، إلا أنها كانت حملة هائلة بكل المقاييس، شملت طبقًا للإحصاءات الأميركية الرسمية قصف ما يزيد عن 13 ألف هدف في كافة أنحاء إيران. وليس هناك ما يضمن بأن تفضي حملة، مهما اتسع نطاقها، إلى كسر إرادة النظام وخضوعه. ما تضمنه مثل هذه الحملة هو المزيد من التضييق على حياة ومعاش الإيرانيين العاديين، ودفعهم إلى الانتقال من موقع عدم الاكتراث بمصير النظام، إلى عداء الولايات المتحدة والانضواء تحت مظلة النظام، بوصفه حارس السيادة والمقدرات الوطنية. وإذا وضعنا التقارير المتضافرة عن التناقص الحرج في مستودعات الذخيرة الأميركية في الحسبان، فلابد أن يكون هناك سقف زمني محدد لأية حملة قتال جديدة. بمعنى، أن ليس على إيران سوى محاولة الصمود لعدة أسابيع أخرى فقط.

كما أن هناك تعقيدات أخرى لابد من أخذها في الاعتبار. فالمؤكد أن إيران سترد على أي استئناف للقتال بتوسيع نطاق الحرب، والعودة إلى قصف مراكز ومواقع مشابهة للمراكز والمواقع الإيرانية المستهدفة في دول الخليج والأردن. وليس ثمة ما يشير، في ضوء التجارب السابقة، إلى أن الولايات المتحدة تمتلك المقدرات الكافية في المنطقة للدفاع عن الدول الصديقة في الخليج والشرق الأوسط. فإذا قُصفت محطات الكهرباء أو مصافي النفط في إيران، فالأرجح أن الإيرانيين لن يترددوا في قصف محطات كهرباء أو مصافي نفط في دول الخليج العربية. وبذلك تجد المنطقة نفسها أمام أحد أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تؤدي إليها هذه الحرب.

وسواء استأنفت الولايات المتحدة القتال قبل الانتخابات النصفية، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، أو بعدها، فإن الآثار السلبية لهذا التصعيد ستصيب العالم ككل، سيما حلفاء الولايات المتحدة في غرب أوروبا، إلى جانب الوضع الاقتصادي الأميركي. ولا يُستبعد أن يؤدي التصعيد البالغ في ساحة الحرب، إلى أزمة اقتصادية عالمية، وإلى انهيار في مستوى الثقة بين الولايات المتحدة وحليفاتها في الخليج والشرق الأوسط.

تطوير الحرب إلى عملية برية

الخيار الثاني أمام الرئيس ترامب هو محاولة حسم الحرب، أو تحقيق بعض أهدافها الرئيسة، بالانتقال إلى الغزو البري. ولأن عدم اليقين يحف دائمًا بأي حرب تقتصر على القصف الجوي، يقول أنصار هذا الخيار: لابد من الذهاب إلى الغزو البري، الذي يمكن أن تكون له نتائج مؤكدة. ويمكن تنفيذ غزو بري لتحقيق أهداف محددة، أو غزو بري أوسع نطاقًا، يذهب إلى محاولة إسقاط النظام، أو إشعال حرب أهلية، تمهد لإسقاطه.

يستهدف سيناريو الغزو البري المحدود أهدافًا بعينها، مثل السيطرة على كافة الجزر الإيرانية في الخليج، ومواقع تمركز الجيش والحرس في ساحل الخليج الشمالي، من أجل إنهاء التهديد الإيراني للملاحة في الخليج. ويمكن أن يستهدف الغزو البري السيطرة على جبل الفأس، المعروف في إيران باسم "كوه كولانغ غاز لا"، المركز النووي والعسكري الغامض، الذي يقول الإيرانيون إنه ليس سوى مصنع لأدوات الطرد المركزي، بينما يعتقد الأميركيون أنه مركز رئيس لتخصيب اليورانيوم، وأن معظم اليورانيوم عالي التخصيب مخزن فيه، نظرًا لأنه لا يبعد سوى كيلومترات قليلة عن مفاعل نطنز، الذي سبق قصفه وتدميره. ويرى أنصار هذا الخيار أنه إن نجحت عملية السيطرة على جبل الفأس، فربما تستطيع القوة الغازية السيطرة على معظم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.

المشكلة في خطط الغزو المحدودة أنها، مثل حملة القصف الموسَّعة، يمكن أن تحقق الهدف الذي تسعى إلى إنجازه، ولكن من الصعب حساب الخسائر التي قد تنجم عنها، أو ما إن كانت ستؤدي في النهاية إلى كسر إرادة النظام. بمعنى، أن القوات الغازية قد تستطيع فعلًا السيطرة على الجزر الإيرانية في الخليج، وتنجح في تحييد مواقع التهديد لأمن الملاحة، ولكن لا أحد يعرف حجم الحشد الإيراني في المواقع المستهدفة. وعلى الرغم من الشكوك التي تحيط بجبل الفأس، فليس من المتيقن ما إن كان بالفعل موضع تخزين اليورانيوم المخصب، ولا من الممكن توقع طبيعة الدفاع الإيراني عن تلك المنشأة.  

من جهة أخرى، يبدو أن من المستبعد قيام الولايات المتحدة بعملية غزو شاملة لإيران، شبيهة بغزو العراق، بهدف احتلال البلاد وإسقاط نظام الحكم. فإيران دولة هائلة المساحة، بتضاريس بالغة التعقيد، وتعداد سكاني يفوق التسعين مليون نسمة، ولا تزال تحتفظ بمقدرات عسكرية دفاعية كبيرة وعالية الكفاءة، وهي مؤدلجة إلى حدٍّ كبير، سواء على صعيد الحرس أو الجيش أو الباسيج. ويقدر خبراء عسكريون أن غزوًا شاملًا لإيران يتطلب حشد ما يزيد عن مليون من الجنود. والمؤكد، طبقًا لتقارير وزارة الحرب الأميركية، أن تعداد مشاة البحرية الأميركية المنتشرين في جوار إيران لا يزيد كثيرًا عن عشرين ألف جندي. بمثل هذا العدد، يستحيل التخطيط لعملية غزو شاملة. وبغض النظر عن حجم الحشد الأميركي في المنطقة، فالمؤكد أن عملية احتلال البلاد ستتطلب زمنًا طويلًا، كما ستوقع بالقوات الغازية خسائر كبيرة. وهذا ما يجعل موافقة الرئيس ترامب على عملية بهذه الخطورة مستبعدة.

ما يمكن وضعه محل الدراسة هو غزو من نوع آخر، تلعب فيه قوى المعارضة الإيرانية، سيما الجماعات الكردية المسلحة، الدور الرئيس. وكان الإسرائيليون قد أجروا اتصالات بالجماعات الكردية الإيرانية المتواجدة في شمال شرق العراق قبل انطلاق حرب الأربعين يومًا، وخططوا للزجِّ بالأكراد في الصراع مع النظام بمجرد توافر مظلة جوية أميركية/إسرائيلية للمجموعات التي كان يفترض أن تشارك في التوغل عبر الحدود الإيرانية-العراقية. ولكن الأميركيين، بعد أن اطلعوا على ضعف مقدرات الجماعات الكردية وانقساماتها، وربما بناء على نصائح تركية كذلك، أوقفوا مخطط الغزو الكردي. كما أن الإيرانيين كانوا قد أعدوا أنفسهم في محافظات الأغلبية الكردية لمواجهة أي محاولة غزو محتمل من الخارج.

وليس من الواضح ما إن كانت الولايات المتحدة قد انخرطت، خلال الشهور القليلة الماضية، في إعادة بناء وتنظيم المجموعات المسلحة الكردية ورفع كفاءتها القتالية. ولكن الواضح، أن الأسئلة الرئيسة المتعلقة بالتدخل الكردي لا تزال قائمة. فاستدعاء العامل الكردي لا يأخذ في الاعتبار أن قطاعًا ملموسًا من سكان محافظات الأغلبية الكردية هم في الحقيقة من الأكراد الشيعة، الذين يصعب حسابهم ضمن المعارضة. كما أن دفع المسلحين الأكراد إلى ساحة الصراع، مهما كان الدعم الأميركي/الإسرائيلي، سيواجَه بقدر هائل من العنف من قوات النظام المتمركزة في الجانب الإيراني من الحدود. وعلى الرغم من أن الإسرائيليين يدَّعون أن قوى معارضة مسلحة أخرى في أوساط الشعب الإيراني ستتحرك مباشرة في موازاة التدخل الكردي، فقد أظهرت أجهزة أمن النظام قدرات ملموسة على قمع واحتواء التحرك المسلح المعارض، في يناير/كانون الثاني، الماضي بسرعة فائقة وبأقل قدر من الخسائر.

استمرار التفاوض تحت ضغط الحصار

الخيار الثالث أمام الرئيس ترامب، الذي يبدو أكثر منطقية وجدوى، هو بالتأكيد الحفاظ على نهج التفاوض عبر الوسطاء الباكستانيين والقطريين، في موازاة إحكام الحصار على إيران والتضييق على النظام. فخلال العقود الخمسة الماضية، فرضت الولايات المتحدة على إيران عقوبات من أصناف شتى، استهدفت أشخاصًا ومؤسسات، اكتسب بعضها طابعًا تشريعيًّا دوليًّا، بينما فُرض بعضها الآخر بإرادة أميركية منفردة. وقد استطاعت إيران، بصورة أو أخرى، الالتفاف على تلك العقوبات بمساعدة بعض دول الجوار، أو بمساعدة قوى دولية صديقة، مثل روسيا والصين. ولكن العقوبات التي فُرضت على إيران خلال الشهور القليلة الماضية، وإن كانت أميركية وليست دولية، غير مسبوقة.

هناك، أولًا، الحصار الأميركي العسكري على الموانئ الإيرانية، الذي أخذ يضيِّق الخناق على واردات إيران وصادراتها منذ فشل مذكرة التفاهم. وتقول البيانات الأميركية: إن القوة البحرية الأميركية المحتشدة في بحر العرب نجحت في إيقاف تجارة إيران عبر البحر مع العالم بصورة كاملة. ومنذ أواخر أغسطس/آب، أعلنت واشنطن حزمة عقوبات جديدة، مغلَّظة، مباشرة وثانوية، على إيران، وعلى كافة الدول والجهات التي يمكن أن تتبادل معها تجاريًّا. ولأن الولايات المتحدة تراقب، وتتحكم في حركة الدولار عبر المؤسسات المالية في مختلف أنحاء العالم، ولأن الدولار لا يزال عملة التداول التجاري الرئيسة، فسيكون من الصعب الالتفاف على حزمة العقوبات الأخيرة. 

ثمة من يجادل بأنه يصعب على الأميركيين ملاحقة ومنع حركة السفن التقليدية الصغيرة، التي تنتقل عبر الخليج بين موانئ إيران وموانئ الدول المجاورة منذ قرون. ولكن الحقيقة أن أعداد هذه السفن وحمولتها ضئيلة، ولن تستطيع مهما بلغ عدد رحلاتها اليومي، الاستجابة لحاجات ما يزيد عن تسعين مليونًا من الإيرانيين. وهناك تقارير تشير إلى أن إيران تعمل على تنشيط طرق التفاف أخرى على الحصار، سواء بالنقل البري من وإلى العراق، ومن وإلى شرق تركيا، أو دول الجوار البري الأخرى، الأصغر حجمًا اقتصاديًّا. كما تشير تقارير مشابهة إلى مساعدات مالية تقدم من دول صديقة لإيران، وأن الصين لم توقف كلية معاملات إيران مع المؤسسات المالية الصينية، التي أصبحت نافذة بالغة الأهمية للتجارة الإيرانية الدولية منذ سنوات. ولكن هذه الطرق كلها، تظل مخارج محدودة، يمكن أن تحمي الإيرانيين من السقوط في هوة المجاعة، ولكن من الصعب أن تسهم في المحافظة على مستوى صادرات كاف لاستمرار فاعلية أجهزة الحكم وأذرع الدولة على المدى البعيد.

وكانت مصادر الخزانة الأميركية قد أكدت، في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أن حجم ما تبقى من النفط الإيراني في أعالي البحار، الذي كان جرى إخراجه قبل إحكام الحصار، لم يعد يزيد على عشرين مليون برميل. كما بدأت مظاهر التراجع في حجم السيولة المتوافرة في السوق الإيرانية تلقي بثقلها على قطاع ملموس من التجار الإيرانيين المهددين بالإفلاس، بينما تصاعدت مؤشرات التضخم، وانخفاض قيمة العملة الإيرانية، إلى مستويات غير مسبوقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

من جهة أخرى، ثمة أدلة متضافرة على أن المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة لا تزال مستمرة، وإن ببطء. وقد تبادل الطرفان مقترحات لإيقاف الحرب والانتقال إلى التفاوض على التسوية النهائية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وحتى إن لم يُكشف على وجه الدقة عن المقترح الإيراني الأولي، أو الرد الأميركي عليه، فقد أكد وزير الخارجية الإيراني، يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول، أن طهران بصدد تسليم الوسيط القطري ملاحظاتها على الرد الأميركي. وتؤكد مصادر عربية وأوروبية أن الوساطة القطرية ما زالت تعمل، ولكن بهدوء وبعيدًا عن الأضواء، بأقصى طاقة ممكنة، من أجل التوصل إلى اتفاق على نهاية الحرب. فهل يعني هذا أن اقتران نهج التفاوض بضغوط الحصار يمكن أن يؤدي فعلًا إلى نهاية الحرب؟

مصير الحرب

ربما لم يعد من الضروري الإشارة إلى أن النهاية التفاوضية للحرب، أية حرب، تتطلب إرادة متكافئة من طرفي الصراع للتوصل إلى اتفاق قد لا يكون مرضيا لكليهما، أو لا يستجيب بالضرورة لكافة مطالبهما. فكلا طرفي الحرب لابد أن يصلا معًا إلى قناعة متزامنة بعدم جدوى أو فاعلية الوسائل الأخرى، وبتراجع حثيث في قدرة كل منهما على تحمل تكاليف استمرار الصراع، بكافة أنواعها.

ويبدو أن الرئيس الأميركي، بغضِّ النظر عن نتائج الانتخابات النصفية، لا يرغب في أن يترك للرئيس المقبل ميراثًا من حرب مفتوحة، لم تكن أصلًا ضرورة للولايات المتحدة. كما أن واشنطن تنظر بعين القلق إلى تكلفة استمرار هذا الحشد العسكري المتزايدة في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من محاولات الإدارة الأميركية المتكررة لتعزيز ثقة الأوساط الاقتصادية والمالية في العالم، فإن نذر التأزم الاقتصادي العالمي لا تتطلب وجود اقتصادي عبقري لرصدها.

من جهتها، تبدو إيران، رغم ما تبديه من ممانعة، متجهة إلى هوة اقتصادية لم تعرفها منذ ولدت كدولة قومية في ثلاثينات القرن الماضي، ولا حتى في سنوات التمزق والهيمنة الأجنبية خلال الحرب العالمية الثانية. صحيح أن إيران اعتادت التعايش مع العقوبات طوال ما يقرب من خمسة عقود، ولكن المؤكد أن حزمة العقوبات التي فُرضت خلال الأشهر الأخيرة، سيما تلك التي تستهدف أطرافًا ثالثة، والتي تحد من حركة الطيران من إيران وإليها، أضافت مستوى من التعقيد إلى علاقة النظام بشعبه، وقد تزيد من عزلة البلاد.

ما يوحي به هذا المنعطف من الصراع، أن الطرفين لم يعد أمامهما سوى مواجهة متطلبات التسوية التفاوضية. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنهما باتا على مقربة من التسوية. فالرئيس ترامب، بالرغم من إفلات جدول الحرب الزمني من كل الحسابات التي تأسس عليها قرارها الأول، وبالرغم من العواقب الوخيمة لاستمرار حالة التأزم في الشرق الأوسط، ليس على استعداد بعدُ لإنهاء الحرب دون الحصول على صورة المنتصر. وقيادة النظام الإيراني، بالرغم من كابوس الحصار والعقوبات المظلم، تبدو كأنها لم تزل على ثقة بأن قدرًا إضافيًّا من الصمود سيمهّد الطريق لخروج إيران من الحرب في وضع أفضل إستراتيجيًّا، على مستوى الإقليم وفي الساحة الدولية.

المؤكد، أنه ما لم يتخلص الطرفان من أوهام الاقتراب من لحظة الانتصار، وانتظار انكسار الطرف الآخر، فإن الحرب مرشحة للاستمرار في حالتها الراهنة لأمد قد يطول. وإن حاول الرئيس ترامب أن يجمع خيارين معًا، مثل الحصار والعقوبات وحملة موسَّعة من القصف، لدفع الإيرانيين إلى الاعتراف بالهزيمة وتحسين شروط التسوية، فالأرجح أن ترد إيران بالانسحاب من المسار التفاوضي، وبإرسال نيران الحرب إلى كافة اتجاهات جوارها الإقليمي. فالحروب تنتهي عادة بهزيمة حاسمة لأحد طرفيها، أو بالتفاوض والمساومات المتبادلة. ولكن بعض الحروب قد تدور طواحينها لفترة أطول من حسابات أطرافها جميعًا، قبل أن تصل إلى منعطف الاعتراف بالهزيمة، أو القبول بالحل التفاوضي.